سينثيا باين -
ترجمة: أحمد شافعي -
طوال صيف 1978 الحار الطويل، وجدت نفسي أعيش في بلدة صغيرة في نيو هامشر. كان والداي قد انتقلا إلى هناك قادمين من ضاحية في بوسطن قبل ستة شهور فشعرت أني وحيدة وحدة من رماها اليم بساحل جزيرة. ولم أكن عرفت قبل ذلك ـ ولا منذ ذلك ـ اكتئابا ساحقا كالذي عرفته آنذاك. كنت أقضي الليالي نادلة في حانة رامادا على الطريق السريع، مرتدية زي حالبة أبقار سويسرية ومضفِّرة شعري في كعكة كبيرة متلوية. أمَّا النهار الطويل فكنت أقضيه خائضة في وحل سخطي. ولم ينجني من الغرق إلا أنني في الخريف راجعة إلى أرض عجائب الصغار في جامعة ويسليان. وكان من أكثر ما يثير اهتمامي برنامج لتدريس الكتابة الإبداعية يقدمه «في إس نايبول».
طلبت كتبا عديدة له من متجر كتب صغير قرب حانة رامادا بدا لي في غمرة يأسي أنه قد يكون متجر الكتب الوحيد في الولاية كلها. لم يكن مالكه قد سمع باسم نايبول لكنه نقَّب لي عن نسخة من «الهند: حضارة جريحة» India»: A Wounded Civilization» و«عامل التدليك المتصوف» «The Mystic Masseur». كانت أول مرة أطلب كتابا من متجر كتب ـ باستثناء كتب الدراسة والطبعات الشعبية المستعملة، فنادرا ما كنت أشتري كتابا جديدا. وبرغم أن والديّ كانا يخططان أن تتوجه مدخرات عملي في الحانة إلى مصاريف الدراسة لا إلى أي عارض آخر، فقد شعرت أن لي حقا في هذه الكتب.
لم أكن قبل ذلك قد درست على يد كاتب حقيقي، ناهيكم عن أن يكون في مثل شهرة نايبول الواضحة العريضة المتحققة. وبالطبع لم أكن سمعت بنايبول قبل أن تخبرني أستاذة الكتابة الإبداعية في الربيع السابق بقرب وصوله. كان نايبول أسدا أدبيا، قيل ذلك بوضوح. واقتنصه قسم اللغة الإنجليزية ـ بدور كبير من أستاذتي على وجه التحديد ـ ولعلهم ما كانوا يدركون جيدا معنى إطعامه لمدة عام. أتذكر الآن ما قيل لي عن كتابته نصا مهما عن كونراد. أما عن رواياته وكتاباته الصحفية فلم تقدم أستاذتي غير أكثر الشروح عمومية وإيجازا، ولا أعرف الآن كم كانت تعرف عن الكاتب باستثناء شهرته. وكنت مهتمة بكونراد، وقرأت رواياته الأساسية، ولم أكن أفضي بذلك السر إلا في خجل. أمَّا ما لم أكن أقوله فهو أنني كنت أكافح مع نثره الصعب، وأشعر أنني لن أدرك يوما حقيقة نواياه.
كان رد فعلي على كتابة نايبول نوعا مختلفا من الإحباط. فنثره لم يكن عكرا قط، بل لقد كان من الصعب في حقيقة الأمر العثور على كلمة واحدة زائدة فيه، وحتى في أولى أعماله كانت سيطرته مستبدة بالفعل. بدا أنه استفاد من تعليم ممتاز، تلقاه في كلٍّ من ترينيداد وأكسفورد، بدون أن يصيبه من ذلك التعليم أي من آثاره السلبية. والذي حدث بدلا من ذلك هو أنني كافحت من أجل العثور على مدخل، إذ لم يتسن لي أن أجد سبيلا إلى مشاجرة نايبول مع الهند أو النفاذ إلى ما وراء نسيج حياة الشوارع في ترينيداد. كان منظوري غربيا أكثر مما ينبغي وقد صاغه الأدب الأمريكي والأوربي حصريا. ولم يتح لي نايبول ـ وهو سوط المستعمِر والمستعمَر على السواء ـ موقعا يسيرا. تعلمت من نثره أنني قارئة كسول، ولكنني تعلمت ذلك على نحو لم يكن لي سبيل إلى إدراكه أو تصحيحه على الفور.
أما الإنسان نفسه فلن أتعلم منه أن أكون قارئة أو كاتبة أفضل. ظهر نايبول في جامعة ويسليان بعد موعده بأسبوع في ما أتذكر، وكان واضحا عليه الإحساس بأنه محبوس في قفص المكان. فنادرا ما رأيت وجها أنضح بالتعاسة من وجهه الذي رأيته آنذاك. شعرت أنني لا أستطيع التعرف على قسماته وهي ممتعضة بتأثير من حالته الداخلية. بدا واضحا أنه مريض، أنه رجل هش يتفصد منه العرق غزيرا، يرتدي ثيابا أثقل من اللازم، فهو غير مستعد للأجواء الاستوائية في ميدلتاون في سبتمبر. والحق أن أول إحساس انتابني تجاهه هو أنه مفزوع. ولما بات واضحا أنه ما من أحد آخر يمكن أن يتولى المهمة، بدأ يستعرض كومة قصصنا الموضوعة أمامه. قرأها، أوضح هذا لنا تماما، وكان لديه ما يوبخ به أصحاب جميع القصص تقريبا. بالنسبة لقصتي، ولعلي ما أتذكر الأمر بهذا الوضوح إلا لأنها قصتي، بدا أنه يدخر لها احتقارا خاصا لأنها مروية من وجهة نظر امرأة ولأن جزءا من موضوعها كان يتعلق بالضجر المدمر المرتبط بتربية أطفال صغار. سألني في كدر واضح، ما الذي يدعوني إلى الكتابة عن مثل ذلك؟ ما المغزى منه؟
كنت أعرف أصلا أن القصة تافهة، وأنها لم تلق الثناء المغالى فيه من الأستاذة السابقة إلا لأنها ربما قبضت على حالة مزاجية تخصها. وأنها لم تكتب فقط عن دوامة الاكتئاب، بل من داخلها. وأن كثيرا مما يجعل القصص ممتعا ـ أو ذا معنى ـ غائب عن قصتي. ومع ذلك ذكرني استياؤه بزبائني في ذلك الصيف حين كان يأتيهم الضلع الذي طلبوه فلا يجدونه مطبوخا بالدرجة المطلوبة. كنت قد تعلمت أن الناس يسيؤون التصرف في المطاعم لأوهى الأسباب، وها أنا وقد صرت أرى مثل ذلك في قاعة الدرس.
