د. محمد الزيني / أستاذ الفلسفة الإسلامية - كلية العلوم الشرعية ـ مسقط - النظرة الواقعية تؤكد أن الشباب يحتاجون إلى الرعاية الجسمية والعناية النفسية وغرس النزعة العقلية لمواكبة متغيرات العصر، ومواجهة المشكلات التي تعترض سبيل انطلاقهم وتحتاج إلى تضافر جهود المربين وأصحاب الخبرة التربوية والمعالجين النفسيين لدراسة مشكلاتهم ووضع حلول عملية وعلمية وسريعة لها، لاسيما وأن فترة المراهقة تعد فترة حساسة حيث ينتقل المراهق من مرحلة الطفولة إلى مرحلة لها خصائصها المميزة وأهمها؛ النضج الجسمي والتي تفضي إلى تغيرات جوهرية تدخله في مرحلة البلوغ والإحساس بقوة الغريزة الجنسية والحيرة الشديدة في إيجاد منفذ لها. يمر الإنسان في مراحل عمره بأطوار متعددة أفضلها مرحلة الشباب إذ تمثل فتوة العمر وقوة الحياة وبهجتها وينبوع الآمال الوردية والأحلام الطريفة والطموح الوثاب،وزيادة النضج العقلي وتفجر المواهب مثل قرض الشعر وكتابة القصص وحب التمثيل وتألق الملكات، وحب الاستطلاع وكشف المجهول والتساؤل المستمر عن المسير والمصير والوجود من أين وإلى أين؟ وزيادة عشق الحياة والإقبال عليها والعب من طيباتها في ضوء معايير الدين والقيم الأخلاقية، وحب المغامرة وتحدي الصعاب والأهوال وتسلق الجبال والبحث في الأدغال والسخرية من الموت وعدم الخشية منه. لا جرم أن هذه المرحلة يتألق فيها الشباب أصحاب القدرات العقلية الفائقة والذكاء الوقاد والمواهب اليتيمة ويحققون نجاحات هائلة في أغلب ميادين الأدب والعلم والفن، وفي الوقت نفسه يمثلون العمود الفقري لأي أمة ناهضة وكنزها الذي لا ينضب معينه، وعادة ما تفتخر الأمم الحية والمتحضرة بشبابها لأنهم يمثلون القاعدة العريضة في الهرم السكاني، وقوتها العاملة المنتجة التي تتحمل المسؤولية الكاملة عن إدارة دفة دولاب العمل في معظم مجالات الدولة، إذ هم الذين ينهضون بالإنتاج وتطويره والابتكار في مجال عملهم وحل كل المشكلات بسبب توقد الذهن والنضج العقلي والقوة الحيوية التي تجري في أوصالهم والدم الفائر الذي يسري في عروقهم. ولما كانت هذه المرحلة تمثل خصوبة العمر وقمة العطاء لذلك اهتمت حكومة السلطنة بشبابها أيما اهتمام لا سيما وهم يمثلون الشريحة الواسعة في المجتمع ويحتلون القاعدة المنتجة في الهرم السكاني، وهم الذين يتميزون بالديناميكية الحيوية والحركة النشطة،وهم الأكثر طموحا وتنعقد الآمال عليهم فهم يمثلون ضمير الأمة ورجاء الحاضر وزهرته الفواحة وآفاق المستقبل الواعد المملوء عزا وفخرا ومجدا. في ضوء ما سبق عملت الحكومة على بذل كل جهودها في سبيل ترقية شبابها وفتح الأبواب المغلقة أمامهم وإتاحة كافة الفرص لاستثمار طاقاتهم واستغلال مواهبهم في زيادة الإنتاج وتطويره والارتقاء به ،والإبداع المستمر في مجالات الحياة كافة، وما نراه من إنشاء المدارس والمعاهد العلمية والجامعات وتشييد المصانع واستصلاح الأراضي، وخلق الآلاف من فرص العمل، في مجالات الحياة المتنوعة ما هي إلا استجابة لهذه الطاقات المخزونة،وتصريفها فيما يفيد نهضة الوطن ورقيه والعمل على استمرار صعوده في معارج الآمال والأوج السامق، والطيران إلى الأفق المبين. على أن النظرة الواقعية تؤكد أن هؤلاء الشباب يحتاجون إلى الرعاية الجسمية والعناية النفسية وغرس النزعة العقلية لمواكبة متغيرات العصر، وتطهير عقولهم من الخرافات والأساطير التي ورثوها من الجيل القديم ، ومواجهة المشكلات التي تعترض سبيل انطلاقهم وتحتاج إلى تضافر جهود المربين وأصحاب الخبرة التربوية والمعالجين النفسيين لدراسة مشكلاتهم ووضع حلول عملية وعلمية وسريعة لها، لاسيما وأن فترة المراهقة تعد فترة حساسة حيث ينتقل المراهق من مرحلة الطفولة إلى مرحلة لها خصائصها