تأكيد دولي آخر على الحقوق الفلسطينية !!

د. عبد الحميد الموافي –

بالرغم من كل المحاولات، الظاهرة والمستترة التي بذلتها حكومة بنيامين نتانياهو رئيس وزراء اسرائيل من أجل منع او عرقلة او على الأقل إفشال مؤتمر باريس الدولي للسلام ، الذي أصرت عليه ، واستضافته الحكومة الفرنسية في الخامس عشر من الشهر الجاري ،
الا ان المؤتمر عقد بالفعل ، وشاركت فيه نحو سبعين دولة ومنظمة اقليمية ودولية ، منهم 40 وزير خارجية ، وتحدث امامه الرئيس الفرنسي هولاند مؤكدا على اهمية وضرورة السير نحو تحقيق حل الدولتين ، ومحذرا من مخاطر عدم تحقيق ذلك ، بالنسبة لإسرائيل وللفلسطينيين وللمنطقة وللسلام العالمي ايضا . وجاء « اعلان باريس» الذي اصدره المؤتمر بمثابة بيان دولي آخر ، اكثر قوة ووضوحا وشمولا ايضا ، ليس فقط في رفض السياسات الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية، وخاصة سياسة الاستيطان والتهويد في الضفة الغربية والقدس الشرقية ، وتأييد قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334 الصادر في 23 ديسمبر الماضي ، ولكن ايضا تأييد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ، والتأكيد على ضرورة تطبيق حل الدولتين واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة الى جانب اسرائيل ، وعلى حدود الرابع من يونيو عام 1967 – مع امكانية تبادل الأراضي في اطار التسوية النهائية – فضلا عن التأكيد على رفض اية خطوات أحادية ، من جانب اسرائيل او الفلسطينيين ، وعدم الاعتراف بمثل تلك الخطوات ، اذا حدثت تحت أية ظروف، وهو ما يعد محاولة واضحة لسد الطريق أمام حكومة نتانياهو التي تعاملت بأسلوب اقرب الى الهستيريا مع قرار مجلس الأمن الرافض للاستيطان ، ومع مؤتمر باريس، ورافضة لهما . وبرغم قوة الرفض الاسرائيلي ، بل وقيام تل ابيب باتخاذ اجراءات عقابية في حق الدول الاعضاء في مجلس الأمن الدولي ، وبالطبع صب لعناتها على ادارة اوباما ، التي غادرت يوم الجمعة الماضي ، الا ان هذه العصبية تفضح تماما مدى القلق الاسرائيلي مما حدث في مجلس الأمن الدولي ، ومن مؤتمر باريس وما يمكن ان يترتب عليه خلال الفترة القادمة .
وبالرغم من ان تل ابيب تتنفس الصعداء الآن وتشعر بقدر كبير من السعادة بعد ان تولت ادارة الرئيس ترامب مهامها في واشنطن ، ويحدوها – اسرائيل – الأمل في ان تقلب ادارة ترامب الطاولة في مجلس الأمن الدولي وفي الأمم المتحدة ، لصالح اسرائيل بالطبع ، الا أن ذلك يظل امرا غير مضمون ، على الأقل بالشكل الذي تتمناه اسرائيل ، وذلك لاعتبارات كثيرة . ومع ذلك فإن مؤتمر باريس، الذي استبق تولي ادارة ترامب لمهامها ، والذي شارك فيه وزير الخارجية الامريكية السابق جون كيري ، يظل خطوة اخرى مهمة في التأكيد الدولي على الحقوق الفلسطينية وعلى أهمية حل الدولتين ، وفي بلورة موقف دولي اكثر قوة وتماسكا فيما يتعلق برفض الاستيطان ، وبالطبع لم يكن مصادفة ان يطمئن جون كيري نتانياهو خلال عقد المؤتمر ، ان اعلان باريس لن يندد بإسرائيل، وانه سيكون متوازنا ، وهو ما ذهب بالإعلان الى حد انتقاد الجانب الفلسطيني ، وما اسماه « اعمال العنف» متجاهلا ان اسرائيل قوة احتلال غاشمة للاراضي الفلسطينية ، منذ نحو خمسين عاما بالنسبة للأراضي التي احتلتها في عدوان 1967 .
