الشركات المتعدّدة الجنسيّات وديناميّات العَولَمة

رفيف رضا صيداوي –

في سياق التغيّرات الحاسمة التي شهدتها العقود الثلاثة الأخيرة، وبخاصّة لجهة التداخل المتزايد بين الخاصّ (المحلّي أو الوطني) والعامّ (الدّولي أو العالَمي)، كثرت الأدبيّات حول طبيعة الحدود الفاصلة بين المجالَيْن، وحول دَور الدُّول المركزيّة، وصولاً إلى الأدبيّات الكثيرة التي تناولت مسألة نهاية «الدّولة – الأمّة».
وبالتالي، يتناول هذا المقال، من دون أن يتبنّى مفهوم نهاية «الدّولة – الأمّة» المُشار إليه، أحد الأبعاد التي تتمظهر من خلالها ديناميّات العولَمة، والمتمثِّل بالشركات المتعدّدة الجنسيات أو العابِرة للدّول، التي يتمّ من خلالها إعادة تنظيم مستويات السيادة.
في تفكيكها اللّماح للمشهد العالَمي اليوم، رصدت عالِمة الاجتماع الفرنسيّة ليسلي سكلير Leslie Sklair ما أسمته «الممارسات عبر – الوطنيّة» التي تخترق الحدود الدوليّة من خلال دوائر ثلاث يتألّف منها النّظام الإجمالي (الكوكبي): الاقتصادي، والسياسي، والثقافي/‏‏ الإيديولوجي.
لذا سنتوقّف في هذا المقال عند الدائرة الاقتصاديّة، وتحديداً عند المؤسّسات عبر- الوطنيّة، بوصفها أحد أشكال الممارسات الاقتصادية العابرة للأوطان، والتي لا تؤدّي بالضرورة إلى إنهاء الدّولة أو سيادتها، بل تجعل من الدّولة نفسها قاعدة الانطلاق لمثل هذه الممارسات العابرة للأوطان التي توحي باضمحلال دَور الدّولة؛ حيث بات تدفّق الرساميل والأشخاص في المرحلة الراهنة من العَولمة يتمّ في مناخٍ من السيادة المجزّأة وغير المترابطة، الموحي بالانفصال بين الإقليم الوطني والسيادة، ولاسيّما مع الارتباط القائم بين العمليّات الاقتصاديّة، وهيمنة الشركات العالميّة على الأنشطة الاقتصاديّة المولِّدة للقيمة، الذي راح يشهد ازدياداً مطّرداً.
بمعنى آخر، ستكون المؤسّسات عبر – الوطنيّة، بمنزلة المختبر الذي يسمح بمراقبة التطوّرات والتحوّلات التي تُطاول دَور الدَّولة، دولة القرن الحادي والعشرين التي هي «أبعـد من أن تُعتبَر دولة عظمى على شـاكلة الدّولة المُطلَقة، أو دولة الحُكم المُطلَق، في الماضي، وهي لا تسـتطيع أن تطلب من مواطنيها حصر ولائهم بها وقصره عليها (..)؛ [بحيث] باتت مُجبَرة على الاعـتراف بالضعف الذي يبدو أنـّه يزداد أهمّية لأنـّه يترافق مع نسبيّة الحدود التي كانت عنصراً مُكوِّناً لشـوكتها وجبروتها الماضيَيْن»( إيف ديلـوا Yves Déloye، «الدُّول الحديثة، ركــائز النّظام الدّولي؟»، من كِتاب أوضاع العالَم 2017، l’État du monde2017، الصادر حديثاً عن مؤسّسة الفكر العربي في بيروت، والذي نقله إلى العربيّة نصير مروّة).
