إدارة ترامب … كل الاحتمالات قائمة ..!

علاء الدين يوسف –

,, ليست مبالغة ولا هي نرجسية زائدة التأكيد على أن معظم الكتابات والتحليلات التي سبقت ورافقت فوز المرشح الجمهوري ترامب بانتخابات الرئاسة الأخيرة شابها الجموح الفكري بين متناقضات عديدة، وحتى تلك التي بنيت على أساس تصريحات ومواقف ترامب نفسه خلال حملته الانتخابية خرجت علينا في صورة توجسات أو هواجس وانطباعات شخصية أكثر من كونها رؤى سياسية يمكن على أساسها بناء مواقف تتسم بالثقة والثبات
أغلب الظن أن هذا المشهد الملتبس – خاصة فيما يتعلق بالشرق الأوسط – ينطلق من عنصرين أساسيين، أولهما يرتبط بحالة الإرباك والارتباك الناجمة عن فوز ترامب وهزيمة كلينتون، صاحبة الحظوظ الأوفر للفوز بالرئاسة في الرهانات الأولية التي خاب ظنها بشكل فج ومثير، ولا شك في أن حالة الارتباك تلك مرتبطة بطبيعة شخصية ترامب وما ارتبط بها من مواقف وتوجهات وتصريحات غير مألوفة لدرجة أنه يصعب معها القول إنها تعطي قراءة واحدة لسياسات وتوجهات هذا الرجل الذي يقدم نموذجا مختلفا لساكن البيت الأبيض، فما بين المخاوف الجسيمة من قدرته على تحويل برنامجه الانتخابي بكل جموحه إلى أجندة سياسية حقيقية تتبناها إدارته في تنفيذ سياستها الخارجية تجاه قضايا العالم المختلفة – وكذلك الداخلية – وما بين تحفظات عديدة تؤكد قدرة «الدولة العميقة» أو ما اصطلح في الولايات المتحدة على تسميتها «المؤسسة» على فرملة ترامب أو كبح جموحه الكبير الذي قد يهدد كيان الولايات المتحدة داخليا وخارجيا كدولة عظمى،هكذا جاءت التحليلات والقراءات المتعددة التي بني بعضها على أساس تصريحات ومواقف سابقة ومعلنة بينما جاء البعض الآخر أقرب ما يكون إلى التمنيات الخاصة.
أما العنصر الثاني المسبب لحالة الارتباك التي نجمت عن فوز ترامب، والحديث هنا تحديدا عن الشرق الأوسط، فيرتبط بطبيعة سياسات دول المنطقة التي ما زالت تصر غالبا على القيام بدور « المفعول به» بدلا من القيام بدور «الفاعل» ، حتى في قضاياها المصيرية خاصة في تلك المرحلة الخطيرة التي تكاد أن تأكل الأخضر واليابس وتعصف بكل مظاهر الأمن والأمان والاستقرار أو ما تبقى منها في أمتنا العربية، فما زلنا نتساءل وننتظر ما ستفعله بنا الإدارة الجمهورية المقبلة بزعامة ترامب، وكأننا على موعد مع مسألة قدرية يجب أن نكيف أنفسنا معها أيا كانت مدخلاتها ومخرجاتها وتبعاتها الكارثية على شعوبنا، ولا يعني أن التساؤل غير مشروع أو في غير موضعه، بل العكس تماما، فعدم طرح هذا السؤال بمنتهى الجدية وعدم السعي بمنتهى القوة لإيجاد إجابات شافية وعلمية له بما يترتب على ذلك من بناء مواقف واضحة على أرضية صلبة يدخلنا في دوامات السذاجة السياسية لأننا لا نعيش وحدنا في هذا الكوكب وكذلك لأننا ندرك خطورة أدوار القوى العظمى والكبرى والتي لها مصالح يجب أن تؤخذ في الاعتبار، ولكن ما يدفعنا إلى التحفظ هو ذلك الهوان الكبير وربما الانسحاق الشديد الذي يجعلنا دوما في انتظار ما سيفعله بنا الآخرون بدلا من أن نسأل نحن أنفسنا بأنفسنا عما سنقدمه لشعوبنا ودولنا في مواجهة الأطراف الأخرى الإقليمية والعالمية، فإذا ما ارتضينا لأنفسنا أن نستمر في القيام بدور «المفعول به» فذلك يعني أن علينا أن ننتظر ما يفعله بنا الآخرون وعند هذه اللحظة يجب أن نتوقع أن كل الاحتمالات ستكون مفتوحة وقائمة تجاه قضايانا الحيوية والمصيرية.