ومع الوضع في الاعتبار تعدد وتنوع ردود الفعل العربية والاسرائيلية والدولية ، بالنسبة لإعلان باريس، وما يمكن ان يترتب عليه ، وهو امر طبيعي في ضوء تعدد وتنوع المصالح وزوايا الرؤية التي يتم النظر من خلالها لمثل هذا التطور ، الذي لا يمكن مجاراة اسرائيل في وصفها اياه « بالعبث » ، لأنه ليس كذلك بالتأكيد ، فانه يمكن الاشارة باختصار شديد الى عدد من الجوانب ، لعل من اهمها ما يلي :
*اولا : ان المعضلة الأساسية بالنسبة للصراع العربي الاسرائيلي ، ان الاستعمار الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية هو مشروع واستعمار استيطاني، استغل كل الوسائل الدولية الممكنة ، بما فيها الأمم المتحدة لزرع نفسه في الاراضي الفلسطينية ، بموجب قرار تقسيم فلسطين عام 1947 ، ثم انطلق من سيطرته على الاراضي التي انشئ عليها ، ليتمدد على حساب الاراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة ، منذ عدوان يونيو 1967 ، وفي الوقت ذاته ، اتخاذ كل الاجراءات العدوانية ، بل والهمجية لاحكام السيطرة على الضفة الغربية ، وخنق قطاع غزة ، واجهاض اية حركة مقاومة فلسطينية بكل الوسائل ، وبعد نجاح اتفاق اوسلو في اعادة القيادة الفلسطينية الى الاراضي المحتلة ، لتكون في وسط الشعب الفلسطيني، فإنه عمل ويعمل من اجل تطويقها وافشالها ، وتبديد أية عناصر قوة تتوفر لها ، مع الاستمرار في سياسة الاستيطان وقضم الاراضي الفلسطينية وتطويقها بالمستوطنات في الضفة والقدس الشرقية ثم العمل ، كما يجري الآن لضم تلك المستوطنات ، او اكبرها كخطوة اولى ، الى اسرائيل ، لوضع الجميع امام امر واقع ، يضع نهاية لامكانية حل الدولتين ، الذي اعاد اعلان باريس التأكيد عليه . ثم جاءت الخلافات الفلسطينية ، بين حماس وفتح ، خاصة منذ عام 2007 ، لتصنع شرخا كبيرا على المستوى الفلسطيني ، وهو ما تستغله اسرائيل بكل السبل للحيلولة دون استجماع وحشد الطاقات الفلسطينية ، لأن ذلك هو البوابة والعتبة الرئيسية للتصدي للاحتلال الاستيطاني الاسرائيلي ومحاولة وقف تمدده السرطاني في الاراضي الفلسطينية .
نعم هناك واقع مختل على كل الاصعدة ، بحكم السيطرة الاسرائيلية على الارض الفلسطينية من ناحية ، وبحكم التطرف اليميني الاسرائيلي البالغ ، في ظل الحكومة الحالية من ناحية ثانية، وبالطبع في ظل الاوضاع العربية الصعبة الراهنة، والتي تعاني فيها اكثر من دولة عربية من حروب ومواجهات ومحاولات تفتيت واستنزاف بكل الصور ، وليست اسرائيل الا واحدة من القوى الداعمة لاستمرار هذا الوضع ، لأطول فترة ممكنة ، لأنه ببساطة مناسب ومريح لها ويساعدها في تحقيق اهدافها الاستيطانية والاستعمارية التي يريد اليمين المتطرف الاسرائيلي تحقيقها في هذه المرحلة العتيسة . وفي ظل هذه الظروف جميعها لجأت السلطة الوطنية الفلسطينية الى العمل السياسي والتحرك الاقليمي والدولي ، على الأقل للابقاء على القضية مطروحة ، ولكسب اكبر قدر ممكن من التأييد الدولي للحقوق الفلسطينية ولحل الدولتين ، ولضرورة وقف الاستيطان الاسرائيلي والتنديد به . اما اسلوب المقاومة المسلحة ، فان ظروفه ليست متوفرة الآن ، لا فلسطينيا ولا عربيا ولا اقليميا ودوليا ، لاعتبارات كثيرة ، ولذا فان اساليب المقاومة السلمية والشعبية والسياسية تظل بدائل ممكنة، بما في ذلك التحرك الدولي من خلال الامم المتحدة والمؤتمرات الدولية بكل السبل الممكنة .
*ثانيا : انه من المؤكد ان استعادة الحقوق الفلسطينية المشروعة ، بما فيها اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 ، وعاصمتها القدس الشرقية ، هي مسؤولية فلسطينية وعربية ايضا ، فنحن اصحاب الحق ، وعلينا العمل على استعادته ، ومن غير الممكن ولا الصحيح القاء المسؤولية على عاتق الأطراف الأخرى ، ليس فقط لانها لها مصالحها ، ومطامعها في المنطقة ، وصلاتها الوثيقة ، الظاهرة والمستترة ، السابقة والحالية مع اسرائيل ، بغض النظر عن اية شعارات او تصريحات ، يطلقها هذا الطرف او ذاك لخدمة مصالحه بشكل او بآخر ، ولكن ايضا لأن اي طرف ، اقليمي او دولي لن يحارب معركة الفلسطينيين والعرب، ولن يقف معها ، الا بقدر خدمة ذلك لمصالحه ، المعلنة وغير المعلنة ، ولنا فيما جرى على مدى العقود الماضية ، ويجري الآن الكثير من العبر والدروس .
