للأسبوع الثاني على التوالي تحتل التوترات التي شابت العلاقات بين بريطانيا وروسيا صدر الصفحات الأولى وصفحات الرأي والافتتاحيات في الصحف البريطانية، وذلك على اثر توجيه بريطانيا الاتهام لروسيا بالضلوع في استخدام غاز الأعصاب لاغتيال الجاسوس الروسي السابق سيرجي سكريبال وابنته يوليا في مدينة ساليزبري جنوب إنجلترا. وبدأت المشكلة تتفاقم عندما وجهت رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي الاتهام للكرملين بمحاولة ارتكاب جريمة قتل «جريئة» على الأراضي البريطانية باستخدام غاز «نوفيشوك». وقالت ماي: إن «الشرح المنطقي لواقعة التسمم يقول إما أن ذلك كان عملا مباشرا من الدولة الروسية ضد بلادنا، أو أن الحكومة الروسية فقدت السيطرة على المواد التي تؤثر على النظام العصبي وسمحت بوقوعها في متناول آخرين». وفي هذا السياق تقول صحيفة «ديلي تلجراف» إن ماي أعطت الرئيس الروسي فيلاديمير بوتين مهلة 24 ساعة لتقديم «رد موثوق» لشرح سبب استخدام غاز أعصاب روسي الصنع في تسميم الجاسوس الروسي سكريبال وابنته يوليا في المملكة المتحدة. كما أشارت صحيفة «فايننشال تايمز» أيضا إلى تحذير ماي بضرورة تقديم روسيا «ردا ذا مصداقية»، وإلا فستعتبر المملكة المتحدة التسمم استخداما غير قانوني للقوة من قبل الدولة الروسية ضد المملكة المتحدة. ومن جانبها، رفضت روسيا تصريح ماي أمام البرلمان الذي قالت فيه: «من المرجح جدا أن تكون روسيا هي المسؤولة عن تسميم الجاسوس الروسي السابق على الأراضي البريطانية». وفي المقابل صرحت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا لوكالات الأنباء أن «هذه مهزلة في البرلمان البريطاني»، مضيفة: إن «تصريح ماي هو جزء من معلومات وحملة سياسية تقوم على الاستفزاز». ولم ترد موسكو في الموعد المحدد على طلب ماي بتقديم رد موثوق عن سبب استخدام غاز أعصاب لتسميم الجاسوس سكريبال. ما أدى إلى تصعيد الموقف بشكل خطير، وساق إلى هجوم تريزا ماي على ما أطلقت عليه «السخرية والاحتقار والعجرفة» الذي يمارسه الكرملين. أما عن العقوبات المتبادلة بين الطرفين، فقد أعلنت تريزا ماي سلسلة عقوبات ضد روسيا أبرزها طرد 23 دبلوماسيا قالت إنهم كلهم جواسيس يعملون تحت ستار دبلوماسي. كذلك تجميد الاتصالات الدبلوماسية الرفيعة المستوى. كما أكدت على أنه لن تكون هناك مشاركة لوزراء أو أفراد من العائلة الملكية في كأس العالم لكرة القدم هذا الصيف في روسيا. وتوعدت بمحاسبة زعماء الجريمة بالقوة الكاملة للقانون، بحسب صحيفة «مترو». وتحسبا للرد الروسي قالت صحيفة «ديلي ميرور» إن بريطانيا «تعزز دفاعات الإنترنت استعدادا لهجوم الكرملين الانتقامي». كما حذرت المشجعين الإنجليز الذين سيحضرون كأس العالم في روسيا بأن يكونوا «يقظين ومدركين» للمشاعر المعادية لبريطانيا. وحمل عنوان صحيفة «ديلي ستار» تهديدا من بوتين يقول فيه «سوف أقطع إمدادات الغاز عنكم»، وقالت إن بوتين يمكنه أن يفعل ذلك. وفي الوقت نفسه استدعت الخارجية الروسية السفير البريطاني لدى موسكو وأبلغته بقرارها طرد 