وتر: سحــر الغواية

شريفة بنت علي التوبية –

كان عليَّ أن أوفر كل يوم قوت روحي من كتاب أقرأه، كان عليَّ أن أزود عقلي بحصة قرائية يومية كافية حتى لا أشعر بالجوع المعرفي، وحتى لا ينتابني الإحساس بالبلادة، وحتى لا أضيع بزمن تتجاذبني فيه تيارات شتى، أصاب بقلق الانتهاء من كتاب أحبه؛ لأني أعلم أني سأفارق حبيبًا ورفيقًا مخلصًا، فيرعبني ذلك الفراغ الذي من الممكن أن أكون فيه مع كل انتهاء، فلا يعينني على الخروج منه سوى كتاب آخر. ربما أكون قد تجاوزت مرحلة البحث عن نفسي في كتاب، ففي كل قراءة أحاول الخروج مني ومن زمني ومحيطي وحدودي، وأتجاوز تلك الأطر والحواجز الشائكة لأدخل عوالم أخرى لا يمكن أن يصنعها سوى خيال كاتب حاذق، أبحث عن تلك الروح التي لا تشبهني أبدًا كي أقع في حبها، متعمّدة ذلك الوقوع لأحيا سحر الغواية التي تقودني إلى بداية درب مختلف، أبحث عن قطعة حلوى لذيذة دسمة دسّها لي كاتب ما في سطور كتاب، يعلم شغفي دون أن يراني، كما أفعل أنا حينما أدسّ (شوكولا) الحكاية بين سطور كتبي لقارئ لم أره ولكني أجزم أني أعرفه معرفتي لنفسي، ذلك القارئ الذي اخترعه كبطل لي، قارئ يقرأ وينتقد ويحاور ويعيد لي النص مرات ومرات لأنه يعرفني جيدًا بأني محصّنة من حساسية النقد، ويكون شريك عزلة وشريك فكرة وشريك روح، لأن الأرواح باختصار لا تُرى، والأرواح لا تُزعج أحدًا، وأنا أبحث عن تلك الروح التي أشعر بقربها دون أن يزعجني التصاقها بي، روح تجلس معي في المقعد الشاغر أمام طاولة الكتابة، فتمنحني دفء وجودها لأكتب، حيث لن يبقى مني سوى الحكاية التي أكتبها، والحكاية التي أقرأها والتي تمنحني مفاتيح الأبواب المغلقة لأتحول إلى ألِيس في بلاد العجائب، فأذهب وقد لا أعود إلى ما كنت عليه لأني أكون قد اكتفيت، فحينما أحمل كتاباً فأنا أحمل عالمًا وحياة بأكملها. القراءة سفر والقراءة متعة لمن عاش التجربة، ولا يمكن أن تكون القراءة ترفا اجتماعيا أو ثقافيا، إنها حياة، ولست مع أولئك الذين لا يجدون في الكتاب حياة كاملة، ولست مع أولئك الذين لا يجدون في الكتاب أكثر من فكرة لا تتجاوز لحظة فتح الكتاب وغلقه، ولو تأملنا هذا العالم بكل ما فيه لاكتشفنا أن ما نحتاجه لا يوفره لنا الواقع؛ لأن أرضه ماحلة والعالم تنقصه الحياة التي نريد، فنعثر عليها في كتاب نقرأه أو كلمة نكتبها.