من الفنون التقليدية في محافظة مسندم «الرمّاسية والرواح»

جمعة بن خميس الشيدي –

أولا: الرَمَاسِيّة

يعتبرها مُمارسوها في ولايات محافظة مسندم في أقصى شمال السلطنة بأنها من فنون السيف والحرب والرجولة، يُشارك الجميع في أدائها حتّى شيوخ وأعيان القبائل دون أيّ تحفّظ، ويستعرض العديد منهم فيها مهاراته في الأداء واستعراض أسلحتهم التقليدية من بنادق وسيوف وطرق اللعب بها. وهي من الفنون الأكثر ارتباطاً بالمجتمع وتقاليده وأعرافه في ذلك الجزء من البلاد، والأكثر حيويّة وتفعيلاً في العديد من مُناسباته العامة والخاصة.
والرّماسيّة، ربّما تكون مشتقةً من لفظ (الرمسة) ويعني في الدّارجة السمر أو السهرة، أو قد تكون مشتقةً من المُمارسة الفعليّة أو المُشاركة في الأداء الذي يُطلقون عليه (رمسة) ورماسيّة، وقد يُطلقون عليها (الرّزيف) أحياناً، وهي شكل آخر من الأنماط الموسيقية التي تقترب إلى حدٍ بعيد من بعض أنماط الفنون الموسيقيّة كالرزحة والعيالة في عناصرها العامة المتمثلة في الشكل العام للأداء وفي المناسبات التي تُقام فيها، غير أنها تختلف في العديد من عناصرها الفنية الأخرى، تتميّز بها الرّماسيّة كنمط موسيقي، وتأثيرات المكان الذي تُقام فيه كبيئة لهذا النمط.
يُقيم أهل مسندم الرّماسيّة في الوقت الحالي في العديد من المناسبات، وخاصة السعيدة منها كالأعراس والاحتفال بطّهور الفتيان والأعياد الدينية والوطنية، أمّا في الماضي فكانوا يقيمونها في العديد من صور الحياة المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتقاليد السائدة في مجتمعهم، فبالإضافة إلى مناسبات الزواج والأعياد كانوا يقيمونها لأمور حربيّة، كالتحميس للحرب والقتال والدفاع عن الأرض والعرض، كما يُدلّل على ذلك كثرة الشلات والنصوص الشعريّة التي كانت تغنّى لهذا الغرض، فبعض الأشعار تتحدّث عن تلك الأحداث والمعارك الحربية وتُصوّر لنا بعضها الانتصارات والإخفاقات فيها، أو تُمجّد وتفخر بالوطن ورجاله المقاتلين الأشداء، والكثير من مثل هذا الشعر لا يزال باقياً، ولا يزال الكثيرون منهم يحفظونه ويتداولون غناءه إلى جانب شلاتهم الغنائيّة الحديثة. وكانوا يقيمونها أيضاً احتفالاً بفرحتهم وابتهاجهم إثر انتصاراتهم في تلك الحروب، كما كانوا يقيمونها أيضاً بعد الانتهاء من إخماد الحرائق إلى غير ذلك من صور الحياة آنذاك.
الأداء في الرّماسيّة يتّفق مع ما يتم أداؤه في العيّالة مثلاً، فهي فن يُؤديه الرّجال المُتقابلين في صفين، كان في الماضي بينهم شعراء يلقّنون الصفين غناء شلاتٍ شعريّةٍ يرتجلونها في ذات الوقت، يطرحون خلالها هموم المجتمع الآنيّة ويرسمون الصور والتفاصيل الدقيقة والهامة للحياة فيه أو يمدحون من يستحق المدح ويهجون من يستحق ذلك، أمّا الآن قلّ عدد هؤلاء الشعراء بل يكاد ينعدم في بعض الأوقات، لذلك يلجؤون إلى غناء ما يحفظونه من نصوص وشلات كانت هامة ومؤثّرة لشعراء سابقين.
يتبادل الصفّان غناء الشلات، وفي الساحة بين الصفين يتحرّك ضاربو الآلات الإيقاعية المكوّنة من عددٍ من الطبول تصل إلى سبعة أو أكثر في بعض الأحيان، جميعها من نوع «الرّحماني» ذو الخاصرة ويتوقّف الطبّالون أمام الصف الذي تكون عنده شلة الغناء ثم يتوجّهون إلى الصف الآخر عندما ينتقل غناء الشلة إليه. وبين الصفّين أيضاً يتم الزّفين كما يسمّونه عندهم أيضا، حيث يتزافن اثنان من الرجال يحمل كل منهما سيفاً وترساً، ويتميّز الزّافن في مسندم بقفزاته المُتتالية العالية جداً في الهواء يشهر أثناءها سيفه وترسه ويراعي الكثير من الأصول والتقاليد المتوارثة في ذلك. كما يتحرّك بين الصفين أيضاً عددٌ من الرجال من حملة الأسلحة (البنادق والسيوف) يجولون في الساحة فيما يُعرف عند العُمانيين بـ (اليوله) مُستعرضين أسلحتهم واللعب بها ومهاراتهم الفردية في اليول.
*(الرّزيف) عند أهل مسندم لفظٌ يُطلق على هيئة الغناء الذي يُؤدونه وهم في حالة المسير أو المشي، لذا، نجدهم يسمونه (المسيرة) و(الهبّيّة)، التي هي في الحقيقة موكبٌ أو مسيرٌ جماعيٌ، ينتقلون فيه من مكان لآخر، مثلما يحدث عندما يتوجهون إلى حصن الوالي للسلام عليه وأداء واجب التحية له في مناسبات الأعياد، أو لزفّة عريس في مناسبة عرس، وبعد وصول الموكب إلى المكان المحدّد يتوقّف الغناء ويقيمون (العازي) ثم يُؤدّون الرّماسيّة، وقد يُؤدّى بعدها لتنصرف به المجموعة أو المجموعات إلى قراها وأحياءها. والنغم في غناء الرزيف حماسيٌ نشطٌ يميل إلى السرعة أكثر عنه في الرّماسيّة ليتواكب مع إيقاع حركة مسير المجموعة ويُوحّد الغناء المتبادل بين فريقي المجموعة مقدّمة ومؤخّرة، لنستطيع التّمييز بين ذلكم الشكلين من الأداء: الرّماسيّة والرّزيف.
ومن أمثلة نصوص الشلات في (هبيّة) أهل مسندم:
ـ حي بربع لفونـا
بالكرم والحشيمة
بالبنادق زحمنـا
والعمر سـايمينه
وهذه من نصوص شلات الرماسية:
ـ عاش من جرّد السيف حدّه
ترخص الروح يوم الفعايل
ـ يوم نـادى المنـادي
حـام طيــر المنـيّـة

