درس الدم السوري … وبداية استعادة التوازن !!

د.عبد الحميد الموافي –

فاجأني صديقي، وهو دبلوماسي رفيع مخضرم ومتابع واع لما يحدث في المنطقة وتتعرض له على مستويات عدة، بقوله أين مصر؟، نحن كعرب – أو بشكل أدق كجزء من العرب – ننتظرها ونتطلع إليها ونطمئن لها، ولكننا الآن نفتقدها، وبقدر إدراكي لاحتمال أن يكون التساؤل نوعا من الغمز المبطن،
إلا أن ذلك تضاءل أمام حب محدثي لمصر، وحرصه الحقيقي على استعادة دورها ومكانتها وقدرتها على التأثير وضبط إيقاع التطورات في المنطقة، بشكل أو بآخر، وبين حدي احتمال الغمز والتوق إلى مصر السند، سعدت بأن وعيا مهما وضروريا ينمو، متمسكا بقوة الترابط العربي المصري. وقلت لصديقي إنك في الواقع وضعت الأصبع على نقطة بالغة الأهمية وهي أن إضعاف مصر، ومحاولة إغراقها في الانشغال بشؤونها الداخلية هو ما أدى ويؤدي إلى استئساد القوى الإقليمية، وإظهار الإرهابيين وشذاذ الآفاق بقدرات تدميرية غير مسبوقة، وإنه ضروري أن ندرك أن ما تعرضت له مصر في السنوات الأخيرة كان بالغ الخطورة، والحمد لله مضى الجزء الأكبر والأخطر منه، فتماسك مصر وإصرارها على النهوض أوقف انحدار الكتلة العربية إلى الهاوية، ويزداد الأمل الآن في وقف التدمير والتخريب المخطط لسوريا الشقيقة، لتعود دولة متماسكة بقدر الإمكان، وقادرة على السير نحو استعادة ذاتها، سوريا جناح العروبة، وليس مصادفة أن تتمسك مصر بوحدة سوريا، وأن تقوم بدور في جهود التهدئة بين الفصائل السورية، وأن تؤكد على مبدأ تؤمن به مصر بقوة الآن، وهو الحفاظ على الدولة الوطنية العربية، ورفض تدمير مؤسساتها وعدم التدخل في الشؤون الداخلية العربية للأشقاء، من منطلق أن أبناء كل دولة هم الأحق، وهم من تقع عليهم أيضا مسؤولية تحديد مسارها نحو المستقبل. وبالمناسبة، فإن ذلك مبدأ أخذت به عمان، وتمسكت وتتمسك به في مواقفها حيال مختلف القضايا والتطورات العربية، بما فيها تلك الخاصة بسوريا الشقيقة أيضا.
نظر صديقي متسائلا بعيونه عن النتيجة فقلت له: أحسب من وجهة نظري المتواضعة أن مصر تستجمع قواها بالتعاون مع أشقائها، وأنها قادمة، متمسكة برؤيتها القائمة على احترام الشؤون الداخلية للأشقاء والبعيدة عن شبهة التدخل، تحقيقا لمصلحة ذاتية، ولعل ما يجري في سوريا الشقيقة يكون خطوة البداية على طريق، افتقدناه ونتوق إليه جميعنا، وبما يقودنا كعرب إلى استعادة تماسكنا الذي انفرط، وإلى استعادة مكانتنا وقدرتنا، بين القوى الإقليمية، لتكون كل منها في حجمها، بدون استئساد أو طموح جامح، أو استعادة لصور ومراحل مضى عليها التاريخ، ولم تعد البيئة العربية والإقليمية والدولية مواتية لاستعادة صور كاريكاتورية لا يقبلها الواقع اليوم، ولا تسوغها حتى حالة الضعف والتشرذم العربية غير المسبوقة خلال السنوات الأخيرة. قال صديقي: وهل نحن على مقربة من ذلك؟ ونسير في اتجاهه؟ قلت له: أعتقد أن التطورات في سوريا الشقيقة تقول ذلك، وعلى نحو يزداد وضوحا وأهمية أيضا، وهو ما ينبغي التوقف أمامه قليلا، نظرا لأهميته، الآن وفي الفترة القادمة، فمن بين الركام، وسحب الدخان، وأعمال القتل التخريب والهدم التي تعرضت لها سوريا الشقيقة، على مدى سنوات الدم الصعبة وغير المسبوقة، يمكن الإشارة إلى عدد من الجوانب، وباختصار شديد لعل من أهمها ما يلي:
* أولا: إنه مما لا شك فيه أن ما حدث ويحدث في سوريا الشقيقة منذ عام 2011، في إطار ما عرف بالربيع العربي هو في الواقع «ربيع الدم والتخريب العربي»، إذا جازت هذه التسمية المرعبة حقا، المحكومة بالنتائج على الأرض للأسف، بغض النظر عن أية أمان أو شعارات دغدغت المشاعر، وأطلقت التطلعات والطموحات لمرحلة جديدة من الانعتاق العربي، هو أمر يتجاوز في أهميته ونتائجه أيضا النطاق الجغرافي لسوريا الشقيقة. صحيح أن العراق الشقيق تم إدخاله قسرا في نفق التفكيك المتعمد لقواه، وزرع المحاصصة الطائفية والسياسية في تربته على نحو غير مسبوق ومتعمد من جانب الولايات المتحدة، وعبر الاجتياح المباشر له، وتفكيك جيشه ومؤسساته، بزعم إعادة تشكيلها، ولكن الصحيح أيضا أن نجاح ما أريد ويراد للعراق الشقيق يظل إلى حد كبير مرتبطا ومعلقا بدرجة غير قليلة بما يحدث في سوريا الشقيقة، وذلك لاعتبارات تاريخية وجيوبوليتيكية واجتماعية عديدة ومعروفة. ومن هنا تحديدا فإن وقف الانحدار والتفكك في سوريا الشقيقة والعمل على استعادة قوة وتماسك الدولة السورية، ووحدة مكوناتها في إطار البوتقة السورية الواحدة، هو أمر لا يهم سوريا فقط، ولكنه يهم العراق والشام والمنطقة العربية ككل، الآن وفي السنوات القادمة. ولعل ذلك يفسر شراسة محاولات التدمير والتخريب الذي استهدف سوريا، الدولة والوطن والمجتمع، وعلى نحو غير مسبوق بالفعل، وليس في ذلك أي مبالغة، فما يجري في العراق لن يكتمل، ولن يصل إلى أهدافه، ما لم يستكمل في سوريا، وهناك الكثير من المؤشرات والمظاهر التي تؤكد ذلك بشكل مباشر وغير مباشر. ومن هنا تتضح أهمية ومدى تأثير ما يجري على الأرض السورية، والحسابات الإقليمية والدولية المتداخلة والمتقاطعة عليها، في إطار الصراع على سوريا !.
* ثانيا: إنه بالرغم من أن سوريا الشقيقة، دفعت وتتحمل على مدى السنوات الست الأخيرة الجزء الأكبر والأخطر والأكثر رعبا من فاتورة الدم والتدمير العربي بحكم أعداد القتلي والجرحى والمشردين داخل سوريا، والمهاجرين خارج القطر السوري – نحو نصف الشعب السوري – إلا أنه يحسب لسوريا أنها تظل الأرض العربية الصامدة والصابرة التي استطاعت سد الطريق أمام تدحرج كرة الثلج والدمار العربية. صحيح أن فاتورة الدم لم تتوقف حتى الآن، ولكن الصحيح أيضا أنه اصبح هناك يقين بنقطتين أساسيتين:
أولهما أن سوريا لن تتفكك ولن يتم تقسيمها، كما بشر الكثيرون من مخططي وناشري الخراب، وممولي الإرهاب في المنطقة العربية، وأن ذلك يعني تضاؤل الأمل في تفتيت المنطقة لدى تلك الأطراف، ولدى الطامعين والمتربصين بها بغض النظر عن شعاراتهم أو منطلقاتهم المكشوفة. أما النقطة الثانية التي يزداد الشعور بأهمية وضرورة ترسيخها خاصة على الصعيد العربي فإنها تتمثل في أنه من المهم والمفيد لكل الأطراف العربية في المقام الأول العودة إلى التمسك بشكل حقيقي وجاد وملموس بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للأشقاء، والأكثر من ذلك التخلي الحقيقي عن أية محاولات أو نوازع أو تطلعات للتلاعب بعناصر ومكونات أي مجتمع داخلي لأية دولة عربية، ليس فقط لأن ذلك أحد أقدم مبادئ السياسة العربية التي اتفق عليها الآباء المؤسسون لجامعة الدول العربية، ولمجلس التعاون لدول الخليج العربية، وبالطبع للأمم المتحدة، ولكن أيضا لأن خطر تجاوز هذا المبدأ ومحاولات تغيير الأنظمة العربية، أو استهداف قيادات بأشخاصها، كالرئيس السوري بشار الأسد، والإصرار على إزاحته، بأية وسيلة، وأيا كانت النتائج المترتبة على ذلك، سوريا وإقليميا، هو شخصنة مذمومة للخلافات العربية، وإن كانت ممارسة قديمة، ولكنه أيضا إرساء لسابقة خطيرة في الممارسات والخلافات والصراعات العربية، وهو أمر قد لا تسلم منه دول عربية عديدة إذا تغيرت خريطة التوازنات العربية. ولذا فإنه من المهم التخلي عنه وعدم الانزلاق إليه ليس من منطلق عدم القدرة، أو الفشل في تحقيقه لأية أسباب أو ظروف، ولكن من منطلق أن أنظمة الحكم في الدول العربية هي