ترجمات : الأوبئة القاتلة.. المهدد الحقيقي للأمن القومي

مايكل أوستيرولم ومارك أولشيكر –
نيويورك تايمز –
ترجمة قاسم مكي –

يبدو أن إدارة ترامب، وهي تقترح زيادةً كبيرةً في الإنفاق العسكري لتعزيز أمن أمريكا الوطني، لم تنتبه لأعظم مهدد يواجه أمننا القومي على الإطلاق. إنه تفشي الأمراض المعدية. لقد أنفقنا على قواتنا المسلحة ما يزيد كثيرًا عما أنفقه أي بلد آخر في العالم. ومن أجل تمويل هذه الزيادات المقترحة يريد الرئيس ترامب خفض الأموال المخصصة في الموازنة لبرامج فيدرالية عديدة بما فيها تلك التي تجعلنا على استعداد لشن الحرب على الميكروبات، أعظم وأخطر عدو محتمل لنا. فهذه الجبهة حقًا هي التي بحاجة إلى زيادة مؤثرة في «مخصصاتنا الدفاعية»، ولكن الموازنة التي يتقدم بها الرئيس ترامب تقترح تقليصا بنسبة 18% في مخصصات معاهد الصحة القومية. كما تخفض بحوالي 28% مخصصات وزارة الخارجية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وهي الآلية الرئيسية لمنع تفشي الأوبئة والتعامل معها قبل وصولها إلى سواحلنا. ويمكن أيضًا أن يقضي إلغاء قانون توفير الرعاية الصحية على صندوق الوقاية والصحة العامة الذي يقدم التمويل لمراكز مراقبة ومنع انتشار الأمراض المعدية. لن تحمي هذه التخفيضات المواطنين الأمريكيين. بل ستؤدي إلى تلاشي جهود الأبحاث وتطوير اللقاحات وقدرتنا على التصدي للمهددات المتزايدة على صعيد مقاومة المضادات الحيوية وظهور أمراض معدية جديدة. وفي الحقيقة هذه الهيئات تخفق سلفا في تحقيق هدفها كما شاهدنا ذلك في العام الماضي حين لم تتمكن من التعامل بفعالية مع مرض زيكا. فما الذي ستفعله حين نواجه جائحة حقيقية؟ ولأن البشر الذين بلغت أعدادهم 7.4 بليون نسمة يتقاسمون الحياة على الأرض مع 20 بليون دجاجة و400 مليون خنزير فإننا سنكون قد أعددنا (بمثل هذه التخفيضات في مخصصات الصحة) السيناريو المثالي لظهور وانتشار الميكروبات الخطيرة. لقد قلصت التجارة ووسائط السفر الحديثة المسافات بين معظم أرجاء المعمورة. وصار الانتقال بينها يستغرق مجرد ساعات. وتتزايد باطراد أعداد من يعيشون في عشوائيات العالم الثالث التي تعج بالميكروبات. بحسب بعض التقديرات، كانت الإنفلونزا الإسبانية قد قضت في الفترة 1918-1919 على أعداد من البشر أكثر من الذين قتلوا في حروب القرن العشرين بأجمعها. واليوم من الممكن أن تكون جائحة الإنفلونزا (القادمة) أشد تدميرًا من القنبلة الذرية. فنحن بدأنا نشهد حالات تفشي للإنفلونزا في الطيور من صنف إتش7إن9 في الصين. ومن الممكن أن تكون هذه الإنفلونزا مصدر الجائحة البشرية القادمة. فمنذ أكتوبر الماضي، أصيب أكثر من 500 شخص مات منهم ما يزيد عن 34%. وكان معظم الضحايا قد التقطوا العدوى بسبب احتكاكهم بدجاج مصاب. ولكن وجد أن الفيروس قد انتقل من شخص إلى شخص في ثلاث من الحالات التي رصد فيها ظهور هذه الإصابات. والسؤال هو هل سيتحوَّر فيروس إتش7إن9 بحيث يسهل انتقاله بين البشر؟ نحن لا نعلم. ولكن دون إمدادات كافية من اللقاح لن نكون جاهزين لوقف انتشاره. كما يتواصل أيضًا انتشار الميكروبات المقاومة للمضادات الحيوية بمعدلات تتزايد سرعتها باستمرار. ففي العام الماضي توقعت دراسة شاملة أن الإصابات المقاومة للأدوية، إذا لم يوضع لها حد، ستقتل بحلول عام 2050 أعدادا من البشر تزيد عن مجموع أولئك الذين يقتلهم السرطان ومرض السكري. فبدون مجهود دولي تقوده الولايات المتحدة لوقف تمدد مقاومة العقاقير ودعم تطوير مضادات حيوية جديدة سنكون عرضة لخطر العودة إلى عالم ما قبل اكتشاف المضادات الحيوية حيث يمكن أن يكون الجرح البسيط قاتلا، وحيث تفقد العمليات الجراحية جدواها خوفًا من الالتهابات. كما أن الحمى الصفراء، وهي مرض ينقله البعوض ويمكن أن يقتل 50% ممن تسوء حالتهم المرضية على وشك التحول إلى وباء واسع الانتشار في بعض كبرى مدن البرازيل.
هذا في حين أن متلازمة التنفس الشرق أوسطية (ميرس) لا تزال تصيب الناس في بعض الدول العربية. وإذا لم يتم تطوير لقاح فعال فستواصل انتشارها حول العالم وستتسبب في حالات وبائية مثل تلك التي أدت إلى إغلاق مركز سامسونج الطبي في سول أمام المرضى الجدد لعدة أسابيع. ويمكن أن يحدث انتشار مماثل للمرض في عيادة مايو كلينيك بمستشفى جونز هوبكينز بالولايات المتحدة. ونحن لا نزال، بعد ثلاثة أعوام من أزمة إيبولا في عام 2014، نفتقر إلى لقاح مرخص أو خطة لكيفية طرح لقاح لمنع أي حالات انتشار للمرض في المستقبل. وأخيرا هنالك خطر النشر المتعمد للأمراض بواسطة إرهابيين. «إن تفشي وباء ناجم عن أسباب طبيعية أو الإرهاب البيولوجي هو الشيء المرجح من بين كل الأشياء التي يمكن أن تقتل أكثر من 10 ملايين إنسان حول العالم»، حسبما جاء في مقال بالمجلة الطبية (نيو إنجلند جورنال أوف ميديسِن) عام 2015 كتبه بيل جيتس، الذي وضع موارد مالية معتبرة من ثروته وأفكاره في خدمة الصحة العامة. ومؤخرا جدا في مؤتمر ميونيخ للأمن الذي انعقد هذا العام، قال جيتس معلقا على احتمال إنتاج فيروسات عن طريق الهندسة البيولوجية بواسطة إرهابيين «ربما أن مثل هذه (الفيروسات) هي الشيء الوحيد الذي يمكن أن يقتل بليون إنسان». فمثلا يوجد التطبيق العلمي الذي يمكن بواسطته إعادة بناء جينوم الجدري (نظام أو سلسلة تشفيره الوراثي) من المواد المتوفرة في المعمل بجانب إمكانية تعديل الفيروس بما يكفي لعدم تأثره باللقاح الحالي. لقد عرفت المؤسسة العسكرية كيف تقنع الكونجرس بأن الطريقة الوحيدة للحفاظ على القدرات الدفاعية هي تخصيص الأموال المطلوبة قبل أن تقع الفأس في الرأس. فأنت لا تبدأ في تجهيز الأسلحة وتدريب كل الجنود بعد إطلاق أول رصاصة (في الحرب.) لذلك فالطريقة الوحيدة التي يمكن أن نكسب بها حروب الميكروبات الحتمية هي أن نفعل الشيء نفسه. أي أن تكون لدينا لقاحات ومضادات حيوية جديدة وأفراد مدربون وجاهزون قبل أن تقع الأزمة. نحن لا يمكننا الاعتماد على الشركات الصيدلانية لإنتاج أدوية ولقاحات لأسواق لم توجد بعد. فقط الحكومات هي التي يمكنها أن تفعل هذا. وستكون النفقات الإضافية التي ستخصصها لهذا الغرض اقتصادًا حقًا في النفقات؛ لأنها ستنقذ أرواحًا. ونحن هنا نتحدث عن الأمن القومي عند أهم مستوياته التي ترتبط بالحفاظ على النفس.

• الكاتبان أوستيرهولم اختصاصي الوبائيات ومدير مركز أبحاث وسياسات الأمراض المعدية بجامعة مينيسوتا، وأولشيكر مخرج أفلام وثائقية. اشتركا في تأليف كتاب بعنوان «أخطر الأعداء: حربنا ضد الجراثيم القاتلة».