في دراسته التي ضمَّها كذلك كِتاب «أوضاع العالَم 2017»، والتي جاءت بعنوان «عنـدمـا تسـتولي الشـــركات المتعدّدة الجنســـيّات على السلطة»، يشير المؤسِّس المُشارِك لموقع (Basta) ولمرصد الشركات المتعدّدة الجنسيّات «إيفـان دو رويّ» Ivan du Roy، إلى الضخامة الاقتصاديّة الهائلة لهذه الشركات، وكيف أنّ شركات المال والصناعة النفطيّة والسيّارات والطّاقة..إلـخ باتت تُنافِس الدُّول، بحيث تستخدم مَتاجـر والمرت Walmart المركزية الكبرى الأمريكيّة، 2.2 مليون شخص، أي مـا يناهز عـدد سـكّان باريس، وتُحقِّق، مع حركة مبيعات تزيد قيمتها على 485 مليار دولار سنويّاً، مـا يُعادل النّاتج القومي القائِم للأرجنتين أو لتايوان. في حين – والكلام لدو رويّ – تُقارِب الميزانيّة المصرفيّة العموميّة لـ«بنك باريس القومي، باري باس (BNP Paribas)» الألفَيْ مليار يورو، أي ما يُوازي النّاتج الوطني القائِم للبلد الذي اتَّخـذ مقرّه فيه، أي لفرنسا التي تحتلّ مرتبة القوّة الاقتصاديّة السادسة في العالَم. «وهـذا مع أنّ بنك (BNP Paribas) لا يحتلّ سوى المرتبة الثامنة بَين المصارف العالميّة، أي أنّ ترتيبه يأتي بعـد المؤسّسات الماليّة الصينيّة والأمريكيّة. وتتجاوز رسملات عمالقة الإنترنت الجُّـدد، جوجل (Google) وآبل (Apple)، النّاتِج المحلّي القائم للسويد وبولونيا، ونيجيريا، التي هي أعظم بلدان أفريقيا سكّاناً إذ تضمّ قرابة 180 مليون نسمة». ففي هذه الدراسة القيّمة الموثَّقة بالأرقام، يضيف الكاتِب أنّ هناك حوالي 147 شركة من الشـــركات المتعدّدة الجنســـيّات تملك منفردةً، «عـبر شبكة معقَّدة من المُحاصصات»، 40% من القيمة الاقتصاديّة والماليّة لكلّ الشـــركات المتعدّدة الجنســـيّات في العالَم كلّه.
في المقابل، وبحسب «إيفان دو رويّ» أيضاً، ثمّة التفاف تقوم به الشـــركات المتعدّدة الجنســـيّات على الضرائب والرسـوم داخل الدُّول، بمـا في ذلك الدُّول داخل الاتّحـاد الأوروبي. « فشركة أمازون (Amazon) مثلاً لا تدفع سوى 0.5 % على أعمالها خارج الولايات المتّحدة، وجوجل 2.2 %، وفيسبوك 1.5 %، وآبِّل 1 %. وهنا أيضاً تحـذو الأنماط حـذو بعضها بعضاً: فإيباي، وبيبال، ونيتفيكس (eBay, PayPal, Netflix)… اختارت كلّها، شـأن أمازون (Amazon) أن تتّخذ لنفسها مقرّاً أوروبيّاً في اللّوكسمبورغ، مع خَفْضٍ في الرَّسم على القيمة المُضافة (TVA) واتّفاقات سرّية، – الرَّسم السائِد (tax ruling) – لتخفيف الضرائب كما كشف ذلك ملفّ لوكس ليكس (Luxleaks)».
حذار من التعميم
لكن، على الرّغم من إطار عَولمة التبادلات السائرة على قدمٍ وساق، والسيطرة المتزايدة للرأسمال المالي العالَمي، لا بدّ من ملاحظة أمور ثلاثة: أوّلاً، أنّ الدّولة الوطنيّة ما تزال تستمدّ شـرعيّتها، من تمثيلها السياسي لجماعتها في حدود إقليم مُحدَّد وواضح المعالِم؛ ثانياً: أنّ الكلام بالمُطلق على انتهاء دَور الدّولة وقدرتها، في ما يخصّ ضبط الأمور الاقتصادية وتنظيمها، ينطوي على تعميمٍ واضح، ذلك أنّ هذا الحضور أو الغياب لدَور الدّولة محكوم بالهرميّة أو التراتبيّة القائمة بين الدُّول تبعاً لوزنها الاقتصادي والسياسي؛ ثالثاً: إنّ قدرة الدَّولة على ضبط الأمور وتنظيمها، المتفرّعة عن وزنها الاقتصادي والسياسي المُشار إليه، يمنحها قدرة أكبر على التسوية مع الشـركات العابِرة للقوميّات؛ ناهيك بأنّ سيرورة العَولَمة نفسها، المتشكِّلة باستمرار، تستقي عناصر تشكّلها هذا من وجود الدُّول (أو المحلّي) لكونه – أي هذا المحلّي – هو الذي يحقِّق كينونة العَولمة؛ حيث يُمكن للدُّول التي تستقبل استثمارات هذه الشركات أن تضع قيوداً ومعايير على هذه الاستثمارات، فضلاً عن أنّها هي التي تقدِّم للشركات الحوافز التي تشجّعها على العمل (من إعفاءات ضريبيّة أو تخفيضٍ للرسوم الجمركيّة، أو فرض نسبة معيّنة من الأيدي العاملة الوطنيّة التي ينبغي تشغيلها..إلخ).
