خصه الله بفضائل دافعة إلى مزيد من الاجتهاد - حـوار: سالم بن حمدان الحسيني - في هذه الليالي والأيام المباركة وخصوصا في العشر الأواخر من هذا الشهر الفضيل يتوجه المسلم بقلبه وعقله ووجدانه إلى رب العزة في ركوع وسجود، وابتهال متواصل وضراعة كاملة، مستغلا هذه الأيام المنيرة مشمرا عن ساعد الجد في تحري ليلة القدر ليخصها بمزيد من القيام والتهجد والابتهال. فقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بتحري ليلة القدر والتماسها في العشر الأواخر، وبالتحديد في الوتر منها. إن إحياء العشر الأواخر يكون بصلاة القيام، وصلاة التهجد، وبقراءة القرآن وتلاوته بتدبر وخشوع، وهذه العشر هي مسك ختام الشهر الفضيل، لما خصها الله تعالى به من فضائل تعد حوافز دافعة إلى من مزيد من الاجتهاد في العبادة من صلاة وتلاوة وذكر ودعاء واستغفار وتضرع وابتهال .. ذلك ما أوضحه اللقاء التالي مع الدكتور يوسف بن إبراهيم السرحني والدكتور محمد عبد الرحيم الزيني. يحدثنا بداية د.يوسف بن إبراهيم السرحني فيقول: تُعد الأيام العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك التي تمثل الثلث الأخير منه مسك ختام الشهر؛ لما خصها الله تعالى به من فضائل تعد حوافز دافعة إلى مزيد من الاجتهاد في العبادة من صلاة وتلاوة وذكر ودعاء واستغفار وتضرع وابتهال، كما تعد جوائز عظيمة للتنافس في مضمار الخير من صدقة وبر وإحسان وغيرها من صنوف الطاعات وشتى القربات؛ وأهم ما اختص الله تعالى به هذه الأيام ليلة القدر وسنة الاعتكاف، ففي العشر الأواخر من شهر رمضان من كل عام تكون ليلة القدر التي أنزل فيها القرآن والتي هي خير من ألف شهر؛ لأجل ذلك فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا دخلت العشر الأواخر من شهر رمضان ضاعف من الاجتهاد في العبادة، فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي الضُحى عن مسروق عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل العشر شدَّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله». وأضاف: ولقد جاء في شأن ليلة القدر؛ تشريفا لها وإشادة بفضلها من النصوص الشرعية ما يدل دلالة صريحة على علو شأنها وعظيم قدرها، فقد أنزل تعالى في شأنها سورة بأسرها تسمى سورة القدر، فقال الله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ، سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ) كما نوه بذكر هذه الليلة في سورة الدخان، ووصفها بأنها ليلة مبارك، فقال الله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ، فِيهَا يُفْرَق كُلّ أَمْر حَكِيم). وأشار إلى أنه في هذه الليلة المباركة أنزل القرآن من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، كما يُروى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، والعمل الذي يقع في هذه الليلة العظيمة القدر العالية الشرف خير من العمل في ألف شهر، وهذا مما تتحير فيه الألباب، وتندهش له العقول، حيث منَّ الله تبارك وتعالى على هذه الأمة الضعيفة القوة والقوى بليلة يكون العمل فيها يقابل ويزيد على ألف شهر، عمر إنسان معمر عمرا طويلا؛ نيفا وثمانين سنة قضاها كلها في العبادة. وفي هذه لليلة تتنزل الملائكة بكثرة وفي مقدمتهم جبريل عليه السلام، وهي سلامٌ وأمنٌ من مبتدأها وهو غروب الشمس حتى منتهاها وهو طلوع الفجر، وهي باقية تتكرر في كل سنة إلى قيام الساعة؛ لهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم، يعتكف ويكثر من التعبد في العشر الأواخر من رمضان، ويوقظ أهله؛ رجاء ليلة القدر، فمن أحيا ليلة القدر إيمانا واحتسابا وهو تائب راجع إلى ربه فإنه يغفر له ما تقدم من ذنبه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» رواه البخاري. وأوضح السرحني قائلا: أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بتحري ليلة القدر والتماسها في العشر الأواخر، وبالتحديد في الوتر منها، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان» رواه البخاري. وفي رواية «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان». وفي رواية للإمام الربيع رحمه الله تعالى عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر». مشيرا إلى أن الله سبحانه وتعالى أخفى ليلة القدر كما أخفى ساعة الإجابة يوم الجمعة، وأخفى الصلاة الوسطى، وذلك ليجتهد المسلم في العبادة طوال العشر الأواخر كلها، فيفوز بثواب وأجر قيام كل الليالي، ومن جهة أخرى يكون المسلم على يقين أنه وُفق في إحياء ليلة القدر لدخولها في تلك الليالي فهي ليلة منهن، أمَّا من حيث طبيعة هذه الليلة، فهي كأي ليلة من ليالي شهر رمضان لكنها تفضل بمزيد من الثواب والأجر، إذ أجر إحيائها يزيد عن أجر عبادة أكثر من ألف شهر. وأوضح أن إحياء العشر الأواخر يكون بصلاة القيام، وصلاة التهجد، وبقراءة القرآن وتلاوته بتدبر وخشوع، وبالدعاء والتضرع خاصة ليلة القدر، فعندما سألت السيدة عائشة -رضي الله عنها- النبي -صلى الله عليه وسلم- عما تقول في ليلة القدر قال لها: «قولي اللهم إنك عفوٌ تُحبُ العفوَ فاعفُ عني». أمَّا بخصوص سنة الاعتكاف، فقد جاء عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده» رواه البخاري. فالاعتكاف سنة حميدة، وهدي نبوي، وعبادة جليلة، ومعنى الاعتكاف هو المكث في المسجد بنية العبادة بكيفية مخصوصة، وفي الاعتكاف مزيد من تربية النفس وضبطها وترويضها للطاعة والعبادة؛ إذ حقيقة الاعتكاف ترك الدنيا بكل ما فيها، والتفرغ للعبادة والانقطاع لها، وفيه أيضا تشبه بالملائكة، فمن أسرار الاعتكاف نقاء القلب، وصفاء السريرة، وسمو الروح وتألقها، كما يُعد الاعتكاف فرصة لمحاسبة النفس وتقييمها. من جانبه أوضح د.محمد عبد الرحيم الزيني - أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية العلوم الشرعية قائلا: يعد الاصطفاء الإلهي للموجودات حقيقة واضحة بذاتها وسنة إلهية، لإثبات التراتبية في هذا الوجود وتميز بعض الموجودات عن بعضها، فقد اصطفى الأنبياء من البشر قاطبة وأعدهم إعدادا خاصا للقيام بتكاليف الرسالات ومهامها الشاقة، ومنها رسالة الإسلام الخالدة، واختار الكعبة بيت الله الحرام في هذا الكون الواسع وعدها من أفضل الأماكن ودعا إلى زيارتها وتعظيمها وإقامة الشعائر حولها، ثم اختار شهر رمضان من هذا الزمان الممتد عبر العصور والحقب، ثم ميزه بنزول القرآن فيه الذي يعد دستورا للمسلمين ووضع فيه القواعد الكلية والمبادئ الأساسية لتسيير حركة الحياة في كافة مجالاتها العقائدية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والتربوية، وعظمه بمزيد من العبادة والاجتهاد وأهمها الصوم الذي يعد المدرسة الروحية لتهذيب أخلاق المسلم وتدريب جوارحه على طاعة الأمر الإلهي، وغرس المبادئ الخلقية المتجسدة في التعاطف الوجداني مع الآخرين، والشعور بالمساواة مع أطياف المجتمع مهما كانت مكانة المسلم في السلم الاجتماعي، والإحساس الصادق بهموم المحرومين وآلام الفقراء والمعوزين والمساكين، وتدريب النفس على تحمل مشاق الحياة وتقلباتها التي لا تتوقف، وأحزانها التي لا تنقطع وتدريبه على تكاليف المسؤولية وبناء مقومات الشخصية القادرة على التصرف في المواقف المختلفة. وأضاف: ويطول بنا المقام لو تكلمنا عن أهمية الصوم وفوائده الجمة بالنسبة إلى المسلم فيكفي أنه يعوده الانضباط في المواعيد، وتنفيذ التعليمات الدينية في أوقاتها، والسهر على أداء الصلوات المفروضة والسنن المطلوبة والإحساس بالدفء الاجتماعي وهو يقف بين صفوف المسلمين، والشعور بالأخوة الإنسانية حينما يرددون في هتاف واحد «الله أكبر» وتزول الفوارق الدنيوية والتفاوت