حق أصيل لشعوب هذه الدول، وهى فقط من تحدده، بوسائلها المعروفة، وهذا أيضا واحد من أقدم مبادئ السياسة العربية التي قامت عليها جامعة الدول العربية قبل أكثر من سبعين عاما، وما أحوجنا إلى إعادة التمسك بها، وهو لصالح كل الأشقاء في الواقع، بصرف النظر عن الظروف الراهنة. ولعل التراجع من جانب عدد من الأطراف والقوى الإقليمية والدولية عن الحديث عن الإطاحة بالرئيس السوري كشرط مسبق للحل، أو للتوصل إلى اتفاق بشأن ترتيبات المرحلة الانتقالية في سوريا، يشكل عودة إلى أحد المبادئ الحاكمة للسياسة العربية، وحتى يكون للشعب السوري الحرية والقدرة في تحديد مستقبله، عبر التوافق بين كل قواه السورية، وبعيدا عن التدخل أو فرض الوصاية من جانب أية أطراف أخرى. وعادة ما يقال إن الرئيس السوري تسبب في قتل الكثيرين من السوريين وتشريدهم وهجرتهم من بلادهم، وإنه فتح سوريا أيضا أمام قوى إقليمية ودولية معروفة ولها حساباتها وأطماعها أيضا، غير أن ذلك في الواقع هو بمثابة نصف الصورة فقط، كما أنه محاولة مكشوفة لوضع مسؤولية كل ما حدث على عاتق الرئيس السوري، وهذا هو المنطق الذي استند إليه الداعون إلى إخراجه، أما النصف الآخر والمكمل للصورة فإنه يتمثل في تعرض سوريا لفيض من التنظيمات والجماعات الإرهابية العابرة للحدود التي تم دفعها وتمويلها وإمدادها بكل أنواع الأسلحة من أجل تدمير سوريا وقتل السوريين، وهو ما حول سوريا إلى أرض للتدريب ولتفريخ الإرهابيين من كل مناطق العالم، فهل كان مطلوبا من الرئيس السوري أن يرحب بهؤلاء أو يقابلهم بالورود؟! أم أن مسؤوليته أن يدافع عن شعبه وبلده؟ على أية حال ودون الدخول في جدل حول هذه النقطة فإن درس الدم السوري يقول بوضوح: إنه علينا كعرب، دولا ومنظمات، أن نلتزم بجد وبشكل حقيقي بعدم التدخل في شؤون بعضنا البعض، والإقلاع عن شخصنة الخلافات العربية، والعمل على بناء ثقة متبادلة وضرورية لخدمة مصالحنا المشتركة والمتبادلة، لأن ذلك أمر لا غنى عنه لنا جميعا، وإنه لا يمكن لأية دولة عربية أن تعيش بمفردها، ولا في معزل عن شقيقاتها، وهذا هو درس السياسة العربية أمس واليوم وغدا أيضا، فهل ستقبل بذلك ونحترمه، من أجل مصالح دولنا وشعوبنا.
* ثالثا: إنه فيما يتصل بالأوضاع على الأرض في سوريا الشقيقة فإنه في الوقت الذي تتجه فيه المحرقة السورية نحو الانحسار، سواء بوقف الدعم الأمريكي لفصائل المعارضة السورية، أو بانحسار عمليات تمويل المنظمات والجماعات الإرهابية في سوريا، لأسباب مختلفة مؤخرا، أو لتعرض تنظيم «داعش» الإرهابي لضربات مؤثرة، أو لنجاح مناطق التهدئة التي عملت روسيا، بالتعاون مع إيران وتركيا، ومصر والأردن ايضا، في إقامتها وتهدئة القتال فيها، إلا أن الحرب في سوريا لن تتوقف غدا، والأرجح أنها تنتظر حسم عدد من الجوانب حول مستقبل سوريا، وسبل تخليصها من العناصر الإرهابية، ومن نفوذ القوى المختلفة، وبما يستعيد تماسك سوريا والحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية فيها، وترك مصير الرئيس السوري ليحدده السوريون أنفسهم، وفي إطار ترتيبات متفق عليها بشكل عام بين مختلف القوى السورية، ومع أن ذلك لا يزال يخضع لعمليات شد وجذب بين القوى السورية والإقليمية والدولية، إلا أنه يمكن القول إن سوريا الآن باتت على طريق الخروج من نفق التخريب والدم والدمار، وكان تنظيم معرض دمشق الدولي قبل أيام خطوة رمزية، لمرحلة تحتاج فيها سوريا إلى وقوف كل أشقائها معها لتنهض من جديد، ولتكون جناحا قويا للعروبة وللدفاع عن المصالح العربية، وصيانتها بعيدا عن الشخصنة والحسابات الصغيرة لهذا الطرف أو ذاك، فهل نستوعب معنى ودلالة ما حدث؟!!