المميزة وأهمها، النضج الجسمي والتي تفضي إلى تغيرات جوهرية تدخله في مرحلة البلوغ والإحساس بقوة الغريزة الجنسية والحيرة الشديدة في إيجاد منفذا لها ،وأحيانا حب العزلة والانطواء على نفسه، وقد يكون النقيض فيحب المشاركة في الأنشطة الاجتماعية،ويهتم بمجريات مجتمعه ويسعى إلى الانضمام إلى المؤسسات الاجتماعية مثل النوادي أو الجمعيات الخيرية لاسيما إذا كان يحظى بالذكاء الاجتماعي، كذلك تتميز بسرعة الانفعالات؛ الغضب والحزن والحب والكره، ورد الفعل العنيف الذي لا يتناسب أحيانا مع الفعل ،والحساسية الشديدة والإفراط في الإحساس بالذات إلى درجة النرجسية (عبادة الذات) ويعتقد أن شخصيته هي مدار حديث المجتمع ومركز الكون، والاستغراق في أحلام اليقظة ومجافاة الواقع ، والسرحان الدائم وبخاصة عند المذاكرة ،ويعيش مع الفلاسفة في عالم المثل أو في مدنهم الفاضلة المبتوتة الصلة عن عالم البشر الذي هو مزيج من الخير والشر - وإن كانت الفطرة البشرية تميل إلى الخير وتكره الشر - أو مع شعراء الخيال في البلاد المحجوبة، والشك الذي يعتريه في القيم الاجتماعية والاستهزاء بعادات المجتمع وحب الخروج عليها وعلى تقاليده أو التمرد على السلطة الأبوية والسياسية بسبب الفوران الجسمي والقلق النفسي وقلة خبرته ونقص تجاربه في الحياة فيكون سريع الاستجابة لأصحاب الأفكار المنحرفة الذين يتسللون إلى عقله من زاوية الدفاع عن الدين أو أنصار الجماعات الإرهابية الذين يسعون بكل سبل لإغراء الشباب لضمهم إلى صفوفهم كما نري ذلك في حياتنا. ولا ننسى مروجي المذاهب الإلحادية؛ الشيوعية والنتشوية (نسبة إلى فردريك نيتشه) والفرويدية (نسبة إلى سيجموند فرويد)، والوجودية (نسبة إلى جان بول سارتر) والعلمانية الذين ينكرون الدين ويؤلهون المادة ،ويعتمدون على العبث بعقول الشباب من خلال تزويق هذه الأفكار المنكرة وأساليبهم الخبيثة وغسل مخهم وإعادة صياغة عقولهم وفقا لهذه الأفكار العبثية. هذه الأحوال المتغيرة ينتج عنها العديد من المشكلات التي يعاني منها الشباب وتسبب لهم الحيرة والقلق والزهد في الحياة أحيانا والانضمام إلى الجماعات المتشددة ،أو الإقبال عليها دون رادع من دين، ومن المهم بمكان أن نتصدى لها بواقعية وحسم وعزم وبالدراسة الجادة والأسلوب العلمي والتحليل السليم ووضع حلولا ناجعة، لذلك علينا أن نعالج أهم المشكلات أهمها: ــ النضج الجنسي، لا شك أن عملية البلوغ تمثل أكبر المشكلات عند الشباب،والرغبة في تصريف هذه الطاقة الفطرية المختزنة إذ تشغل حيزا كبيرا من تفكيرهم فيصيبهم بالسرحان وإضاعة الوقت في أحلام اليقظة والأمنيات الخيالية، ولا غرو أن يكون الحل الأمثل والوسيلة الفعالة هو الزواج استجابة لنداء الفطرة واستمرار للنوع وحفظ للشباب من الانحراف والسقوط في الرذيلة ويؤكد علماء الدين على أهمية الزواج وضرورته وكيف أن الإسلام حث على ذلك صيانة للعفة وحفاظا على الأخلاق ، ويرى علماء النفس أن هذه الوسيلة الناجعة هي التي تقضي على القلق الداخلي والتوتر النفسي الذي يعاني منه الشاب وتُصرف الطاقة في مجراها الطبيعي ويستطيع أن يعمل بعيدا عن ثورة الجسد ونار الرغبة وسعار الجن . أما إذا تعذر الزواج فعليه بتصريف الطاقة في الصوم كما أرشدنا الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا شك أن الصوم له فوائد عديدة منها ؛ تهذيب النفس وصقل الشخصية وتعويد الشاب على الصبر وتحمل الشدائد والتغلب على متطلباته الجسمية ومنها الرغبة الجنسية والتحكم فيها وقمعها من خلال السيطرة عليها لحين ميسرة. ومن المهم بمكان غرس الوازع الديني والخوف من الله من خلال العبادات الإسلامية وفي مقدمتها الصلاة،التي تعبر عن الرباط المقدس بين الإنسان والله