مرتضى بن حسن بن علي - appleorangeali@gmail.com - ما زالت الحرب المأساوية في سوريا موضوعا مثيرا للجدل بسبب تداعياتها المختلفة ووجهات النظر المتعارضة والمتضاربة كليا بين الأطراف المتورطة المعنية الداخلة بعمق في تراكماتها. الحرب الدائرة تخاض بالوكالة على الأرض السورية تشجعها وتدعمها وتمولها جهات إقليمية ودولية. والذين كانوا يراهنون على سقوط النظام السوري خلال مدة قصيرة اكتشفوا أنهم كانوا أقرب الى التمني بشكل مفرط . الدول الغربية ولأسباب متعددة تصورت ان الإطاحة بالحكم السوري ممكن أن يتم بتشديد الضغط عليه عبر تسليح الجماعات المسلحة المختلفة ، كما راهنت على انقسامات في صفوف الجيش والمؤيدين للنظام. وواضح لحد الآن ان حساباتها لم تكن دقيقة ، وأنها أدت الى نتائج كارثية وأصبحت مأزقا للجميع. ولكن مع ذلك فإنها قررت أنها إن لم تنتصر فلن تسمح للنظام وداعميه ان يتذوقوا طعم النصر ولذة الاستقرار ، وعكس ذلك فإن التداعيات سوف تكون كبيرة على مخططاتها. ففي اعتقادها - الدول الغربية - أن سوريا صيد ثمين وجائزة كبيرة في إطار تنافسها، رغم كل كلامها الآن عن الحل السلمي أو عدم اشتراطها إقصاء الرئيس بشار الأسد. هذه الحرب المجنونة لم تعد أهلية فقط، وانما هي حرب عربية -عربية، وعربية-دولية، تقع على ارض سوريا، وتقتص ضرائبها من ارواح وثروات شعبها. ويتولى الإعلام العربي والدولي مهمة تلوينها وإضاءتها. بعد أن تم تدمير أهم المعاقل العربية ومراكز قوتها ، فإن الدور الآن على أقليم الهلال الخصيب الذي يتعرض لخطر شديد. والمحاولات مبذولة لخريطة جديدة للمنطقة استعدادا للانسحاب الأمريكي من المنطقة قبل انقضاء الربع الأول من القرن الحالي. والاستراتيجية العليا في إسرائيل تطلق العنان لتصورات تحوم حول مشاريع قد يستهولها بعضنا ويحسبها عصية على التنفيذ. والولايات المتحدة تجد نفسها في مأزق. فبعد أن رفضت التدخل العسكري المباشر وأوكلت المهمة الى أطراف محلية وإقليمية لتقوم حروبا بالوكالة، تجد ان النظام السوري لم يسقط لحد الآن وإنما استرد المبادرة -بمساعدة روسيا وإيران والجهات الحليفة الأخرى-. والآن يبدو أنها تفتقد الى استراتيجية متماسكة او أي تخطيط عمّا يتعيّن القيام به في سوريا، فتارة تجدها تعترف بانتصار الأسد، وتارة تجدها تحاول التخلص منه، وتارة تهدد بالصواريخ وتارة أخرى تدعو إلى عدم وجود حل عسكري للصراع، وتارة تعلن عن سحب قواتها ثم تتراجع وتسير من النقيض إلى النقيض. تريد ان تنسحب ولكنها لا تريد أعداءها ان يشعروا بالانتصار او ان تعود سوريا الى النقطة السابقة ذاتها او قريبة منها. الولايات المتحدة تسلقت فوق قمة الشجرة ولا تريد النزول منها. وأحيانا ما يكون التشبث بالبقاء على القمة أشد حاجة للعنف من الصعود اليها. وهي تخشى ان يتبدد السلام الامريكي pax Americana كليا بعد ما تأثر في أماكن عديدة وفِي الوقت نفسه لا تريد ان تتحرك قبل الاتفاق على تسديد حساب التكاليف وأكثر. إنها تخشى ان تتعرض قواتها الى هجمات انتحارية. ما زال شبح بيروت في أكتوبر ١٩٨٣ يطاردها عندما استهدفت شاحنتين مفخختين القوات الامريكية والفرنسية مؤدية الى مقتل نحو ٣٠٠ جندي أمريكي وفرنسي. كما ما زالت تتذكر ما حصل عندما أرسلت قواتها الى الصومال في عملية « إعادة الأمل» عندما تعرضت قواتها الى كمين نتج عنه مقتل ١٨ جنديا أمريكيا في عام ١٩٩٣ وهاج الرأي العام الأمريكي وماج مما أرغم القوات الأمريكية على الانسحاب في ساتر الظلام، تاركة الصومال تواجه مصيرها. إنها تبدو مرتبكة، مقّيدة في مساحة حركتها، عصبية في تصرفاتها حتى الآن كأنها غير واثقة من الأرضيّة التي تقف عليها. وروسيا وهي دولة انزلقت من فوق القمة، وتحاول استعادة توازنها والعودة الى دور تعتبر نفسها فيه وريثا للاتحاد السوفيتي. كانت تدرك ان سوريا هي آخر قلعة لها، فإن سقطت خسرت الشرق الأوسط، ولكن دروس أفغانستان لا تفارق ذاكرتها. هي تدرك ان الولايات المتحدة تريد إنهاكها اقتصاديا وعسكريا من خلال استنزافها في سوريا ومن خلال العقوبات المختلفة المفروضة عليها. انسحابها قبل اكتمال المهمة سوف يؤثر على هيبتها