لا يَرحمون، ولا…

عبدالله حبيب –

استكمالاً للحلقة الفائتة: الأربعاء، 20 يونيو 2001، البريمي (الظاهرة)، مجز الصغرى (صحم)، ومسقط:
لكن أي شقاء لا تزال مجز الصغرى ترزح تحته؟! […]. فليعيننا الله يوم ينفخ إسرافيل الصُّوْر، ويوم يأخذوننا إلى الأعراف في انتظار الرحمة والميعاد. وأنتِ يا من كنت تناولينني الأسطوانة المعدنية ذات اللون الفضي الحافظة للبن المضمومة إلى خصرك وأنت تبتسمين ثم تضعين طرف «الليسو» على فمك ويستدير وجهك نحو البحر بينما تتحرر أصابع كفّك من عظامها وتخرُّ راكعة في غنج ودلال نحو الأرض المالحة، أي بحر أخذك منذ تلك الظهيرة التي كان من الواضح انها قد أدركت سن البلوغ؟. لم تعد الصبايا العمانيات يرتدين «اللواسي» ويتسببن في زلزال أرضي صغير حين يغطين أنصاف وجوههن بأطراف تلك «اللواسي» وهن يبتسمن خفراً بينما تستدير أعناقهن الظامرات نحو الزرقة الأبدية، و«واأسفاه/‏ لم يعد الغجر/‏ يصعدون إلى الجبال منفردين» يا لوركا. ويا مجز الصغرى سلام عليك الليلة، وليلة أن يحل ظلام أقوى على كافة الأرض والسماء.

مررنا في ذكريات مغلقة ومفتوحة العينين خلف ضوء مصابيح السيارة الأمامية المستغيثة من العتمة، وهسهسة الحشرات، والحكايات، والهواجس بالمزرعة الغربية التي باعها أبي حين اضطر، والتي كان الطريق إليها ومنها مزروعاً بالأساطير المرعبة والاحتمالات الطيبة (لم يحدث لي شيء من الأخيرة على الرغم من الصبر الطويل)؛ المزرعة التي ترتبط ذاكرتي، في ما يرتبط، بشيء منها، واعتصرني قلبي لمشهد العصف المأكول الذي رأيت، فكان لا بد من الوقوف على الأطلال.
كان هذا العصف المأكول موطن أم، وأب، وحوضين، وآثار زيارات العود الكريم الشهم حميد بن سويد البادي وزوجته الودود عائشة، وهي واحدة من صديقات أمي المقربات. إن كان لي أب روحي أو بديل خلال تلك الفترة من الترعرع فسأقول انه العود حميد البادي بكل تأكيد لفرط ما غمرني به من حب، وحنان، وثقة، وتفهم لعنادي ومشاكساتي الصغيرة. ذات نزق أصررت على العود حميد ان نزرع شجرة نارجيل، فقال بود حاول أن يخفي التأفف ان مناخ الباطنة لا يصلح لذلك، غير انني ألححت، فانصاع بلا أدنى أمل في نتيجة إيجابية، وزرعنا البذرة معاً بمعرفته المحنَّكة واحتياطاته الدقيقة، وقد كان محياه ينضح إنباءً بأن هذه محاولة ميؤوس منها على الرغم من كل الاحترازات، بينما كان دوري مساعداً فقط، أنا الذي يتم هذا لأجل خاطره فقط. واظبت على السقي بالكميات وفي المواقيت التي اقترحها، وكم كانت دهشته عظيمة وفرحته موازية لفرحتي بظهور النبتة من الأرض كما تنبثق نجمة من سماء حين هرعت الى الموقع للتفقد عند الصباح الباكر كعادتي كل يوم، وركضت إلى مزرعته الملاصقة لمزرعة الوالد التي لا أنسى ذلك المعبر المبني من جذوع الأشجار الواصل بينهما وأنا أهتف: العود حميد طلعت النارجيلة، والله العظيم طلعت، العود حميد تعااااااال شووووووف!. صارت النبتة تتطاول نحو السماء ببطء وثقة وأنا أواصل تعهدها بشغف، لكن كان عليّ أن أترك الوطن على عجل لأسباب خارج إرادتي بعد ذلك بسنوات، فلم يعد أحد يتعهد بالعناية الكثيفة المطلوبة الدُّميَة الزراعية التي أرادها الصغير بتحرُّق، فذبلت تدرجاً، وماتت كما مات الكثير غيرها من أحلام خضراء في طور اليفوع.
أما الخالة عائشة فقد كانت تمدنا سخاء شديداً من اللبن، والحليب، والسمن، والعسل، والجبن البدوي الأبيض الصلب، وترفض بحلف اليمين أن تأخذ أي مقابل لقاء ذلك. لكن يبدو ان الخالة عائشة وأمي قد مارستا بصمت «اقتصاد المقايضة» الذي لم يكن منقرضاً بالكامل في مجز الصغرى وغير قليل من الانحاء العمانية الريفية عهدذاك حتى مع شيوع «الاقتصاد النقدي»، فقد كانت أمي تزوِّد الخالة عائشة بأغراض «مدينيَّة» تجلبها في عودتنا من زيارات الأهل في صحار التي كانت تستورد حاجياتها الحداثيَّة من دبي. في إحدى زياراتها لنا أعجبت الخالة عائشة كثيراً بطاولة خشبية طويلة تتكون من طابقين لوضع القدور والآنية وأدوات المطبخ عليهما خلال فترة وجودنا في المزرعة في الصيف، وذهلت لتلك الهندسة الخشبية العبقرية، فقالت جملة عفوية لا تزال مغروسة في ذاكرتي حتى الآن: «كله موجود بس ضم فلوسك»!. أعتبرُ تلك الجملة أعتى نقد للاستهلاك الرأسمالي سمعته وأنا في غضاضة العمر في ذلك الفضاء المكاني، لكن من دون أن أعي ذلك طبعاً، إلا بالاستعادة. وكان في مزرعة أبي الغربية بيت صيفي مبني من السعف مرتفع على قاعدة من البراميل، وموسم «عساف اللومي والهمبا»، وكتب ومجلات، و«صراريخ»، ومكان تجربة جنسية حدثت بأبعد حدود البدائية والجهل بأبجدية الجسد في المزرعة التي فرش لنا الجزء الليموني الغربي منها حصيراً من أزهاره البيضاء الصغيرة سريراً للرغبة النيئة والمرتبكة. سقى الله تلك الأيام والسنين على مر اندلاق الحنان، والحنين، واللبن، والحليب، والسمن، والعسل.
ثم واصلنا الرحلة إلى مسقط التي وصلناها في حوالي الحادية عشرة ليلاً.