الطبقي والجنسي حينما يقف الجميع في الحضرة الإلهية يتوسلون إليه بالدعاء الصامت وأكف الضراعة مرفوعة، والدموع الحارة أن يغفر لهم ويتغمدهم برحمته ويضمهم في رضوانه؛ هذه السلوكيات الإيجابية والصلوات المنتظمة وضبط النفس وكرائم الأخلاق، تصير عادة راسخة في السلوك اليومي للمسلم، وتصبح مثل المهماز تحركه حينما يغفل عن أداء العبادات، نعم ينمي الصوم الشعور الباطني بالإحساس الكامل بضرورة أداء الواجب على خير ما يكون، ويوقظ محكمة الضمير لكي تحاسبه عن أي تقصير في حق العباد أو رب العباد أو الوطن الذي يعيش على أرضه وتحت سمائه وارتوى من نعيمه وخيراته. ثم اصطفى الله من هذا الشهر الكريم العشر الأواخر، إذ أصبح لها مزيد اختصاص في الإسلام بتفردها بليلة القدر التي نزل فيها القرآن من اللوح المحفوظ إلى دنيا الناس هدى ورحمة ونورا وضياء (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ)، وهي التي تفتح فيها أبواب السماء لمن يريد أن يصعد في المعراج الروحي ويعيش لحظات الصفاء والنقاء مع رب العزة في تأمل عميق للحياة والموت وإبداع الخالق لهذه المخلوقات والنعم التي أفاضها علينا والكنوز المباحة لنا نغترف منها ما نشاء؛ نعمة الصحة والعافية ونور العيون وبصائر العقل والمال والبنون ومتع الحياة وبهجتها التي أتاحها لنا والخيرات العميمة التي وهبها للجميع ونحن نشعر بها وندرك أبعادها. وأوضح الزيني أن المسلم في هذه الليالي العشر يتوجه بقلبه وعقله ووجدانه إلى رب العزة في ركوع وسجود، وفي سجدة طويلة عميقة تساوي العمر كله والحياة بما فيها، وفي ابتهال متواصل وضراعة كاملة، يغادر فيها هذا الوجود المحسوس ويخلع ثوب المادة ويتحرر كلية من أثقالها، ويصبح مثل الطيور الطليقة يرفرف مع الملائكة في عالم الأنوار والإشراقات الربانية والفيوضات الإلهية. هذا أولا. وثانيا: هذه العشر الأواخر من رمضان احتفى بها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم احتفاء عظيما واحتفل بهذه الأيام المباركة احتفالا خاصا، وميزها عن باقي الأيام السالفة، فزاد في مجاهداته وعباداته الروحية، فبعد أن أظمأ نهاره أقام ليله بالعبادة المستمرة والصلاة الضارعة وتلاوة القرآن والذكر الدائم باللسان والجنان والتشمير عن ساعد الجد في مزيد من الضراعة لله والتقرب إليه والحوار المستمر بينه وبين صاحب الملك والملكوت والابتهال أن ينصر الإسلام وأن يعلي كلمة الحق والدين، وينصر أصحابه المخلصين ويشفي صدور قوم مؤمنين. وقال: ونظرا لجهد الرسول صلى الله عليه وسلم المضاعف في هذه الأيام المباركة، وأخذ نفسه ببذل مجهود أكبر ومواصلة الصلوات والضراعات، مما لفت انتباه السيدة عائشة فاستفسرت من الرسول صلى الله عليه وسلم، لماذا هذا التعب المتواصل والعبء الزائد إذا كان الله سبحانه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فكانت الإجابة: ألا أكون عبدا شكورا. إجابة تشرح الصدور وتعبر عن عمق التربية النبوية وسمو الأخلاق وعلو النفس والإحساس بالنعم الإلهية والإخلاص المستمر في العمل، إن الرسول لا يتكلم بلسانه ولكنه يعبر عن حديث الوحي الذي يلهمه هذه الإجابات السديدة، والحكم الرشيدة ويترك لنا تراثا نقتدي بمعالمه وأنواره ونهتدي بهديه فنقتفي آثاره ونتأسى بهذه الشخصية الكاملة والإنسان الأعلى الذي وصفه الله (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ). فعلينا نحن المسلمون أن نقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم ونقتبس من أنواره الساطعة ونغترف من نبعه الفياض، والمسلم الحصيف من يستغل هذه الأيام المنيرة ويشمر عن ساعد الجد ويجتهد في عبادته في الصلاة والصيام مع تحري ليلة القدر ويخصها بمزيد من القيام والتهجد والابتهال إلى الله ويطلب منه العون والرشد إلى طريق الوحدة في الهدف واتحاد الكلمة.