ونفوذها ليس في المنطقة وانما في العالم ايضا، كما تدرك ايضا ان سوريا منهكة اقتصاديا والدمار الذي إصابها هائل وان إعادة إعمارها سوف يتطلب عشرات المليارات من الدولارات ولا سيما اذا لم تشارك الدول الغربية في إعادة إعمارها. إذن روسيا هي الاخرى في مأزق ايضا. فهي قد تمتلك ورقة المساعدة للقضاء على الجماعات المسلحة واسترجاع الأراضي المحتلة منها، ولكنها لا تمتلك ورقة السلام والاستقرار وإعادة الإعمار إلا عبر اتفاق شامل مع الولايات المتحدة. تركيا التي انحازت الى جانب المطالبين برحيل الأسد وسمحت بتسلل عشرات الالوف من المسلحين الى سوريا وكانت تراودها أحلام السيطرة على أراض سورية وان تلعب دورا مؤثرا في تقرير مصيرها، اكتشفت ان الرياح لا تجري مثلما تشتهيها السفن وترى صعوبة إيجاد توازن بين الولايات المتحدة وروسيا كما تعاني من اشتداد شوكة الأكراد لإقامة دولة لهم في سوريا التي قد تشجع الأكراد في تركيا بتشديد مطالبهم حول قيام كيان كردي في تركيا وهي في صراع مع القوى الكردية في سوريا والمدعومة أمريكيا كما تعاني من امتداد الإرهاب الى داخل أراضيها. تعرضت تركيا لضغوطات أمريكية بعدم التقدم نحو مدينة منبج التي تحتلها مجموعات كردية وهي تعيد حسابات التكلفة العسكرية والسياسية حال سعيها لانتزاع منبج من مقاتلي «قسد» وتعاني من صعوبات للتقدم اكثر في شمال سوريا. إيران هي الاخرى تواجه مصاعب اقتصادية ومالية كبيرة نتيجة اسباب متراكمة منذ الحرب العراقية الإيرانية والمقاطعة القاسية التي تعرضت لها والتي قد تزداد اذا قرر الرئيس ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي او اذا بدأ الغرب بمساومتها على الصواريخ. الأنباء تتحدث عن مطالبات بانسحاب إيران من قضايا المنطقة والتركيز على شأنها الداخلي والخلافات قد تكون مرشحة بالصعود ويزداد الصراع الاجتماعي وخاصة نتيجة للتحول الكبير الذي تشهده إيران من حيث الارتفاع الكبير في عدد سكانها وضرورة توفير فرص العمل لهم وظهور جيل جديد يتبنى الفكر القومي الحداثي أكثر من الديني. هي تدرك ايضا ان أي إخلال كبير في معادلة الصراع في سوريا سوف يؤثر على معادلة الصراع بينها وبين المعسكر المناوئ لها. وحزب الله والحركات المتعاونة معه ايضا يشعرون بنوع من القلق -إزاء اي تغيير في سوريا سوف يؤثر عليها. كانت دمشق -لاعتبارات جغرافية وقومية - حلقة التواصل والارتباط الرئيسيّة بين محور المقاومة والجهات الداعمة لها في لبنان وفلسطين اللتين تلاقت مصالحها وتوجهاتها مع سوريا وإيران. وأي تغيير في سوريا سيلقي بآثاره وتبعاته على مجرى الصراع وتحسن في إمكانية خنق حزب الله في لبنان سياسيا ولوجستيا والتأثير في مواقف القوى الفلسطينية المعارضة. اسرائيل ايضا في مأزق وهي تراقب الموقف وترى ان رهاناتها على إسقاط النظام السوري بدأت تهتز، وتخشى ان تضطر الولايات المتحدة بالقبول ببقاء النظام في سوريا على حاله من دون تغييرات كبيرة وان تبقى دمشق حلقة الوصل والتواصل بين طهران وعدد من أهم حلفائها في المنطقة. اسرائيل كانت تأمل وما زالت ان تتحول سوريا الى ثمة دويلات، او كيانات صغيرة متصارعة والى مساحات خالية من القوة في جهة الشرق التي قد تهددها. غير أنها قد تكون من جهة أخرى الدولة الوحيدة المستفيدة لأن سوريا سوف تبقى لفترة طويلة مشغولة في ايجاد حلول للمشاكل المتراكمة وإعادة بناء ما دمرته الحرب وإعادة بناء نسيجها الاجتماعي. هذه الحرب هي من نوع جديد تستغني بالكامل عن كل ما عرفه تاريخ الصراع من أشكال الحروب. إنها حرب مستغنية عن جبهة قتال محدودة تنطلق او تتوقف عليها النيران. إنها حرب لا يستولي المنتصر فيها على جغرافيا وموارد فقط ، وإنما يستولي على تاريخ. هذه حرب ليس للمتصارعين وقت لمراعاة «عقد» التاريخ او التردد على تعقيدات سياسية. العرب كلهم في مأزق. فهل تتمكن هذه الحرب وكل المآسي التي مرت بِنَا وافقدتنا وعينا ورشدنا وتمكنت من اعادة انتاج الفتنة التاريخية بين المسلمين وإثقال الخلافات العقيمة بينهم، هل تقدر ان تعيدنا الى وعينا ورشدنا وخاصة اننا امام مستقبل اكثر من غائم وقد يؤدي الى الطوفان .