خميس بن راشد العدوي الإنسان.. وهو يسعى في الأرض ويعمرها، ويشيد فيها العلاقات مع بني جنسه؛ عبر التشارك والتعاون، والتنافس والتصارع، تشكّلت لديه تلقائياً الرموز والمصطلحات، اقتباساً مما يرى حوله من تنوّع وتشابه، وبمرور الزمن.. تطورت لتصبح مفاهيم ومنظومات، ثم أنظمة، في «سلسلة ذهنية»؛ لا يكاد العقل ينفذ من أقطارها في التعامل مع الحياة. والفرد والمجتمع والدولة في ذلك سواء. إن الوجود الاجتماعي للإنسان بعلاقاته المتشابكة؛ البسيطة والمعقدة منتظم في هذه «السلسلة الذهنية»، وهي تشكّل الوضع الاعتيادي في حياته، بحيث لا يشعر بنشوئها وتكونها، وقد لا تلفت انتباهَه أهميتُها وحيويتُها وخطورتُها. وكل عنصر فيها ينبغي دراسته، والبحث في جذوره، وتتبع تطوره، واستشراف مآلاته. تنشأ مفردات السلسلة اجتماعياً وتتشكل معرفياً بعدة طرق، فقد يكون أصلها تطوراً طبيعياً في الاجتماع البشري، وهو السائد. فالمصطلحات ثم المفاهيم الزراعية -مثلاً- تطورت عبر حقب تاريخية متطاولة حتى تشكّلت منظوماتها. وقد تفرضها الدولة في سياق بناء نظامها؛ فاقتصاد «السوق الحر» فُرِض سياسياً من قِبَل الدول الرأسمالية، وهذا لا يعني أنه لم تكن له سوابق تطورية، وإنما بكونه منظومة متحددة اقتصادياً، ثم تعميمها على السوق العالمي، كان بقرار سياسي. ومن المنظومات ما تنشؤها الأديان؛ فالتوحيد بكونه منظومة إيمانية متكاملة نزل به الوحي. وقس على ذلك سائر المنظومات. وتأسيس المنظومة.. له كلفته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وقد تتطور عنها حروب وصراعات، وهذه الكلفة تدفعها أطراف مختلفة، وغالباً مَن يتبناها، لاسيما إن كانت محورية في نظامه، ويعتمد عليها في إدارة بقية عناصر نظامه؛ الداخلية والخارجية. لنأخذ مثالاً.. توحيد الله، فقد كان موجوداً عند ظهور الإسلام بصيغته الحنيفية، ولكنه هامشي، ويمثل معتقداً فردياً، وغير مؤثر كثيراً في العناصر الأخرى للحياة، فلما أنزل الله القرآن على نبيه محمد؛ جعل التوحيد المرتكز الأساس في نظام الدين الجديد، وركّب عليه كل عناصر الإسلام، وأعاد بناء الذهن المسلم بمقتضاه، وجعل كل حياته تدور في فلكه، وقد دفع المسلمون الأوائل حتى يتحقق هذا المفهوم ويتحول إلى منظومة إيمانية؛ كثيراً من التضحيات من دمائهم وأموالهم وصحتهم وأوقاتهم، كل ذلك في مواجهة التغيير الذي رفضه الناس بدايةً، وحملوا السلاح ضده، ولكن ما أن اكتمل نظام الإسلام؛ حتى أصبحت منظومة التوحيد أمراً اجتماعياً بين الناس، فأخذ التوحيد يسري شيئاً فشيئاً في المجتمعات، دون أن يستلزم الكثير من الجهد والعناء، بمعنى.. أنه تحول من لحظة النشأة الأولى التي تستلزم الكلفة والعناء إلى واقع اجتماعي يعمل بقوة وجوده في المجتمع وإيمان الناس به. لنأتِ إلى التسامح.. ونقرأه بصورته العملية في الدولة الحديثة بالسلطنة، فالتسامح.. بغض النظر عن الاختلاف في معناه الفكري وتجاذب مدلوله الفلسفي، معناه بصورته الاجتماعية الملموسة.. هو التعايش بين الناس بمودة ودون نزاع بينهم، بهذا المعنى كان موجوداً في عمان، بممارسة اجتماعية -غالباً- بعيدة عن السياسة، فلم تكن له رؤية سياسية محددة، ولا تنظير ديني واضح، على الرغم أن التسالم الاجتماعي بالتسامح جعله حاضراً في الممارسات الدينية، والسياسية؛ خارج نطاق الصراع على السلطة، فلم تقم أية حرب في عمان منذ مجيء الإسلام حتى اليوم على أساس ديني أو مذهبي، وكل الأفكار والمعتقدات الدينية التي وجدت فيها عاشت بسلام وتسامح فيما بينها. وقد أدرك باني عمان الحديثة جلالة السلطان قابوس بن سعيد طيّب الله ثراه أهمية البناء المفهومي في سياسة الدولة، فتبنى العديد من المفاهيم كالتسامح والسلام والتراث واللباس والفلكلور، فكل هذه المفاهيم كانت موجودة ولها دلالتها، إلا أنها لم تكن تعمل في إطار الوحدة الوطنية، فعمد جلالته إلى إبرازها ونَظْمِها في نظام