لحظات عصيبة

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

الأخبار عن الحرب التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين لا زالت تترى والتهديدات المتبادلة تتطاير ورغم أن كل طرف يحاول لجم الموقف بين وقت وآخر بعبارات غامضة لكن تميل الى التهدئة إلا أن ذلك لم يمنع من ان يظل الخوف على النظام العالمي التجاري متعدد الأطراف قائما. كلنا يذكر الموقف العالمي الموحد ضد قرار الرئيس الأمريكي بنقل السفارة الأمريكية الى القدس وكيف وقفت ضده دول اعتادت تقليديا مساندة إسرائيل. لم يكن ذلك حبا في العالم العربي أو في فلسطين وشعبها ولكن كان في جوهره خوف القوى الأوروبية من قيام أمريكا بتحطيم ركائز النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية وتجلياته وأبرزها الأمم المتحدة. تحطم النظام ليس لأن لدى الولايات المتحدة الأمريكية نظاما بديلا وجاهزا ومقبولا للعمل به بل لأنها تريد ان تعمل منفردة… وبعيدا عن أي قيد ولو كان قيد الشركاء لأمريكا أنفسهم.  اليوم تنبع المخاوف من ذات النقطة اعني المخاوف على النظام التجاري العالمي وقمته الظاهرة وهي منظمة التجارة العالمية كما يشيع الخوف في أوساط دول أخرى تسأل نفسها إذا كان هذا ما يفعله الرئيس ترامب مع الصين أقوى دولة اقتصاديا في العالم بعد أمريكا بل وصاحبة أعلى ناتج محلي عالمي إذا قيس بأسعار تعادل القوى الشرائية فما الذي يمكن ان تفعله معنا؟. لذلك فرغم ان ترامب وأعضاء في الإدارة والكونجرس  والخارجية الأمريكية بدأوا يعطون إشارات الى ترحيب أمريكا بعقد اتفاقات تجارة حرة ثنائية مع رفضهم أو رفض ترامب الواضح للاتفاقيات  متعددة الأطراف.. أقول رغم ذلك فإن الدول التي وعدت بأن تكون ضمن القائمة المحتمل إجراء مفاوضات تجارة حرة معها ومنها مصر ونيجيريا وجنوب إفريقيا وكينيا لم تسعد كثيرا بذلك ومنطقها في هذا واضح.. لسان حالها يقول: إن أمريكا التي ترفض الاتفاقيات المتعددة وتنسحب منها وتوجه اتهامات للصين بأن تجارتها تهدد الأمن القومي الأمريكي… أمريكا هذه لا تبشر بأنها تسعى الى اتفاقيات ثنائية جيدة ومنصفة لكنها تريد الانفراد بالدول الناشئة لفرض شروطها عليها. لقد كتب كثير من علماء الاقتصاد الكبار وآخرهم جوزيف استجليتز مبينا كيف ان أمريكا ستخسر إذا واصلت تعاملها مع الصين بهذا الشكل وفي الوقت الغلط بتعبيره وكيف سيخسر المستهلك الأمريكي والشركات الأمريكية بالذات في مجال الصناعة التقليدية والمزارعين لكن الواضح ان ترامب مصمم على توجهه وبالتالي يتعين التعامل مع الأمر الواقع والصعوبة الشديدة هنا ويا للغرابة في معرفة الأمر الواقع أو بمعنى آخر ماذا يريد ترامب حقا؟ فقد لفت النظر مثلا انه استثنى كندا والمكسيك من قرار رسوم الالمنيوم والحديد رغم ان كندا اكبر مورد حديد الى أمريكا. في كل الحالات وكما أشرت فلا زلت أعتقد ان ترامب لا يريد التصعيد الذي يصل الى حد تفجير حرب حقيقية على غرار الصراع على الأسواق الذي قاد الى الحربين الأولى والثانية والذي راح ضحيته عشرات الملايين من البشر وتهدمت بسببه أصول رهيبة. من اجل ذلك اعتقد ان ترامب يريد ان يتفاوض في نهاية المطاف سواء مع الصين او غيرها وهناك إشارات إلى ذلك ولكن بغض النظر عن السؤال حول وقت وطبيعة التفاوض فإن ما سيبقى ثابتا في ترامب هو رفضه للقواعد العالمية الراهنة والمنظمات التي تقوم عليها وميله الشديد ليس الى ان تعمل أمريكا منفردة فحسب بل ان تعمل أمريكا بقراره المنفرد . وإذا كان هذا موقفه من التجارة السلعية التي لها قواعد واضحة تحكمها الى حد بعيد وهي قواعد حددت الولايات المتحدة الأمريكية الجانب الأعظم منها فماذا سيكون موقفه من تجارة الخدمات ونطاقات الأنترنت والتجارة الإلكترونية والتهرب الضريبي العالمي ومن النظام النقدي العالمي وكلها قضايا متفجرة أو بصدد التفجر ؟. في النقطة الأخيرة فإن الكافة يلاحظون ان الصين التي طالما اتهموها بأنها تضعف عملتها قصدا حتى تضاعف صادراتها تقوم الآن بالعكس أي بنوع من دعم عملتها لتشجيع الاستهلاك المحلي وما تقوم به ليس عملا وقتيا ولكنه نتاج استراتيجية طويلة برزت ملامحها في مؤتمر الحزب الشيوعي الأخير ومعنى ذلك ان اعتمادها على التصدير  سيقل وأضيف واعتمادها حتى على الاستيراد أيضا لأن بناء عوامل اكتفاء ذاتي حتى من المنتجات البالغة التقدم يبرز كل يوم فماذا سيفعل ترامب؟للحق يجب التنويه الى ان معظم شركات التكنولوجيا الكبيرة بأمريكا وقفت ضد ترامب لأنها لا تزال ترى أنها تحقق منافع كبيرة بالصين لكن استجليتز لفت النظر هذا الأسبوع الى ان الصين التي تتفوق على أمريكا في القيمة المضافة الصناعية وفي الادخار وأمور أخرى عازمة على سبق الجميع في مجال الذكاء الصناعي الذي سيحدد مكانة وقوة الدول في العصر الجديد فماذا ستفيد حمائية ترامب في أمر كذلك ؟. في كل الحالات ان تدارسا سريعا ومعمقا من خلال المجلس الاقتصادي أو مجلس الوحدة  الاقتصادية العربية بالجامعة العربية للتطورات الجديدة لهو أمر غاية في الأهمية. كنا نشكو من عدم عدالة النظام التجاري العالمي وإهماله مصالح الدول الناشئة لحساب الكبار خاصة في قضايا السلع الزراعية وحقوق الملكية الفكرية والخدمات الحكومية وغيرها فإذا بنا أمام موقف يراد فيه تحطيم النظام كله بما فيها من بعض المزايا والمعقولية ليقف العالم الثالث في فراغ مخيف. ألم اقل إنه موقف عصيب.