حوار استراتيجي عربي

عاطف الغمرى –
تعددت التعريفات للنظام العالمي الراهن، وإن غلبت عليها توصيفات مثل اللانظام، والفوضى، والتشوش، وعدم اليقين. وهو ما يضع الدول خاصة ذات الأنظمة الإقليمية، في مواجهة أخطار بعضها يكون مفاجئا، وبعضها قد تلوح له مؤشرات عن بعد، لكن المشكلة تأتي من عدم امتلاك استراتيجية شاملة، تتبصر – ليس فقط ما هو قائم وحاضر من هذه التحديات – بل ما هو كامن ومستتر، وأيضا ما هو في طور التفاعل بحيث يظهر علينا مستقبلا.

أحد الذين نبهوا إلى هذه الحالة، هنري كيسنجر الذي يتصدر نخبة خبراء السياسة الخارجية في أمريكا، عندما وصف الوضع العالمي باللانظام، وأنه يولد الفوضى في العالم.
ونحن في منطقتنا العربية، تمتد على خطوط أمننا القومي جميعا، سلاسل من التحديات، تتنوع ما بين الإرهاب الذي لم يستثن من مؤامراته أي دولة عربية تقريبا ، وبين إثارة النعرات الطائفية التي يقصد بها تمزيق المجتمعات العربية من داخلها، والتي تغذيها أطراف خارجية، بعضها إقليمية وأخرى دولية، إلى مخططات نشرت تفاصيلها الموثقة في الخارج، وخاصة في الولايات المتحدة، عن تمزيق هذه المجتمعات، ووضع خرائط لإعادة رسم الحدود بين دول المنطقة وبعضها، وهو ما ينشر المزيد من الفوضى والصراعات.

وكلها لا تقيم أي فاصل بين دولة عربية وأخرى، من منظور استراتيجيات الدول الخارجية الضالعة في هذه المخططات. فنحن كدول عربية لنا توصيف واحد، سبق أن سمعته من خبراء متخصصين في الاستراتيجية العالمية في الولايات المتحدة، ودول أوروبية. وهو النظرة إلى دول وشعوب المنطقة، باعتبارهم «كلهم عرب»، بصرف النظر عن الترتيبات الثنائية للعلاقات بين دول خارجية، ودولة من المنطقة.
فالمنطقة كلها – وعلى اختلاف دولها – تحسب استراتيجيا بأنها تحوي مصالح استراتيجية حيوية لبعض هذه الدول من عدة نواح – مثل الثروات الاقتصادية، والموقع الجغرافي، والجوار مع إسرائيل، التي تعد مصلحة استراتيجية كبرى لأمريكا في الشرق الأوسط.

وإذا كانت هناك أسباب لوجود اختلاف في وجهات النظر بين هذه الدول وبعضها، وكلهم على خط مواجهة واحد، فما الذي يمنع – ونحن في مواجهة حالة اللانظام العالمي وتبعاته الخطيرة – من أن ندير بيننا حوارا استراتيجيا، يمكن في تصوري أن يبدأ من تجربة الحوار الاستراتيجي الذي تم تدشينه بين مصر وأمريكا عام 1998، على سبيل المثال ، وإن لم يقدر له الاستمرار، بسبب تبنى إدارة جورج بوش من بعد وصوله للحكم عام 2001، سياسة خارجية، ترفض كل مبادئ ومفاهيم هذا الحوار.

وكان ما اتفق عليه في بدء إطلاق الحوار الاستراتيجي عام 1998، أن يكون الحوار عبارة عن منظومة مؤسسية لها كيان، وجدول أعمال للمتابعة بلقاءات منتظمة بين الجانبين.
وأهم نقاطه هى تحديد مساحة الاختلاف وقواعد التعامل معها، دون أن تنعكس آثارها على مساحة الاتفاق. عندئذ يمكن أن تتشكل لخط المواجهة العربية، آلية لدرء الأخطار المتربصة بالمنطقة، وفق رؤية استراتيجية شاملة، تتضمن اتفاقا حول مصادر التهديد الحقيقية، التي لا تستثنى أحدا. خاصة وأن أمن كل دولة عربية مرتبط مصيرا، ووجودا، بأمن الدول العربية الأخرى.

ولابد أن نلاحظ أن السياسات الخارجية للدول الضالعة في المخططات التي تستهدف المنطقة، ليست عفوية، لكنها تنبع من استراتيجيات، تعتبر بعضها، أن لها في منطقتنا مصالح عليها أن تدير أمورها بأي طريقة تراها، وبعضها تسيطر عليها، موروثات قديمة ، ترى أن لها حقوقا تاريخية في بلادنا العربية، وهو أمر لم تستطع دول إقليمية إخفاء مراميها تجاهها. صدر هذا صراحة على ألسنة مسؤولين ، وشاهدناه واقعيا ، بالإضافة إلى تحركات إسرائيل المتكررة لتوسيع نفوذها والسيطرة على أراض عربية. وهو ما رأيناه في الجولان، وفي التعامل مع القضية الفلسطينية، وكل من هذه الدول لديها استراتيجية إقليمية تحكم نظرتها للمنطقة، إن مصادر التهديد متنوعة، وإن تكاملت مع بعضها واقعيا، في منظومة تجعل منها كلا متكاملا، بحيث تشكل تهديدا للأمن القومي العربي إجمالا.

الموقف إذن، يعطى أولوية للحوار الاستراتيجي، بالمعنى الذي أشرت إليه، وبذلك ينقل المبادرة إلى اليد العربية، حتى يكون لها الفعل والأثر، وليس ترك المبادرة لمن اكتملت لديهم الرؤية الاستراتيجية لسياسات خارجية، تتجاوز حدود بلادهم، لتقتحم أي فراغ استراتيجي عربي.