ثانيا: الروَاح

الرّواح، ويُسمّونه محلياً (لعب الهوى)، هو من أنماط الفنون الإيقاعية التي يتميّز بها المُجتمع البدوي في مُحافظة مسندم وولاياتها الأربع: خصب، بُخا، دبا و مدحا، في أقصى شمال السلطنة، حيث مضيق هرمز ومنطقة رؤوس الجبال. يُقيمه ويُمارسه جميع البدو من سُكّان الجبال في هذه المنطقة في مُعظم مُناسباتهم الاجتماعيّة كالأعراس وفي الأعياد الدينية، كما كانوا يُقيمونه احتفالاً بالانتهاء من حصاد الحنطة والشعير الذي كانوا يزرعونه على قمم الجبال لسدّ حاجاتهم من الغذاء في مواسم الحصاد، بل أنهم كانوا يُقيمونه أيضاً في أوقات الفراغ من أعمالهم بقصد التّسلية والترويح، ومن المُحتمل أن ترجع تسمية الرواح إلى هذا المعنى.
يُعتبر الرواح عند أهل الجبل في مسندم النمط الموسيقي الأهم والأكثر حيويّةً وشعبيّة، ويكاد يكون أيضاً النمط الوحيد من بين الأنماط التي يُصاحب الأداء فيها آلاتٌ موسيقيّةٌ إيقاعيّة، بعد فن «الرّزيف» و«الرّماسيّة»، أمّا بقيّة أنماط فنونهم فهي غناءٌ يُرافق مُختلف الأعمال التي يُزاولونها في إطار حياتهم اليوميّة. ولذلك فهم يُطلقون على الرّواح العديد من التّسميات، من بينها: «النِّحِل» و «الهوى».
يتكوّن الرّواح من جزأين، هما: «الرّواح» و«الجلويح»، و يُنطقونها «الجلويه» أو «الجلوه»، وفي ولاية دبا يُطلقون على الجلويح لعبة «الكف» نظراً لحركة أكف النساء التي تكون أكثر بروزاً ووضوحاً عند النساء، وإن كانوا يعتبرون هذا الجزء نمطا مستقلاً عن الرواح. وبين هذين الجزأين لا نجد فرقاً في التكوين الفني لهذا النمط، غير أن نساء ولاية خصب يُشكلن صفاً مُستقيماً ثابتاً في جزء الرواح، أمّا في الجلويه فيُشكّلن دائرة مُقفلة وثابتة أيضاً بمعنى أنها لا تدور كما في بعض الأنماط الأخرى، بينما النساء في ولاية دبا يقفن في صف مستقيم إلى جوار بعضهن.
والرّواح يُؤدّى في أوقات مُختلفةٍ من اليوم. ويطلقون على كلّ فترةٍ من هذه الفترات التي يُؤدّى فيها اسماً خاصاً بتلك الفترة، فهو عادةً ما يُؤدّى في فترات: الصباح، وعندها يُسمّونه «السيرح» ويُنطقونها «السيرحيْ»، وهي فترة خروج قطعان الماشية إلى السرح (المرعى)، وفي وقت الظهيرة عند صدور القطيع إلى موارد المياه(قبل أذان الظهر)، وفيها يُسمّونه «الصودر» ويُنطقونها «الصودريْ»، وفي وقت العصر، ويُسمّونه في هذه الفترة الاسم الشائع له «الرّواح» لأن فترة العصر هي الوقت الأنسب لأدائه والاستمتاع به، لذلك فهو يُؤدّى بكثرة في هذا الوقت، ثم أخيراً وقت الليل، وفي هذه الفترة يُسمّونه «السيري» ويُنطقونها «السيريَيْ»، وليس هناك من فرقٍ في الأداء في هذه الأوقات الأربعة، ويبقى الفرق في تسمية الأداء تبعاً للفترة التي يُؤدّى فيها من اليوم.
