إشكاليات كتابة تاريخ عُمان الإسلامي

د. محمد عبدالله القدحات –

كان إقليم عُمان من أوائل الأقاليم العربية التي قبل أهلها الاسلام طواعية. في الوقت الذي وقف الكثير من العرب ضد الدعوة حتى من أبناء عمومته من قريش. كان لهذا القبول أثره الطيب في نفس الرسول صلى الله عليه وسلم، فدعى لأهلها بالخير. ووصهم بصفات تعكس طبيعتهم المتسامحة وقبول الآخر « لَوْ أَهْلَ عُمَانَ أَتَيْتَ مَا ضَرَبُوكَ وَلَا سَبُّوكَ «مسند احمد: 3317) وقد. لم يتوقف دور العُمانيين عند قبول الاسلام كدين وعقيدة، بل غدو جزءا من منظومة المجتمع الاسلامي الجديد، فأسهموا بحركة الفتوحات شأن إخوانهم المسلمين، فخرجت قبائل عُمان وعلى رأسهم الأزد شرقا ضمن جيوش الفتح، فشاركت بفتح بلاد العراق وبلاد فارس. وليس أدل على المساهمة الفعالة للعُمانيين بحركة الفتوحات، أنه لما خُطت البصرة خُصص لقبيلة الأزد خطتين من أصل خمس خطط وهي مجموع خطط المدينة. أضف لذلك، فإن آل المهلب الازدييين غدوا من قادة الفتح في القرن الهجري الأول.

شهدت الساحة الإسلامية خلال العقد الرابع من القرن الهجري الأول أحداثا سياسية جساما، لعبت العصبية القبلية دورها في حسم الأمر، انتهت باستيلاء الأمويين على السلطة دون شورى، واتخاذهم أمر ولاية أمر المسلمين وراثة. رفضت بعض الأقاليم ومنها عُمان التطورات الجديدة، واعتبرته خروجا عن مفهوم الشورى. لم يكن أمام الأمويين إلا استخدام العنف لإخضاع تلك الأقاليم. ونالت عُمان حظها من تلك القسوة، فتحولت منذ ذلك التوقيت إلى قوة معارضة للسلطة الاموية، وللسبب نفسه استمرت عُمان في معارضتها للدولة العباسية.

انعكس الموقف « السياسي المعارض» الذي اتخذته عُمان على المثقفين المسلمين خارج عُمان عامةً، فوقفوا الموقف المعادي للإقليم وأهله، وجعلوا عُمان خارجية (خوارج) رغم رفض عُمان للخوارج وقتالهم لهم. وهذه التهمة بُني عليها موقف سلبي سرعان ما انعكس على موقفهم العقائدي.

وفي الوقت نفسه، ولما كانت بدايات التدوين التاريخ في الاسلام مرتبطة بمدرسة الحديث، فإن النظرة المسبقة لهؤلاء المؤرخين (المحدثين) قد اقترنت بالنظرة السلبية تجاه تاريخ الاقليم. لذلك، لم يحظ اقليم عُمان الاسلامي باهتمامهم إلا في اللحظات التي كان هناك تماس بين السلطة: الأموية والعباسية ومحاولاتهما فرض نفوذهما على الإقليم وأهله، فجاءت تلك الروايات حول عُمان لتعزيز موقف السلطة تجاه المتمرد ( أهل عُمان) وليس لأجل التأريخ للإقليم وأهله. ومصدر هذا الموقف يعبر عن النظرة العامة السائدة في العاصمة: دمشق ومن بعدها بغداد إلى أهل عُمان، ونقصد بذلك الخلاف المذهبي، فإن المؤرخين كغيرهم من المثقفين «السُنَّة» ينظرون إلى أنه إقليم خارج عن الشرعية وطاعة الخلافة. لكن حقيقة الموقف ينبع من النظرة الرافضة للمذهب الأباضي الذي يعتقده أهل عُمان، وهذه حقيقة لا يمكن تجاهلها، خاصة أن غالبية أولئك المؤرخين كانوا لا يعترفون بالأباضية كمذهب من المذاهب الاسلامية.

والإشكالية الأخرى متعلقة بالموقع والجغرافيا التي لعبت دورا مهما في ندرة الكتابات التاريخية، فقد كان لموقع عُمان وطبيعة تضاريسه الصعبة أن حالت دون الوصول إليه ، خاصة من الجهة الغربية التي يمكن الوصول من خلالها برًا ، فقد مثّلت صحراء الربع الخالي حاجزًا طبيعيا منع الجيوش قبل الافراد من سلوكه. فاللمحة الأولية للخارطة العُمانية تعطي انطباعا في فهم التوزيع الديموغرافي للسكان والطبوغرافيا الجغرافية التي أثرت بدورها في تشكيل أوجه كثيرة في الحياة الثقافية لعُمان . قدم ويلكنسون وصفا لطبيعة عُمان الجغرافية حيث يقول: «انها أشبه بجزيرة يحيط البحر بجوانبها الثلاثة من الخليج العربي، وخليج عدن، وبحر العرب والرابع بصحراء عظيمة من الرمال وهي الربع الخالي. إن تركيبة هذه الجزيرة عبارة عن سلسلة من الجبال الطويلة على امتداد 650 كم التي يبلغ ارتفاعها أكثر من ثلاثة آلاف متر في الجبل الأخضر وبعرض 130 كم» (Wilkinson, Tradition of Oman.P21).. وهذا انعكس بدوره على عدم قدرة الكثير ممن راودته فكرة الاطلاع على أحوال الإقليم إلى العزوف عن تلك المغامرة ( السالمي، مصادر التاريخ والثقافة السير العُمانية، مجلة نزوى، ع24)