كذلك لم أتشكك في حكمي حينما رأيته يخص بأكبر الثناء قصة من أضعف قصص المجموعة. والآن بوسعي أن أخمِّن سبب ذلك، وهو أن هذا الطالب كان يتحلى بحكمة أن يخاطب في نايبول المعلم الذي كان إياه بدلا من أن يخاطب فيه المدرس الذي لم يكن يبالي قطعا بأن يكونه.
حتى أكثر أساتذتنا تميزا كانوا يجارون أخلاق العصر فيراعوا المساواة داخل قاعة الدرس. ولم يكن ذلك نهج نايبول. في المقابل، لم أعتد من الأساتذة أن يفاضلوا بين الطلبة لا سيما في اليوم الأول. ساءني أن تحظى باهتمامه قصة تفتقر إلى التعقيد أو الحس السردي ورأيت في ذلك بادرة سيئة. لم أكن حكيمة بحيث أدرك أنه حتى الكاتب العظيم يحتاج إلى مساعد أو دليل له في أرض أجنبية. في السنوات التالية مباشرة لهذه السنة ـ وهي الفترة الوحيدة التي عمل فيها بالتدريس ـ سيكتب نايبول كتابة مؤثرة لكنها تخلو من سنتمنتالية صراعاته الأولى حين كانت مادته وموهبته غير مؤكدتين، حين لم يكن لديه الكثير عدا طموحه الهائل. لقد كان منذ بداياته الأولى يدفع نفسه إلى تجاوز الاكتئابات الخانقة، وخلق شكل جديد لكل عمل جديد. ومع ذلك، ففي ذلك اليوم الحار من سبتمبر، بدا أنه يحتقرنا، ويحتقر الجامعة نفسه، بل لفكرة التعليم ذاتها. ربما لم يكن احتقارا كاملا، ولكنه احتقار اعترف هو بنفسه.
تركت قاعة الدرس متجهة مباشرة إلى مسجل الكلية لأنسحب من الفصل. بدا نقد نايبول اللاذع مؤذيا، وما كنت لأفكر في استعمال كلمة الأذى تلك يومها، فقد كان رد فعلي غريزيا أكثر منه استراتيجيا. لم أكن لأتخيل نفسي معه في غرفة واحدة مرة أخرى.
لو حدث ذلك في أيامنا هذه لكانوا وضعوه في طائرة راجعة إلى انجلترا، فقد كان سلوكه مسيئا، متعمدا الإساءة، وآراؤه السياسية رجعية، لكن المدهش في كلية معروفة براديكاليتها مثل كليتنا أن بقية الطلبة بقوا في فصله. أو ذلك ما قالته لي صديقة بقيت في الفصل واضطرت في نهاية المطاف أن توقع التماسا لعميد الكلية مع بقية زملائها لرفع درجات رسوبهم. وفي ما بعد قال نايبول في حوارات كثيرة إن الطلبة الأمريكيين شديدو الغباء، والضحالة، والكسل. لكنه كان يعلم ذلك قبل أن يدخل الفصل. كان الكاتب بداخله يعلم أن أحدا لن يكتب إخفاقاته الأولى خيرا مما فعل نايبول نفسه.
بعد قرابة عشر سنوات، ضجرت، ولم أعد أقوى على احتمال عملي المكتبي، مع محاولتي الكتابة، وقرأت آنذاك «منزل للسيد بيسواس». كنت تقريبا في مثل عمر نايبول حينما كتب هذه الرواية. وفي رأيي أنها رائعته، فقد أتاح لنفسه فيها مرة واحدة أن يكون طريفا، وأن يحب بطله، وهو ما لا يكاد يظهر في بقية أعماله. هي رواية ديكنزية ـ باستثناء سنتمنتاليتها ـ فهي كثيرة الشخصيات، ذات حبكة بسيطة لكنها قوية. والأشرار فيها ـ وهم الأصهار ـ أقوياء وظرفاء، والبطل ضعيف، وضعيف النفس، لكن خالقه يحبه. أصطحب رواية «منزل للسيد بيسواس» معي وأرغم صغار القراء عليها، فيخالفونني الرأي في الغالب ويقرأون بدلا منها «في منعطف النهر»، وهي لا تقل جمالا في كتابتها لكنها فقيرة الى الشفقة.
أتساءل الآن وقد مات نايبول، ماذا لو كان الإنسان اشتهر أكثر مما اشتهر الكاتب؟ كان ذلك ليصبح عارا رهيبا.
كاتبة المقال روائية أمريكية تعيش في نيويورك، والمقالة منشورة في موقع ذي باريس رفيو