وإذا ما عدنا مجددا إلى التحليلات والقراءات والتوقعات التي أعقبت فوز ترامب فمن الصعب جدا الجزم بأنها سلكت الطريق الصواب فيما يتعلق بسياساته الخارجية التي رآها البعض نهاية للامبراطورية الأمريكية وتكريسا لعزلة الولايات المتحدة ربما ممارسة أو إحياء لمبدأ «جيمس مونرو» القديم الذي جعل نصف الكرة الغربي فقط هو الملعب السياسي المحدد لواشنطن، وحتى إذا كان المنطق والشواهد المبكرة تؤكد أن هناك شيئا ما سيحدث فيما يتعلق بالسياسات الأمريكية وآليات تنفيذها في عهد ترامب دون التضحية بمكانة بلاده «الإمبراطورية» ، فالولايات المتحدة لا تزال بحكم الأرقام وموازين القوى السياسية والعسكرية والاقتصادية هي القوى العظمى في العالم ولن تبرح هذه المكانة في غمضة عين أو بين عشية وضحاها، فالمبدأ المتعارف عليه في القواعد الحاكمة للعلاقات الدولية هو عدم انسحاب القوى العظمى والكبرى إلا إذا كان ذلك مرتبطا بأجندات أخرى أكثر طموحا، وذلك ما يدفعنا إلى التأكيد على أن أجندة ترامب وإدارته ستحرص على الحفاظ على مكانة ومصالح واشنطن «الإمبراطورية» حتى ولو بشكل ضمني من خلال أجندة عملية وليس مجرد تصريحات معلنة.
وبدون شك هناك مصالح ثابتة لواشنطن فى منطقة الشرق الأوسط تشكل استمرارية للسياسة الأمريكية وتتمثل فى دعم وحماية أمن إسرائيل وضمان وصول النفط وبأسعار معقولة والحرب على الإرهاب والمرور العسكري والتحالف مع الدول الصديقة والمعتدلة، ثم فإن مساحة التغير في سياسة ترامب ستكون في إطار الآليات التي تحافظ على تلك المصالح، وهو ما يعني إعادة مراجعة التحالفات السابقة في إدارة أوباما والبحث عن آليات جديدة تمكنه من تحقيق أهداف السياسة الامريكية في المنطقة، ومن ناحية أخرى فعلى الرغم من أن أجندة ترامب الخارجية سوف تركز بشكل أكبر على منطقة آسيا والمحيط الهادي والعلاقة مع أوروبا وحلف الناتو ومشكلاته مع المهاجرين من أمريكا اللاتينية، إلا أن الشرق الاوسط وأزماته ستظل ضمن أولويات السياسة الخارجية ويصعب فك الاشتباك معها نتيجة لاعتبارات المصالح الأمريكية في المنطقة.
