ليلة السبت في بوينس آيرس .. «وجهة نظر أمريكية»

وليام راينش –
مجلس العلاقات الخارجية –
ترجمة قاسم مكي –

إن أعضاء مجموعة العشرين الآخرين يفضلون التحول عن مواقفهم على القتال. من الواضح أنهم قرروا التواؤم مع ترامب بدلا عن التصدي له. وسنعلم في المستقبل إذا كان ذلك هو التكتيك السليم. لكن الماضي لا يوحي بذلك.

حدثت ثلاثة أشياء في نهاية الأسبوع الماضي (السبت 1 ديسمبر) تستحق أن نعلق عليها في إيجاز. أولا: تمكنت مجموعة العشرين من إصدار بيان مشترك. قد تقول إن ذلك ليس شيئا عظيما لكنه أفضل مما يمكن أن يفعله منتدى التعاون الاقتصادي الآسيوي الباسيفيكي (أبيك) أو مجموعة السبع الصناعية الكبرى. إنه ليس إنجازا بسيطا على الرغم من محتواه المهادن. وما ورد في البيان كان بقدر أهمية ما لم يرد فيه. ما «ورد فيه» تضمن أول إشارة على الإطلاق إلى الإصلاح الضروري لمنظمة التجارة العالمية والإقرار بأنها لم تكن تؤدي واجبها على الوجه الأكمل. هذا إلى جانب اشتمال البيان على إشارة واضحة لأهمية التعامل مع التغير المناخي، على الرغم مما شابها من ممانعة أمريكية واضحة في الفقرة التالية. أما «ما لم يرد» فيه فقد شمل الإعلان غير الإشكالي سابقا حول معارضة الحمائية. يقودنا هذا إلى ثلاثة استنتاجات.
أولها، أن الرئيس ترامب ينجح في إجبار البلدان الأخرى على التعامل مع أجندته التجارية خصوصا إصلاح منظمة التجارة العالمية. ما سهل ذلك، هو حقيقة أن لديه في الواقع مخاوف مشروعة بصرف النظر عن غرابة التعبير عنها. لقد دفع ترامب البلدان إلى مواجهة المشاكل التي فضلت تجاهلها في السابق.
ثاني هذه الاستنتاجات هي أن أعضاء مجموعة العشرين الآخرين يفضلون التحول عن مواقفهم على القتال. من الواضح أنهم قرروا التواؤم مع ترامب بدلا عن التصدي له. وسنعلم في المستقبل إذا كان ذلك هو التكتيك السليم. لكن الماضي لا يوحي بذلك. فالقبول بما يريده -ترامب- يندر أن يشتري لك أي شيء سوي تذكرة مقعد أمامي لخطبته القادمة. فبالنسبة له يصب الولاء في اتجاه واحد فقط.
ثالث هذه الاستنتاجات أننا شهدنا مرة أخرى تخفيف التشدد في المعايير. لقد اعتبرت هذه القمة ناجحة؛ لأنه لم ينتج عنها ضرر كما يبدو، ولم يسئ فيها ترامب إلى أي أحد. الحدث الثاني كان خروج الرئيسين ترامب وشي من حفل العشاء دون كارثة، وهو ما يوضح مرة أخرى انعدام التشدد في المعايير. لقد فعلا ذلك إلى حد كبير بتأجيل المواجهة (الحرب التجارية بين بلديهما) لمدة 90 يوما. لم يكن ذلك مفاجئا. فقد كان متوقعا إلى حد كبير بما في ذلك بالنسبة لي ، ولكنه يؤكد مرة أخرى قابلية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتلاعب به. وكما كانت هي حال الولايات المتحدة مع اليابان والاتحاد الأوروبي ما الذي تخلينا عنه (للصين)؟ لقد تخلينا عن المزيد من الرسوم الجمركية، وهذه المرة لمدة 90 يوما. وما الذي حصلنا عليه؟ حصلنا على المزيد من الوعود بإجراء محادثات وشراء (منتجات أمريكية). حتى الآن من الصعب أن نرى كيف تغلب ترامب على نظرائه. بالطبع تنفس تجار التجزئة والمزارعون وأصحاب الأعمال الصعداء وينبغي لهم أن يفعلوا ذلك؛ لأن الرسوم تؤذيهم جميعا. لكن الفرج قد يكون مؤقتا فقط. وبعكس اليابان والاتحاد الأوروبي حيث يبدو الاتفاق ممكنا جدا معهما، تظل الصين نفس ذلك اللغز منذ البداية. فالصينيون لا يمكنهم الاستجابة لمطالب واشنطن دون إضعاف سيطرة الحزب الشيوعي. وهذا آخر شيء يمكن أن يقبلوا به. لذلك لا نزال بالضبط، حيث كُنّا لما يزيد عن عام. فقد وجب علينا التقليل من مطالبنا والموافقة على فتح السوق، إلى جانب إحداث تعديلات تزيينية، في أفضل الأحوال، على السياسة التقنية أو اتخاذ إجراءات عقابية أخرى في مسعى خائب لتعظيم ضغطنا على الصين. علينا بدلا عن ذلك توظيف هذا الوقت (هدنة الـ90 يوما) لجعل شركاتنا أكثر تنافسية في البلدان الأخرى التي تشكل ميدان المعركة الحقيقي (مع الصين). الحدث الثالث في ليلة السبت كان إعلان الرئيس ترامب وهو يغادر الأرجنتين نيته الانسحاب رسميا من اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (النافتا). وهذا أيضا كان متوقعا على نطاق واسع لكن ربما ليس بهذه السرعة بعد توقيع الاتفاقية بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا. وفي حين أن ثمة منطق معين وراء هذه الخطوة (إذا تمت المصادقة على الاتفاق الأمريكي المكسيكي الكندي فسوف لن يكون للنافتا معنى) إلا أنها أوجدت مشكلات للكونجرس. من الواضح أن الانسحاب من النافتا هو مسعى للضغط على أعضاء الكونجرس بعرض بديلين لهم. فإما «نافتا جديدة» ممثلة في الاتفاق التجاري الجديد مع المكسيك وكندا أو «لا نافتا». وهذا البديل الأخير يمثل أسوأ نتيجة لكل أحد ولا يريد أي من الحزبين أن يُلاَم عليها. فأعضاء الكونجرس سيلومون الرئيس على وضعهم في مثل ذلك الموقف السياسي. ومن تبقي من المؤسسيين في الكونجرس (أعضائه الذين يهتمون حقا بأخلاقيات عملهم) إذا وُجِدُوا سيلومونه أيضا على تقويض السلطة التي يمارسها الكونجرس على السياسة التجارية. بل ربما سيذهبون حتى إلى مقاضاته. ومن المؤكد أن غموض القانون يفتح الباب لذلك. تنص اتفاقية نافتا بأنه يحق لأي طرف فيها الانسحاب منها. لكن أطرافها هي كندا والمكسيك والولايات المتحدة. ولا توضح الاتفاقية أو القانون المعني الجهة التي يمكنها اتخاذ ذلك القرار في الولايات المتحدة؛ هل هو الرئيس أم الكونجرس. أعتقد لأسباب عديدة أن الرئيس هو صاحب اليد الطولي في هذا الجانب. لكن ذلك موضوع آخر. وفي الوقت نفسه يضع الانسحاب من نافتا الديموقراطيين في موقف حرج. فهم بلا شك لن يكونوا سعداء من تصرف الرئيس. لكن سيتردد العديدون منهم في اتخاذ موقف يجعلهم وكأنهم يؤيدون نافتا. وهي اتفاقية ظل بعضهم يشتكي منها لأكثر من 20 عاما. من المؤكد أنهم سيبدؤون بمعارضة الاتفاقية الجديدة والمطالبة بإجراء تعديلات عليها وأيضا اتخاذها رهينة مقابل ثمن لم يحدد بعد ، ولا علاقة له بها. هذا لا يعني أن مصيرها الفشل. فاحتجاز الرهائن تكتيك معروف حين يسيطر حزب المعارضة على كل الكونجرس أو على جزء منه. على أية حال سيكون هنالك قدر كبير من الإثارة قبل المصادقة على الاتفاقية في النهاية. وسيكون هنالك المزيد من الإثارة مع الصينيين كذلك. وسيلزم حسم كلا القضيتين في الربيع أو الصيف القادم . حينها سنتذكر اجتماع مجموعة العشرين الذي خلا من الإثارة بوصفه استثناء من «قاعدة» قيادة ترامب المنفلتة. فهل سيلزم شد أحزمة مقاعدكم مرة أخرى!

• أستاذ التجارة الدولية بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن العاصمة