في نسبيّة مسألة النهايات
لعلّ هذه الإطلالة تسمح لنا كدُول نامية بعدم الاستسلام لمقولة «نهاية الدَّولة» وتبعاتها على المستويات كافّة، ومن بينها المستوى الاقتصادي؛ إذ لا شكّ أنّ العَولمة الرّاهنة قوَّضت أُسساً كثيرة، اقتصاديّة وسياسيّة ومعرفيّة وميتافيزيقيّة وغيرها، فضلاً عن الكثير من التصوّرات الشمولية للمجتمع والثقافة والتاريخ والكون…إلخ.
ولا شكّ أيضاً أنّ هذه التغيّرات كلّها تزامنت مع تضاؤل دَور الدَّولة- الأمّة، ومع تدفّق المعلومات والمال والبضائع وأشكال الممارسات الثقافيّة والدينيّة والسياسيّة وانتشارها من حول العالَم، بحيث إنّ تزامن «الأنماط والقيَم والأمزجة والأشكال والمباني والمساحات والحضارات يولد، أو يؤول إلى القرية العالميّة»(على حدّ تعبير عبد الغني عماد، سوسيولوجيا الثقافة، 2006)، إلّا أنّ ذلك لا يفضي بالضرورة إلى تبنّي مقولات «جوهرانيّة» مثل «نهاية الدّولة – الأمّة» أو «عدم نهايتها».
فإذا ما قرأنا التفاعلات والتراكبات والتداخلات القائمة بين المحلّي والعَولمي أو الكَوكبي، لربّما توصّلنا إلى خلاصات غير تلك الجاهزة وذات البُعد الواحد. فللمجتمعات حدود اجتماعيّة تُطابِق حدودها الإقليميّة أو الجغرافيّة على حدّ تعبير الباحث الألماني Ludger Pries؛ وهي الفكرة التي نظَّر لها المفكّر الأمريكي بول كينيدي Paul Kennedy للتعبير عن أحد أشكال التفاعل بين المحلّي والعَولمي أو الكَوكبي، مُعتبراً أنّ المحلّي يشتمل على ثلاثة أبعاد: أولاً، وضعنا أو موضعنا الفيزيقي والجسدي وأيضاً المجتمعي (في المكان)، وخصوصيّات هذا المكان المناخيّة والتاريخيّة والجغرافيّة أيضاً؛
ثانياً، تجاربنا اليوميّة سواء في دائرة العائلة أم المهنة أم أماكن الترفيه؛ ثالثاً أشكال حيواتنا التي تتعلّق بالهويّات الوطنيّة والإثنيّة التي تطبع الحياة العائلية وأماكن العمل ومجتمعات الحيّ، والتي تمنحنا التجارب التي تُشكِّلنا خلال السنوات الأولى من حيواتنا. ما يعني أنّ المحلّي (الجماعة، المجتمع، الوطن، الحيّ، البلد…) لا يمّحي ولا يذوي، وأنّ ما يصحّ على هذا المستوى الوجودي يصحّ أيضاً على سائر مستويات التفاعل بين الخاصّ والعامّ أو بين المحلّي والعَولمي أو الكَوكبي.
على هذا، وفي ما يتعلّق بالمستوى الاقتصادي المتمثّل بالشركات المتعدّدة الجنسيات أو العابِرة للحدود أو للقوميات، فإنّ سيطرة هذه الشركات وانتشارها وتمدّد سلطاتها أحياناً بشكلٍ يتجاوز سلطة الدّولة الوطنية، لا يعني البتّة نهاية دَور الدّولة؛ فطالما أنّ دُولنا النامية هي التي تقدِّم للشركات الحوافز التي تشجّعها على العمل، كما سبقت الإشارة إلى ذلك آنفاً، فإنّه يمكنها في المقابل وضع شروط تحدّ من استباحتها المجال الاقتصادي القومي، عبر تشديد الإجراءات في ما يخصّ العلاقات التي تربط هذه الشركات بدُولنا.
ومن ذلك مثلاً وضع سقف للأرباح المسموح لهذه الشركات أن تحوّلها إلى الخارج، واشتراط أن تكون مشروعات هذه الشركات ذات جدوى اقتصاديّة بالنسبة إلى البلد المُضيف، واشتراط تشغيل نسبة معيّنة من أهل البلد المُضيف، وغيرها من الضوابط التي تؤكّد مرّة أخرى نسبيّة مفهوم «نهاية الدَّولة».