الدولة، فتحولت من مفاهيم اجتماعية معرضة للتغيّر أو الزوال مع تحديث الدولة، إلى منظومات وطنية تخدم بناء الدولة ووحدتها. وبالنسبة للتسامح.. فقد قامت الدولة عليه عملياً منذ لحظتها الأولى قبل أن تحوّله إلى بُنية معرفية، وذلك عندما استشهد جلالته بقول الله: (عفا الله عمّا سلف)، في 8 أغسطس 1970م، أي بعد حوالي أسبوعين من توليه مقاليد الحكم في البلاد، لم يكن التسامح مجرد شعار رفعه جلالته، وإنما مارسه عملياً في أنظمة دولته، بدايةً مع مَن رفع السلاح ضد الدولة، ونحن اليوم ندرك تماماً الثمرة الطيبة التي انتجتها هذه الرؤية العميقة. ولمّا عصفت رياح المذهبية على المنطقة، وحطّمت أركاناً تخال نفسها أنها قوية أمام إعصارها العاتي؛ فإن السلطنة كانت تصدها بحائط التسامح الذي حال دون أن تخترق الفتنة المذهبية المجتمع العماني وتضعضع بنيانه، وقد تخطت عمان تلك المرحلة الكئيبة؛ وهي مرصوصة الصف، متوحدة الكلمة، حسنة السمعة. وتأكيداً لهذا المفهوم فقد تبنت وزارة الأوقاف والشئون الدينية مع بداية هذه الألفية منظومة التسامح التي اشتغلت بها الدولة منذ تأسيسها بالتنظير لها عبر إقامة الندوات والورش المحلية والمعارض الدولية، وبإصدار مجلة «التسامح»، لتصدر بعد العدد الثلاثين باسم مجلة «التفاهم»، وتواصل نفس المسيرة، وأنفقت في ذلك أموالاً طائلة. اليوم.. نستطيع أن نرى مفهوم التسامح وقد تحول إلى منظومة، تعمل في أنظمة الدولة المختلفة؛ السياسية والدينية والاجتماعية، حتى أصبحت عمان يشار إليها بالبنان في التسامح، وظهرت دعوات من خارج السلطنة للاحتذاء بالنموذج العماني في معالجة الصراع المذهبي بالمنطقة. منظومة التسامح هذه علينا أن ندرسها؛ لتقييمها والنظر في جوانب قوتها وقصورها، للاستفادة منها -بعد المراجعة والتعديل إن لزم- في قادم الأيام، ولبثها عملياً في ثقافة المجتمع، وذلك.. أن أي عمل كبير عليه أن يواكب التحولات التي يمر بها العالم، ولرُبَّ منظومة كانت يوماً صالحة وقوية، ونتاجها تحتاج له الدولة وشعبها، أصبحت عبئاً ثقيلاً، وعقبة كأْداء أمام التحولات التي يفرضها الواقع وتستلزمها الدولة. وبالنظر إلى أن دورة عمر الدولة لكي تتجدد بأكملها مرة أخرى تستغرق 40 عاماً، والتي تتكون من أربع مراحل عشرية السنوات؛ هي: النشأة والتأسيس، التقليد والاقتباس، التأصيل والإبداع، النقد والمراجعة، فإن منظومة التسامح قد حان فعلاً -وربما تأخر- وقت مراجعتها وتقييمها، على أن تقوم بذلك جهة علمية محايدة، لأن المنظومة لا يمكن أن تنقد نفسها من الداخل نقداً موضوعياً، ومنظومة التسامح لا تستوجب التقييم فحسب، بل قد ينبغي إعادة تأهيلها من جديد؛ إن كانت لا زالت صالحة للمستقبل، وربما تغيير الجهات التي تقوم بتمثيلها والتسويق لها. وأهم عنصر ينبغي فحصه.. هو مدى تمكنها في التحول من التأسيس المكلِّف للدولة موارد مالية وجهوداً بشرية، إلى مرحلة الفعل الذاتي من خلال التمثل الاجتماعي. وللإجابة على سؤال الصلاحية في منظومة التسامح ينبغي طرح الأسئلة الآتية: - هل تحولت المنظومة من مرحلة التأسيس السياسي إلى واقع التمثّل الاجتماعي؟ - هل لا زالت تكلّف الدولة مبالغ مالية طائلة وجهوداً بشرية متواصلة؟ - هل تعمل في كافة جوانب المجتمع؛ أم أنها تقتصر على جانب دون آخر، كالجانب السياسي أو الديني؟ وما هي آلية عملها؟ - هل يوجد من لا تشملهم منظومة التسامح، وقد يمارسون التعصب دون حسيب؟ - هل هناك مكاسب شخصية من تطبيق النظرية؟ - وبافتراض.. أن الدولة رفعت يدها عن دعم المنظومة وفرضها على الواقع الاجتماعي؛ فهل سيظل التسامح قائماً، أم سيحل محله التعصب والصراع في ظل المتغيرات التي تمر بها الدولة والمنطقة من حولها؟ كل هذه التساؤلات وغيرها من المحددات ينبغي النظر فيها الآن؛ والدولة تعيش مرحلة تجددها في ظل قيادة مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق حفظه الله وأدام مجده.