واذا انتقلنا للحديث عن الداخل العُماني، فقد تأثر كثيرا بالموقف السلبي الذي سلكته السلطة: الأموية، ومن بعدها العباسية، والتي لم تتوقف – كما أسلفنا – على مجرد رفض الفكر السياسي المعارض ، بل تعدى الأمر إلى المواجهة العسكرية، بدأت بحملات الحجاج ثم تولت في عهد بني العباس، والتي كان أشدها حملة محمد بن ثور الذي لقبته المصادر العُمانية بـ «ابن بور» لوطأته وقسوته. إن تلك الضربات العسكرية الموجعة دفعت بالعُمانيين إلى الانتقال من مجرد المعارضة إلى البحث عن بديل للحكم الاستبدادي، إلى حكم قائم على الشورى كما كان في عهد الخلفاء الراشدين، وحققوه بإقامة الإمامة الأولى.

أمام هذه التطورات السياسية الخطيرة لم يكن أمام المثقف العماني إلا الدفاع عن مشروعه الجديد» الإمامة». فبدأت جهوده ( الفقهاء) بالتقعيد لضوابط الإمامة وشروطها وموجباتها، في الوقت نفسه وضع الأطر الشرعية التي تحمي التجربة السياسية الجديدة في عمان.

ولما كانت عمان جزءا من النسيج الاسلامي العام، فقد بدأت الأقلام في بغداد تتناول التجربة العمانية على اعتبارها حركة انفصالية عن سلطة الخليفة العباسي صاحب الولاية الشرعية على عامة المسلمين. لذا نجد الفقهاء وعلماء الدين في عمان خلال هذه المرحلة العصيبة قد استُنزفت طاقاتهم الفكرية في الدفاع عن موقفهم الاستقلالي، الذي يعتبرونه بديلا شرعيا عن حكم «الجبابرة العباسيين». هذا الانشغال جعلهم يُعرضون عن التصنيف في غيره من العلوم على الأقل في المرحلة الأولى التي لم تستمر طويلا، فبعد عامين وجهت الدولة العباسية ضربة عسكرية أطاحت بالإمامة وقتل إمامها، وانتقل الدعاة من جديد إلى الدعوة السرية وتنظيم أمرهم منتظرين الفرصة المناسبة لاستعادة امامتهم والتي تحققت سنة 177هـ.

كان مشروع الامامة خلال هذه الحقبة 177-278هـ يعبر عن حالة توافقية بين القبائل العمانية، اقتسمت من خلاله المهام والسلطات: منصب الإمامة لليمانية، وكبير القضاة للنزراية. لكن مع الأيام وتعاقب الأجيال، بدأت العصبية القبلية تطل برأسها، فقد اعتبرت الأجيال الجديدة من الفقهاء «الشباب النزارية أنهم مغبونون في حقوقهم وأن اليمانية تستأثر بالسلطة، فحل الصدام بين القبائل، وانفجر بشكل عنيف بعدما تزعم جيل الشباب الفقيه موسى بن موسى وقاد حركة المعارضة لإمامة الصلت بن مالك والتي انتهت بعزله سنة 272هـ885م .

كان للتطورات السياسية المستجدة آثارها السلبية على مختلف مناحي الحياة السياسية والحضارية في عُمان، فقد ادخلت عُمان وأهلها في نفق مظلم، انقسم العلماء – الذين كانوا صمام الأمان للمجتمع- الى تيارات ومدارس فكرية وسياسية، يحاول كل تيار تأكيد صحة موقفه تجاه قضية الإمامة وشروطها وموجبات العزل، دون بذل جهد يذكر لِلَمْلمة الشعث وتوحيد الصف للنهوض بالمجتمع والدولة. وكان مكمن الخطورة في تأثير تلك الأفكار والتوجهات السياسية في العامة من الناس، الذين نفذوا آراء علمائهم بسيوفهم ورماحهم. وقد أشار إلى هذه الحقيقة أبو المؤثر بقوله: « ثم أن فهم بن وارث ومصعب بن سليمان خرجا وخرج معهما من أخلاط الناس، منهم لا يدري حقا من باطل»( أبو المؤثر، الأحداث، ص30).