أما بالنسبة للقضية الفلسطينية، الشغل الشاغل للعرب والعالم منذ قرن من الزمان، فمع انحياز ترامب الشديد لإسرائيل وتبني مواقفها فإن الجمود سيظل مهيمنا عليها خاصة أنه أعلن صراحة دعمه لإسرائيل واتخذ موقفا سلبيا ضد الفلسطينيين، وعلى الرغم من تصريحاته الأخيرة بأنه سيسعى إلى إيجاد تسوية لهذه المشكلة مما سيشكل إنجازا ضخما على حد قوله، إلا أن المشكلة الأكبر سواء مع ترامب أو غيره من الرؤساء السابقين والإدارات الأمريكية المتعاقبة لم تكن يوما في الرغبات أو النوايا ولكن في السياسات العملية المقترنة بهذه النوايا والتي عجزت حتى اليوم عن وضع أسس أي تسوية سلمية موضع التنفيذ على أرض الواقع حتى حل الدولتين عجزت إدارات متعاقبة عن تنفيذه رغم أنه أوضح إطار للتسوية منذ حلحلة هذا الملف باتفاقيات أوسلو مطلع التسعينات في القرن الماضي، وهذا ما يدفع معظم المحللين إلى التأكيد على أن موقف ترامب من القضية الفلسطينية لن يتغير وقد يزداد تعقيدا خاصة مع تراجع مكانة القضية الفلسطينية في الأجندة الدولية والإقليمية وبذلك فإن الوضع بالنسبة للفلسطينيين لن يكون ايجابيا، إلا أن الفعاليات الفلسطينية ذاتها ترى أن هذا الموقف لن يكون جديدا على الإطلاق لأنها مرت فيما هو أسوأ منه بمراحل كثيرة، في حين يرى آخرون أن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو لا يريد ولا يكتفي بدعم أمريكي عسكري واقتصادي وسياسي مطلق لإسرائيل يفوق كل ما حصل عليه من أي إدارة أمريكية سابقة، بل يريد الحصول على اعتماد أمريكي لإسرائيل كقيادة إقليمية للشرق الأوسط ، بكل ما يعنيه ذلك من إحداث توافق أمريكي إسرائيلي في إدارة الشرق الأوسط وصراعاته وقواه المتنافسة.
ويعني ذلك أن نتانياهو لا يكتفي بما يروج له اليمين الإسرائيلي المتطرف من الحصول على وثيقة مفعمة بالوعود المغرية لإسرائيل ومستقبل العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية بل يريد ما هو أكثر من الوعود أو الدعم المباشر لإسرائيل. هذه الوثيقة التي يروج لها اليمين المتطرف تعتمد أولاً على رسالة خاصة بعث بها دونالد ترامب عبر صحيفة «إسرائيل اليوم» المقربة من نتانياهو وحكومته ويمولها الملياردير اليهودي الأمريكي اليميني شلدون أولسون بعث بها إلى عموم الإسرائيليين تقول «أحب واحترم إسرائيل ومواطنيها» واعتبرها «شعاع الأمل لأناس كثيرين» ، وتعتمد ثانياً على تصريحات أدلى بها مستشارا ترامب للشؤون الإسرائيلية ديفيد فريدمان وجيسون جرينيلات وكلها وعود لإسرائيل من أبرزها أن الولايات المتحدة ستحافظ على المصالح الإسرائيلية ، وأن إسرائيل تحتاج إلى حدود قابلة للدفاع عنها وتضمن السلام وتعزز الاستقرار الإقليمي ما يعني عدم الانسحاب إلى حدود الرابع من يونيو 1967، كما أن الوثيقة تتحدث عن اعتراف أمريكي بالقدس كعاصمة موحدة للدولة اليهودية وغير قابلة للتقسيم ، وتشمل أيضاً نقل السفارة الأمريكية إلى القدس ، وتطرح شروطا صعبة لقيام دولة فلسطينية.
هذه جميعها مؤشرات على إمكانية حدوث تحولات مقلقة في المنطقة، وترجح أيضا إمكانية حدوث مقاربات مختلفة لأزمات سوريا والعراق واليمن وليبيا والإرهاب وإيران، ولكن في أي اتجاه ؟ هذا ما يصعب توقعه في الوقت الراهن لأن الأطراف الفاعلة عربيا وإقليميا على صعيد هذه الملفات لا تملك الكثير من أوراق التأثير فيها، فعليها الانتظار لما ستكشف عنه الأيام المقبلة . فما زلنا في زمن«المفعول به» !