الخميس، 21 يونيو 2001، مسقط:

من النافذة التي فتحتها في بيت بمنطقة الخوض غُبَّ الظهيرة المسقطية، الشيء الوحيد الذي يمكن قوله، بعد نظرات مشتاقة وطويلة أرسلتها أسنان ملتهبة ورأس تدور فيها مباراة كرة قدم حامية الوطيس بين فريقين عنيدين لا يعرفان انهما سيخرجان معاً من التصفية.. الشيء الوحيد الذي يمكن قوله، إذاً انهم أنجزوا بنجاح تقريباً إنشاء الطبقة المتوسطة حاملة لواء المشروع التحديثي السبعيني، حيث لم يكن لها وجود يذكر قبل 1970 (هذا على عكس ما يحدث الآن من سحق وحشي للطبقة المتوسطة في غير قليل من الأقطار العربية بحيث وصل ذلك إلى حد «ترييف المدينة»)، وهذا أهم إنجاز لهم بعد عبقرية تكوين نظام أمني محكم ودقيق جداً. ستبقى الطبقة المتوسطة الوليدة والمفتقرة إلى أية تقاليد ثورية جماهيرية خارج الاستثناءات النخبويَّة بحاجة إلى المزيد من الدراسة والبحث فيما يخص تاريخنا المعاصر. لقد تم القفز […] على كل شيء بتحليل ماركسي «دوغمائي» مضحك: «تذبذب» البورجوازية الصغيرة بتذبذب مصالحها، ولذلك ينبغي التركيز على الطبقة العاملة (التي، في حقيقة الأمر، بدأت المؤسسات الأمنية كالشرطة والجيش تستوعبها وتفرغها من محتواها ومُحْتَمَلِها منذ بداية السبعينات، في الوقت الذي كان فيه «الثوريون» يقومون بـ«استيراد» ملايين من عمال التصنيع الثقيل من الاتحاد السوفييتي والصين إلى أحلام يقظتهم الباذخة، بينما كانت البورجوازية العمانية الصغيرة الناشئة «تستورد» العمالة الآسيوية من الهند، وباكستان، وبنجلاديش بطريقة عملية أكثر بألف مرة على الأقل)؛ «زئبقية» الأقليَّات والإثنيَّات و«المُنْجَمَعات المُعَنْصَرَة» (racialized communities) التي لا نحفل لها كثيراً الآن، ولكننا سنتعامل معها وفقاً لدرجة ولائها للثورة (طبعاً، بعد النصر المؤزر الحاسم المؤزر الأكيد القريب أكثر من غمضة عين إن لم يكن حبل الوريد، وبقوة السلاح)!، ولذلك ينبغي منا التركيز في هذه المرحلة على «القبائل» التي لها دور تاريخي في المواجهة (هم الذين – من باب التذكير فقط، بالمناسبة ـ جاؤوا أصلاً ليعيدوا القبيلة إلى مكانها اللائق بها في كهوف التاريخ المظلمة)، حيث «تراه عمان ما بيحرروها غير ولاد القبايل» كما قاد أجرٌ واحد فقط الشهيد […] رحمه الله إلى القول ذات اجتهاد مؤسف)، إلخ من غثِّ التفكير، وليِّ ذراع الخصوصية المحلية، ومجانيَّة إسقاط النظرية قسراً. «نناضل نحن العمانيين بطبقة رهيبة عتيدة عدد أفرادها تسعة وأنا منهم. لكن حين أسافر إلى تايلند يصير عدد أفراد تلك الطبقة أربعة فقط يشكلون الطليعة الثورية التاريخية الضاربة»!، هكذا قال سالم علي (أبو طفول) ذات دعابة مريرة ومترنحة القهقهات الفاجرة التي أصابت بطوننا بل أمعاء الليل الثَّمل كله بالمغص لفرط فجورها.