23 دبلوماسيا بريطانيا، كما إنها علقت عمل المركز الثقافي البريطاني في روسيا. وفي تطور جديد أفادت صحيفة «ديلي تليجراف» نقلا عن مصادر لم تسمها، أن غاز الأعصاب الذي استخدم في تسميم العميل الروسي السابق سيرجي سكريبال وضع في حقيبة ابنته قبل أن تغادر موسكو يوم 3 مارس. فيما وقع الحادث في اليوم التالي لوصولها عند والدها في سولزبري بحسب شرطة مكافحة الإرهاب. وأضافت الصحيفة: إن المحققين البريطانيين يجرون تحقيقاتهم بناء على فرضية تفيد أن قطعة من ملابس أو أدوات زينة أو هدية مشبعة بالمادة السامة فُتحت في منزل سكريبال في سالزبري. وإن المادة السامة هي غاز الأعصاب القاتل (نوفيشوك) الذي كان الجيش السوفييتي السابق أول من طوره.وحول تحالف الغرب مع بريطانيا، وصفت صحيفة «مترو» الرئيس الروسي بـ«بوتين المنبوذ Putin the pariah» على اثر إصدار الدول الثلاثة، الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا، بيانات تدعم بريطانيا في موقفها تجاه روسيا. وقالت صحيفة «آي» إن الغرب اتحد معا لتصعيد العداء ضد روسيا، في إشارة إلى ما اسمته «انقلاب دبلوماسي» قامت به بريطانيا لتأمين دعم حلفائها ضد روسيا. وذكرت أن موسكو والغرب يتجهان إلى «أكثر المواجهات صدامية منذ الحرب الباردة». كما نشرت صحيفة «مترو» أيضا تقريرا مع صورة بحجم كبير للرئيس بوتين يشاهد فيها وهو صارم الوجه، موجها تحية مستفزة اتخذتها الصحيفة عنوانا لها تقول «من روسيا مع وافر الكراهية». وقالت الصحيفة: إن بوتين هو الزعيم الوحيد في العالم الذي يملك غاز «نوفيشوك» الذي استخدم لتسميم سكريبال وابنته. ونقلت صحيفة «ديلي تلجراف» و«التايمز» تصريحات وزير الدفاع البريطاني، غافيين ويليامسون بأنه «يجب أن ندعم دفاعنا» معلنا عن تخصيص 50 مليون جنيه استرليني لمركز جديد للدفاع عن الأسلحة الكيماوية، وتطعيم الجنود البريطانيين ضد الجمرة الخبيثة. وفي إطار تبادل الاتهامات بين وزراء البلدين، قال وزير الدفاع البريطاني ويليامسون: إن بلاده تنتظر رد موسكو على طرد الدبلوماسيين الروس من بريطانيا، وأنه يرى أن على روسيا أن «تتنحى جانبا وتخرس». وفي المقابل رد وزير الخارجية الروسي لافروف على تصريحات ويليامسون بقوله: «إنه شاب وسيم، ولابد أنه أراد دخول التاريخ بتصريحاته الصارخة أو أنه يفتقر إلى التعليم». وأشار لافروف إلى أن «موسكو لم تعد تهتم» بمثل هذه التصريحات. وقالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا: إن كلمات وزير الدفاع البريطاني الموجهة لروسيا تدل على توتر لندن، وأن لديها ما تخفيه. وفي تصعيد آخر نقلت التقارير الصحفية عن صحيفة «موسكو تايمز» قولها إن مسؤولا روسيا كبيرا، هو الكسندر شولجين، ممثل روسيا في منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، يعتقد أن المادة الكيماوية المستخدمة في تسمم سيرجي سكريبال وابنته يوليا تم تطويرها في المملكة المتحدة والولايات المتحدة. وأنه صرح في تلفزيون الدولة الرسمي بأن روسيا لم يكن لديها أبدا مشروع بحث يستخدم ما يسمى غاز «نوفيتشو».