حـاورته: شـذى البلوشـية - للحياة البرية طابعها الخاص الذي يضفي لحياة البعض الكثير من المعاني المتمثلة في التقاط اللحظة الحاسمة التي تتجرد من كل ما حولها ويظهر المشهد في صورة تتحدث بصوت له صداه، فحين يظهر الحيوان المهدد بالانقراض، وكأنه يمارس تفاصيل حياته المعتادة برفقة مجموعة ضخمة من بني جنسه، يخيل للمتلقي أن الحياة لهذا الكائن لا تعرف إلا الخلود .. وأسهمت الحياة البرية في إيجاد شيء من الجمالية الواسعة لدى بعض المختصين في مجال دراسة ومتابعة كل جوانبها المثيرة فكان الوقوف مع أحد المحترفين في التصوير للإبحار أكثر في تفاصيل المشاهد الملتقطة من زاوية الجمال البيئي .. فنان الفياب والمصور الضوئي «وحيد الفزاري» يعرفنا بنفسه فيقول: «الاسم وحيد بن عبدالله الفزاري من مواليد ١٩٨٧م، ولاية صحم، خريج بكالوريوس علوم، تخصص أحياء بيئية من جامعة السلطان قابوس في عام ٢٠١٠م، أشغل حاليا وظيفة رئيس قسم الحياة البرية في مكتب حفظ البيئة بديوان البلاط السلطاني. أمتهن دراسة الحياة البرية وعلاقتها بالبيئة وخصوصا الطيور الجارحة، لدي هوايات متعددة منها السفر والرحلات والتصوير. عضو في لجنة سجلات طيور عمان إلى جانب لجان وطنية أخرى، وخبير حياة برية في منظمة لايف-لاين الخيرية، لدي عدد من الأوراق العلمية المنشورة في دوريات علمية محكمة، عضو الجمعية العمانية للتصوير الضوئي، وحاصل على لقب فنان الفياب من الاتحاد الدولي لفن التصوير في عام ٢٠١٧م، ساهمت في إنتاج عدد من الأفلام الوثائقية عن الحياة البرية في عمان، وأفلام توعوية أخرى، وعدد من الكتب الخاصة بالطبيعة والحياة البرية في عمان. ** متى بدأت قصة الشغف بالتصوير؟ البدايات كانت جدا متواضعة وبكاميرا بسيطة من أجل توثيق لحظات معينة تمر علينا، وفي حالة توثيق تفاصيل رحلة أو حيوان أو نبات معين كنت أحاول أن تكون لي ذكرى برفقته، لاسيما أني كنت نشيط جدا في المشاركة برحلات داخل عمان في تلك الفترات، وكنت أشارك الصور مع العائلة والأصدقاء - وهذا قبل ازدهار وانتشار برامج التواصل الاجتماعي- وكنت أحصل على كلمات الإعجاب على ما أنتقيه من صور للحيوانات والمناطق، والتي بالمناسبة في تلك الفترة كانت خالية من أي فنيات، ويمكن أن نعتبرها بمقاييس اليوم صورا سيئة فنيا، ولكن هكذا كانت بدايات الشغف وتعلم فن التصوير، والذي بدأته بالتوثيق ثم الانتقال التدريجي نحو إعطاء قيمة جمالية أكثر للصورة. ** هل الجولات المختلفة ورحلات السفاري هي أحد أسباب ثراء السيرة الفنية الحافلة لعدسة وحيد الفزاري؟ فعلا هي أحد الأسباب ولكنها ليست السبب الوحيد بالطبع، بمعنى أن الجولات والرحلات سواء للعمل أو المخصصة فقط للتصوير تهيئ لك الوضع المناسب للحصول على صور مختلفة وجديدة، وتعتبر إضافة لإرشيفك ونتاجك الفني، على سبيل المثال كانت لي زيارتين لمدغشقر بدواعي العمل، وفي مناطق جدا نائية، والإنسان العادي لا تتوفر له فرصة زيارتها، لهذا قمت باستغلال وقت فراغي بالتصوير في تلك المناطق، وحصلت على صور مختلفة تماما عن ما يمكن أن تحصل عليه لو صورت في عمان فرضا. ** هل مجالك الوظيفي هو الدافع لشغفك بتصوير الحياة البرية؟ اممم، نوعا ما، لا أعلم تماما كيف يمكن ربط العلاقة بين الوظيفة والتصوير، رغم أن البداية كانت توثيق للحياة البرية ومفردات البيئة العمانية، ولكن حين تكون في مهنة معينة لمدة زمنية، يبدأ الشعور بالرتابة والروتين يتسلل إليك، ولكي تعاود نشاطك وتحارب الروتين عليك ان تستغل وقتك، وأنا من الأشخاص الذين لا يحبون هدر طاقاتهم في أشياء غير مفيدة، طبعا المخرج بالنسبة لي هو إما القراءة، وأنا ممن يحبون ذلك، ولعل مكتبتي الصغيرة شاهدة على ذلك، وإما الرحلات أو التصوير وهو ما استثمرت فيه وقتي خلال السنتين الماضيتين أملا في تحقيق أهداف معينة كنت قد رسمتها سابقا ولله الحمد أكملتها بنهاية العام ٢٠١٧م. ** كيف أثرت الحياة البرية في إلهاب مخيلتك؟ المخلوقات وخصوصا النادر منها في عمان والتي بالكاد ترى وعلاقتها ببعضها البعض وبالإنسان وببيئتها، لا تزال تشغل بالي، فالبحث عن تلك الإجابات المنطقية والمبنية على براهين علمية لأسئلة من الممكن أن تكون بسيطة هي جوهر عملي كباحث للحياة البرية، ولا أدري هل للعمر علاقة بنشاط تلك التساؤلات أو لا، ففي العشرينيات من عمري كانت تلك التساؤلات ترافقني طيلة يومي - بدرجة أقل بكثير حاليا-، المخيلة كانت خصبة جدا، البحث مستمر والقراءة مستمرة، وكمثال لتلك الأسئلة التي طالما أشغلتني وألهبت مخيلتي بإجابات تكاد تكون غير منطقية، هو كيف لصقر صغير فقس في شمال عمان أن يهاجر مسافة ٧٠٠٠ كيلومتر إلى بلد غريب دون دليل ودون رفقة! كيف له أن يصل لوجهته المقصودة؟! سبحان الخالق. ** كيف استطعت تنمية مواهبك في مجال التصوير؟ التعلم الذاتي والقراءة ومشاهدة العديد والعديد من الدروس عبر المنصات المتوفرة، الاحتكاك بالمصورين، ومما سهل ذلك هو انضمامي للجمعية العمانية للتصوير الضوئي في ٢٠١٣م، وحضور ورشهم وفعالياتهم المختلفة، ولا زلت أذكر حضوري للمحاضرة الأولى لي وكانت عرض تجربة مصور للفنان ماجد العامري، وكان حضوري خجولا متواضعا في آخر القاعة. ** حلق بنا نحو طموحك في مجال التصوير. لو طرحتي عليّ هذا السؤال قبل سنة، لكانت إجاباتي سردا طويلا، لكن جاء السؤال في فترة خمول فوتوغرافية - فترات طبيعية تمر على المصور خلال مسيرته-، الطموح في بداياته كان متواضعا، كإنشاء إرشيف خاص لصور الحياة البرية في عمان، والفوز بمسابقات تصوير، ونشر بعض المعلومات الخاصة بمفردات الحياة البرية بهدف التوعية وعمل معرض خاص، أما الآن طموحي في كل مجال أعمل به، هو أن أترك إرثا يظل خالدا بعدي سواء في مجال التصوير أو المجالات الأخرى، هذا النوع من الطموح يتطلب العمل بتأني وتخطيط دقيق، ولعل خططي في مجال التصوير هي الأقل تقدما من بين المجالات الأخرى. ** صور لنا اللحظات الحاسمة التي تقتنص فيها عدستك الصورة الضوئية لأحد الكائنات الحية النادرة؟ هذا ما يميز تصوير الحياة البرية، لا يمكنك التحكم بشكل كلي بالموضوع المراد تصويره، فكل فعل أو ردة فعل أو تصرف من الحيوان بالإمكان أن يكون لحظة حاسمة ولقطة مختلفة تماما، ترفع من قيمة العمل الفني، بإمكانك التخطيط وتوقع حدوث اللحظات الحاسمة ولكن لا أحد يمكنه ضمان تلك اللقطة، مثل تصوير أنثى ثعلب رملي في وسط الصحراء أثناء ولادتها في جحر صغير، هو أمر غير مخطط له أبدا وهو محض صدفة جميلة، تناسقت معها إضاءة الشمس لإنتاج عمل فني وتوثيقي في نفس الوقت، أو انتظار عبور جواميس النوء لأحد أنهار سهول السيرينجيتي الأفريقية لمدة تفوق الست ساعات ومن ثم حين تهم لاستراحة الغداء، مئات الجواميس تعبر في أقل من ربع ساعة. أو أن تخرج في يوم عادي للعمل، وإذا بحرباء مميزة تعبر طريق ترابي بين أشجار الباوباب العملاقة مكونة صورة جميلة تشعرك بالمكان المميز الذي أنت فيه. ** ماذا عن المشاركات الخارجية في المعارض والمسابقات؟ الأمر في نظري نسبي، ويختلف من مصور لآخر، ويعتمد على رؤية وأهداف الشخص من فن التصوير، فلدينا مصورون رائعون ولكنهم غير مهتمين بالمسابقات والمعارض ولديهم أسبابهم الخاصة، وفي المقابل لدينا مصورون على مستوى عال لديهم اهتمام كبير في المسابقات والمعارض والمشاركات المختلفة. التوجهات مختلفة ولست هنا لأقول أن أي أحد منهم على خطأ، فلكلّ طريقته وأسلوبه في عرض فنه وتصويره. بالنسبة لي، فالمسابقات والمعارض أعطتني حافزا لتعلم المزيد وبذل جهد أكبر في بداية الأمر ولكنها لا تحفزني الآن مثل السابق. ** ما هو العمل الفني الذي تفاخر به، ويستولي على مكانة خاصة في إرشيفك؟ معظم أعمالي هي قريبة لقلبي، ولعل ذلك لأن معظمها نتاج جهد مني أو توجد خلفه قصة معينة أو جمعني بأشخاص معينين أو قادني لمغامرة شيقة، ممكن من الأعمال التي انتشرت في الفترة الأخيرة هي صورة «العبور» التي تحاكي جزءا مهما من أعظم هجرات الحيوانات البرية، وأرجح السبب في انتشارها هو فوزها بإحدى المسابقات الدولية. قد يراها البعض صورة عادية ومكررة ولكنهم لم يعايشوا القصة خلفها والجهد في صناعتها، لذلك هي مميزة، وأيضا صور الصقر الأدهم هي قريبة مني، لأني أمضيت ما يقارب العشر سنوات في دراسته وتتبعه. ** ما هي المخاطر التي واجهتها في عملية اقتناص صور الكائنات البرية؟ تختلف المخاطر باختلاف الحيوانات والمواقع، ففي أفريقيا المخاطرة هي تواجدك عن قرب في بيئة الحيوانات البرية المفترسة بدون حواجز، وتواجدك هناك بالإمكان أن يعرضك لمخاطر المرض إن لم تلتزم بالمضادات المناسبة، وأما في عمان فالمخاطر تتمثل في خطورة ووعورة بعض المواقع. ولكن أيضا تتعرض للخطر عند تصوير أعشاش بعض أنواع الحيوانات والطيور أو كشف مواقعها الدقيقة، أو استخدامك لطرق تصوير من الممكن أن تؤثر على الحيوان البري بطريقة سلبية جدا. ** هل هناك ألوان أخرى في مجالات التصوير تستهويك؟ التصوير بحر كبير جدا، أعتقد أني أهوى تصوير الحياة البرية لأسباب أوضحتها سابقا، ولكن ذلك لا يمنعني بتاتا من تصوير حياة الناس أو الأماكن التي أقوم بزيارتها. ** ما هي آخر الأعمال الفنية التي ستحارب بها عدستك؟ أعمل حاليا على عدد من المشاريع الفوتوغرافية، والتقدم بها بطيء جدا، ربما بسبب الخمول الفوتوغرافي وربما بسبب الارتباطات الشخصية لي والأعمال الأخرى، ولكن ما زال في جعبتي المزيد من الأفكار في قادم الوقت. ** متى سنكون في حضرة معرض شخصي لـ «وحيد الفزاري»؟ سؤال تم طرحه كثيرا في الآونة الأخيرة، إن كان هناك معرض شخصي لي، فسيكون معرضا مختلفا، وبأعمال جديدة وحصرية وليست تقليدية. وهذا يتطلب بذل جهد أكبر نحو تحقيقه.