تلك البيوت الجديدة الكثيرة في حي الخوض شُيِّدَ كله تقريباً بتمويل من سُلَفٍ مجحفة من بنك الإسكان وبنوك تجارية حذت الحذو نفسه مؤخراً كي لا يفوتها نصيبها من الكعكة، وها هو عود الطبقة المتوسطة يصلب، لكن ماذا عن تسييسها هي التي شاغبتْ موخراً عبر جناحها الديني؟. لا شيء، سوى ان «الرفيق» الهمام […] سينبري هاتفاً: «أه، لقد خسرنا هذه الطبقة أيضاً لأننا لم ننشئ حزباً سياسياً طليعياً على قمة التنظيم المسلح]، واننا كررنا خطيئة جمال عبدالناصر التي لا تغتفر، وان الرفيق جوزِف ستالِن غاضب علينا كثيراً ولن يرضى أبداً، أما تشي جيفارا فهو مجرد «طفولي يساري» و«تحريفي» فحسب، ولذلك فلا بأس أن يغضب إلى الأبد»!. حسن جداً، فالعزاء يكمن في أن «دراسات 9 يونيو» لم يكن يقرؤها أحد غير مؤلِّفيها في أحسن الأحوال!.
بعد تناول إفطار متأخر فاخر واحتساء القهوة التركية تصفحت كتاب مارجرِت ثاتشر “The Downing Street Years”، وخاصة الصفحات المتصلة بالخليج، حيث بالطبع لم تدهشني لهجتها (أتذكر جيداً زيارتها إلى الإمارات في يوم ماطر في أواخر السبعينات أو أوائل الثمانينات، وأتذكر المقالة الطويلة التي كتبتُها عن ذلك المساء فيما يشبه سرد ما حدث لعُماني مقيم هناك في يوم زيارة «المرأة الحديديَّة»، وأتذكر أن «الأزمنة العربية» نشرت جزءاً يسيراً جداً من ذلك الاحتجاج الطويل، فالجميع يخاف من مارجرِت ثاتشر!. لا أزال أتساءل عن حسين فارس الذي كان برفقتي ونحن نخوض بسيارتي المترنحة شوارع أبوظبي المليئة بالماء ابتهاجاً بالمطر الذي أفسدته مندوبة «التاج». رفضت السفارة الـ […] تجديد جواز سفر حسين فارس، وأصرت على أن يعود إلى بلاده لـ «بعض التفاهم». ومنذ ذلك الحين وأنا أتسقَّط أخباره بلا جدوى.
ليلاً، زيارة أهل الفتاة التي أصبحت خطيبة ناجي حبيب اعتباراً من هذه الليلة، وقد جئت إلى مسقط لحضور حفل الخطوبة هذا. كان ناجي «يفرفش» كما تفعل الفراشات حين تكتشف الطيران والحب. هنيئاً له، لهما. لا وقت لرؤية الأصدقاء أو حتى الاتصال بهم في هذه الزيارة القصيرة جداً. هم أيضاً لا يتصلون ولا يتواصلون. ينتظر الأصدقاء دوماً أن تكون أنت من يتصل، ومن ينسق بينهم، ومن يحدد مكان اللقاء، وان تقنع أي اثنين متخاصمين منهما بالحضور ثم تقوم بمصالحتهما، إلخ. كلا، آسف جداً، ليس لدي وقت ولا مزاج لكل ذلك في هذه الزيارة.
غداً سنعود إلى البريمي، ثم سنسافر إلى أبوظبي.