المُؤدون لهذا النمط جميعهم إيقاعيون، يقومون بالأداء الإيقاعي(ضرب الطبول)، وهم أنفسهم المُغنّون، وهم أنفسهم اللاعبون كذلك، وهذا هو ما يُعرف «بالرّاقص العازف» وهو هنا «المغني» أيضا. و الرّواح بهذه الكيفيّة ينفرد بهذا النوع من الأداء عن بقيّة الأنماط الموسيقية العُمانية الأخرى.
يبدأ الرّواح بعد اكتمال حضور جميع المُشاركين فيه، وفي الأعراس بعد أن تتجمّع معظم القبائل المدعُوّة، عندها يبدأ الأداء الإيقاعي من اثنين من الطبّالين الذين يُشكّلون صفاً مُستقيماً عند بداية الأداء، وعندما يستقيم الإيقاع من ذلكما الطبلين تبدأ الطبول الأخرى في العمل. ويتفنّن الطبّالون في أداء التشكيلات الرّاقصة، حيث تخرج مجموعةٌ منهم من الصف فتتقدّم للأمام في خطواتٍ هي عبارةٌ عن قفزاتٍ مُتواليةٍ يلفّون خلالها الساحة, وقد يُشكلون دائرة مُتحرّكةٍ في دورةٍ أو دورتين ثم يعودون بعدها إلى أصل أماكنهم في الصف، وقد يتحرّك الصّف بكامله بخطوات القفز إلى الأمام ويُشكل الجميع دائرةٍ مُتحرّكةٍ يدورون حولها ويعودون إلى ما كانوا عليه قبل ذلك، إلى غير ذلك من التشكيلات.
الأداء الإيقاعي للطبّالين يتم بعمليّتي (النّقش و الخلف) ، كما هو مُتداول عندهم، أي إذا كان الطبّال الأول «ينقش» فالذي يليه في الصف «يخلف» والثالث «ينقش» والذي يليه «يخلف»، وهكذا عند بقيّة الطباّلين، ويعني ذلك: إذا كان عدد الطبّالين عشرة مثلاً، نجد أنّ خمسةً منهم «ينقشون» في وقت واحد، أمّا الخمسة الآخرون نجدهم «يخلفون» في ذات الوقت.
أمّا الطبول المُستخدمة في الرّواح فهي جميعها من نوع «الرّحماني» ذو الخاصرة، الذي يضيق مُحيطه من الوسط ويتّسع مُحيطا طرفيه، وهذا النوع من الطبول تشتهر به هذه المنطقة، وهي تُصنع محلياً من قبل صنّاع مهرة، وتُزيّن أجسامُها التي تُصنع من خشب أشجار السدر والباذام (اللوز) والشريش وغيرها بالنقوش الزخرفيّة البارزة والغائرة، وهي غالية الثمن عندهم. ولشدّة حبهم لها يُطلق عليها أصحابها أسماء، مثل: «الصقر»، «الرّحماني»، «اليعقوبي»، «الحمّودي» و غيرها من التسميات، كلٌ حسب رغبته، فمثلاً التسمية الأخيرة «الحمودي» أطلقها صاحب الطبل على طبله نسبة إلى جبل الحمودي في قرية «ليما» حيث أن الخشب الذي صُنع منه أخذ من أشجار هذا الجبل.
لعلّ أهم ما يُميّز الرّواح في أنماط فنون أهل الجبل في مُحافظة مسندم هو اشتراك عددٍ كبيرٍ من هذه الطبول التي هي أساس التكوين الفنّي في هذا النمط، إذ هو فنُّ إيقاعٍ في المقام الأوّل، يلعبُ الإيقاع فيه دوراً محورياً وجوهرياً، فقد يصل عدد الطبول في أداء المرّة الواحدة من اللعب في بعض الأحيان ما يُقارب من ثلاثين طبلاً، كما يحدث في الأعراس الكبيرة التي يُدعى إليها عدداً من القبائل البدوية، حيث تأتي ومعها طبولها، فيشترك الإيقاعيون جميعاً في الأداء، أمّا في المُناسبات العاديّة فتتألّف الطبول من سبعة أو ثمانية، ومن المُستحسن أن لا تقل عن ذلك. أمّا الميزة الثانية للرّواح فهي اشتراك النساء في أدائه مع الرّجال، حيث تأتي النساء للمُشاركة، فيأخذن ناحيةً من