وفي ضوء ذلك فلعله من الاهمية بمكان الاشارة ايضا الى نقطة هامة ، وهي ان اساليب التعامل والعمل الدولي ، عبر المنظمات الاقليمية والدولية ، حتى العربية منها ، هي في النهاية وبشكل اساسي اساليب سياسية في المقام الاول ، وذلك بحكم حرص وسعي كل منها الى العمل من اجل السلام وحل المشكلات بالطرق السلمية . صحيح ان الأمم المتحدة ومجلس الأمن على وجه خاص استخدم القوة المسلحة ضد اطراف محددة ، في وقت وظروف معينة ، وفق الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة ، غير ان الوصول الى هذه النقطة يحتاج الى توفر قدر من الالتقاء والتوافق والارادة الدولية ، خاصة بين الدول دائمة العضوية في مجلس الامن الدولي ، وهو ما لم يتوفر ، ولن يتوفر ايضا بالنسبة لاستعادة الحقوق الفلسطينية بالقوة ، او وفق الفصل السابع . والأسباب معروفة جيدا . ولذا فانه لم يعد مجديا الاستمرار في لعن تلك المنظمات او الاستهانة بها او عدم القدرة على فهم آليات عملها ، وتحكم الاعضاء المؤثرة فيها في قراراتها ، بغض النظر عن حبنا او كراهيتنا لذلك . وفي ظل سيطرة تأثير المصالح ، فان الكل يتحرك وفق مصالحه الوطنية اولا ، وليس من الحكمة توقع او تصور ان ينتفض مجلس الأمن الدولي مثلا ويحشد قوة ما ضد اسرائيل ، خاصة وانه لم يستطع – حتى الآن على الأقل – اجازة نشر قوة مراقبة دولية وفصل في القدس الشرقية المحتلة ، او على الاقل في منطقة المسجد الاقصى، لحماية المقدسات الفلسطينية من التدنيس المتعمد لها من جانب المستوطنين الاسرائيليين. ومع ذلك فإنه ليس من المناسب للفلسطينيين والعرب ،ترك العمل من خلال المنظمات والمؤتمرات الاقليمية والدولية ، او القول بتأجيل القضية وترحيلها للأجيال القادمة ، فالوقت ليس محايدا، والأغلب انه لا يعمل لصالح طرف دون الآخر ، لأن كل طرف يحاول استثماره ، وبقدر نجاحه يقترب من اهدافه. ولعل ما يؤكد ذلك انه برغم كل شيء ، فإن فلسطين الآن عضو غير كامل العضوية في الأمم المتحدة ، وتعمل على الانضمام الى كثير من مؤسسات وهيئات الأمم المتحدة ، وهناك اعتراف سياسي بالدولة الفلسطينية من جانب دول عديدة في العالم ، وهناك الآن رأي عام يقوى باستمرار ضد الاستيطان ، وضد الممارسات الاسرائيلية ، وتأييدا لحل الدولتين ولاستقلال فلسطين على حدود عام 1967 ، وهي خطوات وجوانب تزداد اهميتها عندما نملك كعرب وفلسطينيين القدرة على الدفع نحو تحقيقها بشكل او آخر ، وذلك هو ما يقلق اسرائيل في الواقع .
*ثالثا : في ضوء ذلك ينبغي النظر الى مؤتمر واعلان باريس على انه محاولة وخطوة اوروبية ، وفرنسية اساسا ، لتحريك عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية المتوقفة منذ عام 2014 . واذا كان اعلان باريس قد اضاف تأييدا دوليا جديدا لحل الدولتين ولاستعادة المفاوضات ، الا انه بحكم محدودية التأثير الاوروبي من ناحية ، وبحكم الوضع الاقليمي العربي والدولي الراهن من ناحية ثانية ، وتوجهات القيادة الامريكية الجديدة ، لن يحرك وحده عملية السلام بين الاسرائيليين والفلسطينيين ، ولكنه يمكن ان يكون قاعدة للتحرك الفلسطيني والعربي في الأمم المتحدة لاصدار قرار آخر من مجلس الامن الدولي ، ليس لادانة اسرائيل ، لأن الادارة الامريكية لن تسمح بذلك ، ولكن للتأكيد على اسس الحل السلمي التي تضمنها اعلان باريس ، حتى تتوفر الظروف المناسبة للحل السلمي الذي بات يلفه غموض اكبر وتحيط به مساومات وصفقات نخشى ان ندفع نحن كفلسطينيين وعرب ثمنها في النهاية. فاوروبا ستظل قوة دولية اقتصادية كبيرة ولكنها قوة سياسية متواضعة او مساعدة لأمريكا وعلينا التعامل مع ذلك ، بعيدا عن التفاؤل الجامح او احلام اليقظة او القاء العبء على الآخرين، فالسياسة لا تعرف ذلك .