إن الآثار السلبية لهذه الفتنة لم تتوقف على الجوانب السياسية، بل تعدتها لتشمل كل مناحي الحياة: الاقتصادية والاجتماعية والثقافة. ولما كان موضوعنا الكتابة التاريخية في عمان خلال هذه المرحلة، فإنا لم نجد أي اهتمام من قبل علماء المذهب بالتاريخ، وهذا ما عبّر عنه الشيخ السالمي في مقدمة التحفة بقوله:« لم يكن التاريخ من شغل الأصحاب، بل كان اشتغالهم بإقامة العدل وتأثير العلوم الدينية، وبيان ما بدا للناس، أخذًا بالأهم فالأهم، لذلك لا تجد لهم سيرة مجتمعة ولا تاريخا شاملا» (التحفة:14).

ويمكن أن نعزو قلة الكتابات التاريخية أيضا إلى عامل آخر يتمثل في أن حكم الأئمة لم يكن مستمرًا ومتصلا، فقد كانت القوى الداخلية أو الخارجية تسيطر على الحكم وتقيم دولا حاكمة في عُمان، حينئذ كان الأئمة ومؤيدوهم يعتبرون هؤلاء الحكام حكام جور جبابرة غير عدول، لذلك لم يكتبوا تاريخا لعُمان يذكر هذه العصور، أو يتناول حكم هؤلاء الحكام. وحتى الفترات التي حكم بها الأئمة فإن العُمانيين لم يعنوا بتسجيل تفاصيل أحداث عصورهم، بقدر الاهتمام بمسألة الإمامة (السالمي، التحفة، ج1، ص4؛ فوزي، الامامة، ص،8-10).

مع مطلع القرن الرابع الهجري بدأت بوادر ضعف تدبّ في أوصال دولة الخلافة العباسية وخاصة بعد سيطرة العناصر الاجنبية على مقدراتها، فأخذت الكثير من الأقاليم تعلن استقلاليتها عن بغداد، ولم يكن أمام الأخيرة إلا القبول بالأمر الواقع، فاعترفت بشرعية تلك الدويلات، مقابل الابقاء على الخطبة للخليفة على منابر الجمعة في مدن المتغلبين، بل نجد أن فقهاء السنة وعلى رأسهم الماوردي في كتابه «الأحكام السلطانية» قد شرعن ذلك بما أسماه ولاية الاستبداد. وعلى الرغم من حالة التردي السياسي الذي أخذت تعيشها بغداد، الا ان حركة ثقافية نشطة أخذت تنتشر في الأقاليم والأمصار الاسلامية، فقد حاول الحكام المستقلون إيجاد دعائم تدعم مشروعهم الاستقلالي، فلم يكن أمامهم الا تقريب العلماء وجعلهم من حاشيته؛ مستفيدين من تأثيرهم على العامة، فغدت مجالسهم مراكز علم وأدب، ونشطت حركة التعليم والتأليف في مختلف صنوف المعرفة.

إن ما شهدته بغداد خلال هذا العصر نجد ما يماثله -إلى حد كبير- في إقليم عُمان، فقد كان للخلافات السياسية والعصبية القبلية أثرها في تراجع دور العلماء في مسيرة الحياة السياسية، فانكفأ الكثير منهم إلى مجالس العلم تعلما وتعليما، كما استغلوا وقتهم في معالجة مشاكل الناس والإجابة على اسئلتهم وما يشكل عليهم في حياتهم اليومية، لكنهم مع الأيام أخذوا يدونون الاحكام الشرعية ويتوسعون في شرحها، فبدأت تظهر إلى الوجود ما تعارف عليه بـ «المدونات الفقهية» خلال القرنين الخامس والسادس الهجريين، حيث ترك أولئك العلماء تراثا كبيرًا وغزيرًا في هذا المجال، أما في غيره من الجوانب وخاصة التاريخ فلم نجد الا تجربة العوتبي الصحاري الذي صاغ تاريخ عمان من خلال النسب في كتابه «الأنساب»..

لذا فإن الباحث في التاريخ العماني عامة والحضاري على وجه الخصوص تواجهه مشكلة كبيرة تتمثل بالنقص في مصادره التاريخية. وبالتالي فليس أمامه الا البحث عن مصادر أخرى والتي من المفترض أن تكون مصادر مساعدة في حال توافر المصادر الأصلية، ولكن في حالة كتابة التاريخ العُماني في العصور الإسلامية، فإن تلك المصادر تتحول لتكون مصادر أصيلة. ونقصد بذلك المدونات الفقهية.

ولا شك أن المدونات الفقهية – رغم تناولها لجوانب فقهية – تعدّ سجلا حافلا لجوانب كثيرة من حياة الأفراد والجماعات، وتعمل على كشف العديد من القضايا الفكرية والاجتماعية، كما تعبر عن الانشغالات الحقيقية والملموسة التي عاشها الإنسان في بيئاته المختلفة والتي شملت كل مجالات الحياة. وفي الوقت نفسه فقد جاءت تعبيرا واقعيا لطبيعة المجتمع الإسلامي.