المكان بعيدةً قليلا عن الرجال، فيُشكّلن صفاً مُواجهاً لصف الطبّالين، تقف الواحدة منهنّ إلى جوار زميلتها، ويقُمن بالغناء والأداء الحركي على إيقاع طبول الرّواح، فتكون حركتهنّ كالتالي: تمد المرأة يديها للأمام وتُطبق كفيها إلى بعضهما ثمّ ترفعهما لأعلى وأسفل وتُحرّكُ جسمها من وسطها الأعلى، أمّا حركة الرّأس فتكون إلى جهة اليمين مرّة و الشمال مرّةً أخرى، وهكذا.
الجدير ذكره أن مُشاركة المرأة في هذا الفن قد انحسرت في وقتنا الحالي، وأصبحت مُشاركتها قليلة ونادرة في بعض الأحيان، واقتصر الأداء على ضاربي الطبول فقط.
ليست هناك نصوص شعريّة تُغنّى في فن الرّواح يجب ذكرها، عدا بعض الجُمل التي يردّدونها غناءً يذكرون فيها الوقت الذي يُؤدّون فيه فنّهم، منها:

في «السيرحَيْ «يُرددون: وا هو وا … سيرحي.
في «الصودريْ «يُرددون: وا هو وا … صودريْ.
في «الرّواح» يُرددون : وا هو وا … الرّواح .
في «السيرييْ « يُرددون : وا هو وا … سيريي