وتر: الصورة في القلب يا نزوى

شريفة بنت علي التوبية –

قد نحتاج في بعض الأحيان لأن نستعيد أنفسنا من براثن الغربة، نحتاج للعودة عبر دروبنا القديمة إلى تلك الأماكن التي أحببناها وبادلتنا المحبة، علّنا نعثر على أنفسنا الضائعة هناك، علنا نجدها ما زالت في نفس المكان بانتظار عودتنا إليها، يُرجعنا الحنين إلى حيث مشينا وحيث كان لنا في كل زاوية من زوايا المكان ذكرى، ونكون على ثقة أن المكان سيعرفنا وسيذكرنا، فللمكان ذاكرة وللمكان قلوب لامسها الحنين، تلك الأماكن التي عانقت آلامنا ونحن نسير في دروبها العتيقة، فبادتلنا الحُب حباً واللهفة لهفةً، ليتجدد الحنين في القلب وتفتح لنا الذاكرة دهاليز العودة إلى حيث كنا.
عشت كل هذه الهواجس في زيارتي الأخيرة لنزوى، منذ أن دخلت بوابتها في الطريق إلى سوقها العريق وقلعتها الشامخة، أسير بلهفة العاشق للقيا من يحب، أشم عبق الماضي في سوقها القديم المضمّخ برائحة الورد المجفف ورائحة البهارات النزوانية لتتبيلة لحم الشواء، يأخذني الدرب حيث كانت تلك الطفلة تسير خلف جدها هناك، وحيث تناولت ساندوتش لحم (المشكاك) للمرة الأولى، أبحث عن حلية فضية أزين بها يدي، وأبحث عن مذاق وجبتي القديمة من ذات المقهى الذي ما زال صامداً أمام عولمة المقاهي وغُربة الأطعمة، ليقدم لي وجبته المعتادة والتي لم تكن أكثر من خبزة صغيرة بداخلها بعض من (لحم المشكاك) والكثير من الملفوف والشطة دون أن يكون معها رقائق البطاطا المقلية أو فنجان قهوة تركية أو عصير الموهيتو، لا شيء سوى أنها نزوانية المذاق، وذلك كان كافياً بالنسبة لي لأتناولها بشهية ومحبّة.
لست الغريبة على نزوى لتأخذني كل هذه الدهشة كما يتوقع البعض، فأنا ابنة البلد المأخوذة بسحر المكان وحب من سكن المكان، لكنه الحنين الذي سكن القلب وتركني أمام فتنة الجمال النزواني وشوق العاشق لنزوى، كل شيء في نزوى يدعوني للكتابة عنها، الباعة المتمسكين بأماكنهم في السوق القديم دون أن يتركوه للوافد أو الأجنبي، المصوغات الفضية الجميلة، الأواني الفخارية، الحكايات التراثية، الرجل العجوز بلحيته البيضاء الذي قال لي أن التصوير حرام فلا يجوز أن ألتقط له صورة تذكارية، مشيراً إلى لافته علّقها على جدار دكانه القديم ( ممنوع التصوير)، وكل شيء في نزوى يدفعني لأن أحبها أكثر، فنزوى عنوان الحكاية إذا حُكيت، ونزوى جمال الكلمة إذ كُتبت، ونزوى الصورة الجميلة العالقة في القلب قبل أن تكون صورة مؤطّرة في عدسة مصور عابر .