السبت، 23 يونيو، 2001، أبوظبي:

عصراً، زيارة طبيب أسنان عربي ممتاز (من سوريا) درس في الولايات المتحدة. جسستُ نبضه السياسي جسَّاً طفيفاً وبطريقة غير مباشره فإذا به ينهال بأقذع الشتائم وأعتى اللعنات على حزب البعث، من دون التفكر حتى بنسبة 1% في احتمال أكون جاسوساً بعثيَّاً متنكراً في هيئة مواطن عماني. سيجري لي هذا الطبيب، في عدة جلسات، استئصال أعصاب من ثلاثة أسنان، وسيصمم لي «حارس فم» (mouth guard) حسب القياسات الدقيقة لفكيَّ الأسفل والأعلى أرقُّ من ذلك الذي ابتعته من محل أدوات رياضية في لوس أنجلوس، والذي يليق بمحمد علي كلاي أكثر مني، فالطبيب هذا يعتقد أن صرير الأسنان الناجم عن الكوابيس والجواثيم يفاقِم المشكلة، وسيسهم «حارس الفم» المفصَّل في التخفيف من الآثار.

الأحد 24 يونيو 2001، أبوظبي:

بعد جلسة طبيب الأسنان المؤلمة التقيت صديقي العزيز […] في جلسة أكثر إيلاماً: لا تزال مشكلة تأشيرة زوجته العراقيَّة، على سبيل المثال فحسب، معلقة حيث انها موجودة الآن، ضمن وضع قانوني مهدَّد، بصفتها «نادلة» حسب تأشيرة عمل مؤقتة. لا أدري في أي مكان من العالم يمكن تصور حجم الإشكاليات التي تنتظر أي عماني (والأمر ينطبق على العمانية) يريد أن يتزوج أجنبية حتى ولو كانت عربية، وكأنه أراد الاقتران بجاسوسة من سكان كوكب آخر يكِنُّ أهله لوطننا أيما حقد.
من ضمن أشياء أخرى، تحدثنا مطولاً عن «وردة» صنع الله إبراهيم التي، على عكس [صديقي]، لم يبلغ إعجابي بها مبلغاً كبيراً على الرغم من سعادتي بصدورها واستعادتي الحميمة لجلسات مسقط الودودة مع صنع الله، دافئ ومتواضع ودمث الشخصية، في زيارته البحثية والتحدث إلى أشخاص موثوقين عما حدث من 1965 إلى 1975، بل اني أظن أن «وردة» لا تخلو من الافتعال والإكراه على الإطلاق («وردة»، كما أحسب، هي التجلي الأنثوي العُماني لصنع الله الذي له تاريخ من الاهتمام بـ «التجربة الأنثوية»)، كما أن بها ما يقلقني منذ مدة في الكتابة القصصية والروائية العربية؛ أعني عدم التمكن من اللغة ليس بالمعنى الجمالي والفني، بل بالمعنى المباشر، أي الكتابة بعربية فيها عسر واضح ومشقة بيِّنة (ألا يوجد في اللغة العربية الثريَّة ــ وهذا مثال واحد يحضر بسرعة ــ أداة استفهام غير «هل» التي لا يرد غيرها في «وردة»)؟.
طبعاً، هذا شيء، واحترام صنع الله ابراهيم، الذي جاء من مصر لجمع معلومات والالتقاء بأشخاص وكتابة الرواية العربية الوحيدة المنشورة حتى الآن عن التجربة المجهولة عربياً إلى حد مؤسف للغاية، فذاك شيء آخر […]. لكن، ألا يكفي «الصامتين» صمتاً؟!. كم هم «الصامتون» نموذج مسرف للعجز والأنانية حيث لا يجيدون سوى ابتكار الهزيمة على الأرض وفي الذاكرة؛ فهم يحتكرون التاريخ باعتباره ملكيَّة سماويَّة ومعنوية خاصة (هم الذين جاءوا لتقويض الملكية الاقتصادية الخاصة كما يقولون)، وإن تجرأ أحد من خارج «هيكلهم المقدَّس» على نبش ذلك التاريخ المسكوت فإنهم يجأرون بالشكوى فوراً: لقد شوَّهنا فلان ولم ينصف تاريخنا!. حقاً إنهم لا يرحمون ولا يدعون لرحمة ربنا أن تأتي من أرض الكنانة.