والصلة الرحمانية التي لا تنقطع، فهي دعاء متواصل من القلب المؤمن إلى واجب الوجود وتضرع قلبي مغموس بالدموع لطلب الرحمة والعفو، ورجاء حار لمواصلة تطهير النفس من أدرانها، وتربية الضمير والعمل على يقظته ومحاسبته للإنسان، ولا جدال في أهمية تنمية الحس الديني للإنسان منذ نعومة أظفاره حتى يسلك الطريق المستقيم، وقد أكدت التجارب أن نسبة الانحراف عند الشباب المتدين أقل بكثير من الشباب اللاهي العابث الذي يعيش في بهيمية لا يهتم بالقيم الأخلاقية ولا يشعر بقيمة الوازع الديني، ومن ثم على الأسرة واجب ديني في تربية الطفل تربية دينية واعية دون تشدد أو قسوة أو إجحاف في حقه وعلى الوالدين تغليب جانب الترغيب على جانب الترهيب كما أثبت علماء النفس على أهمية عامل الترغيب والتشجيع. وغني عن البيان أن على مؤسساتنا الدينية، ممثلة في رجال الدعوة والمساجد والإعلام الديني عبئا كبيرا ومهمة جسيمة في عملية التربية الواعية والتثقيف الهادف والتوجيه والإعداد ،وكذلك رجال الدعوة المخلصين عليهم تزكية هذا الحس الديني وغرسه في أعماق الشاب كي يشعر أن الله معه في كل مكان ،يعيش معه، ويرعاه من كل الشرور،وكلما اقترب الشاب من الله عاش في كنفه هادئا مطمئنا عنده شعور طاغٍ أن هناك قوة ربانية ترعاه وتحميه من الوسواس القهري وشياطين الإنس، فعليه أن يتمسك بالعروة الوثقى وحبل الله المتين. أضف إلى ما سبق شغل وقته في الأنشطة الاجتماعية وخدمة البيئة المحيطة به وكذلك التدريب على بعض الألعاب الرياضية لاستنفاذ الطاقة وتصريفها في الجهد البدني للإعلاء من الرغبة ولا ننسى أن نحض شبابنا على القراءة الهادفة . ــ يعد وقت الفراغ من أخطر المشكلات التي تجر الشباب إلى الانحراف وتدفعه إلى مسالك المهالك وسراديب الشياطين، وكما يقول العلماء: «من لم يشغل نفسه بالحق شغلته بالباطل». وهي مشكلة عامة تعاني منها المجتمعات العربية، ولا شك أن على المربين أن يستغلوا هذه الطاقات المهدرة فيما يفيد المجتمع والوطن، ولعل القراءة الدينية تعد مفتاح سحري لشغل الذهن بما يفيد و صقل الشخصية وإطلاق القرائح، وأهم هذه القراءات المفيدة ، قصص الأنبياء والإطلاع على سيرة حياتهم ، وحياة المصلحين الاجتماعيين ورجال الدين الذين ضربوا أمثلة للشجاعة والدفاع عن الفكر الإسلامي واستشهدوا في سبيل إعلاء راية الإسلام .وكذلك القصص التاريخية. كذلك إذا كان من خصائص هذه المرحلة دافع حب الاستطلاع والرغبة في الاستكشاف والبحث والتنقيب ،في ضوء ذلك علينا ملأ فراغه من خلال كتب المغامرات والقصص الهادفة ، وكتب الخيال العلمي (قصص جول فيرن) التي تنمي هذا الجانب فتزيد من خصوبة خياله الحافل إلى الإنتاج في مجال البحث العلمي ، أضف إلى ذلك تشكيل جماعات الكشافة والانضمام إليها والقيام بالرحلات التي تعرفه تاريخ بلاده وآثار أجداده ،فتثمر النزعة الوطنية وتقوي علاقته بوطنه وأمته وتعمق إحساسه بالانتماء إليه والدفاع عنه في الملمات التي من الممكن أن يتعرض لها ،وتدربه على الاعتماد على النفس و الثقة بها واستقلال الشخصية وتحمل المسؤولية ،وتجعل منه مشروعا اجتماعيا وسياسيا مستقبلا وهذا مهم جدا في هذه المرحلة. خلاصة القول أن الشباب هم العقل المفكر للأمة وقلبها النابض، وضميرها اليقظ، وروحها الوثابة، وفرح الحياة، وبهجة الوجود، وهم ذخيرة الوطن وكنوزها الغالية، ولذلك علينا الاهتمام المستمر بهذا القطاع العريض والمكون الجوهري لشخصيتها، وعلى أجهزة الدولة والمسؤولين عن التربية والتعليم ومراكز البحث العلمي أن تتصدى بمنهج علمي لدراسة أبعاد هذه المشكلات من خلال دراسات ميدانية وتقديم حلول عاجلة وواقعية كي نحافظ على هذه الشريحة النابضة فهم ثروة الوطن وحاضره الزاهر ومستقبله الواعد.