أحمد بن سالم الفلاحي -
shialoom@gmail.com -
يتهادى فهم الأقنعة منذ الزمن البعيد، عندما حصنت القيم به سلوك الأفراد في التعاملات ذات الحساسية المفرطة؛ كما هو الحال عند تعامل الرجل مع المرأة من غير ذات المحارم -كرمزية للستر والعفة- كما استخدمته الجيوش لحماية وجود الجند من السهام والنبال، هذا في جانبه المادي، أما في جانبه المعنوي، فالشرح يطول، والقصة تتفرع إلى فصول كثيرة.
فالمسألة لها جذور تاريخية قديمة عند البشر على اختلاف جغرافياتهم، وثقافاتهم، وعاداتهم، وسلوكيات حياتهم اليومية، سواء جاء ذلك عبر قيم متوارثة، أو امتثالًا لأمر الدين، أو لضرورة صحية، كما هو الحال اليوم، أو لضرورة إجرامية؛ كما يعمد المجرمون -في الغالب- على ارتداء الأقنعة بغية التمويه، والتشويه، حتى يفروا من سلطان العدالة، وقد تذهب الصورة أيضًا إلى نوع من الفكاهة البريئة، كما هو الحال عند المسرحيين، على خشبة المسرح، حيث يتقنعون بأقنعة، يستوحى من خلالها الوجوه الشيطانية؛ كما هو المتخيل، أو وجوه بعض الحيوانات المفترسة، ومن جميل ما قرأت عن مسرح «نوه» التقليدي في اليابان الذي يتخذ أقنعة خشبية، حيث يذكر الخبر أن «فن المسرح الياباني المعروف باسم «نوه» يعود إلى قبل حوالي ألف عام، وهو بمثابة نوع من أساليب الدراما الموسيقية التي تتراوح موضوعاتها بين الأساطير اليابانية القديمة والأحداث المعاصرة، ويتميز هذا النوع من الفنون المسرحية بأقنعته المنحوتة من خشب أشجار السرو، والتي تعتبر جزءًا أساسيًا من تقاليد «النوه،» إذ تمثل وتعكس دور العديد من الشخصيات من الرهبان إلى الشياطين» حسب: https://arabic.cnn.com.
وللأقنعة عند النساء -على وجه الخصوص- قصص تطول، وتكثر، ومن بينها كما قال الشاعر ربيعة بن عامر الميمي؛ وهو شاعر أموي: «قل للمليحة في الخمار الأسود؛ ماذا فعلتي بناسك متعبد» -كما هو المصدر– حيث تلجأ النساء -غالبًا- إلى القناع أو الخمار، لحماية أنفسهن من تطفل بعض الرجال، استلهامًا من المثل القائل: «الذباب لا يقترب من الحلوى المغلفة».
تذهب الصورة هنا أكثر إلى أن الأقنعة لا تقف عند حد قطعة القماش، أو غيرها من المواد، وهو الفاصل ما بين الظاهر من الوجه، والمخفي منه، مع أن هذا الخفاء يذهب بعيدًا إلى حيث العمق الشعوري، والتفكير الظني والضمني عند الفرد، ومع أن الأقنعة تأخذ أشكالًا وألوانًا كثيرةً ومختلفةً، كذلك تأتي أفعال المتقنعين بأشكال وألوان كثيرة ومختلفة، وكان الله في عون ما يتلقى من نتائج سلوكيات ما تخفيه الأقنعة، وهي السلوكيات التي يغلب عليها الشر، والمكر، والخديعة؛ لأن من يسلك سلوكًا سويًا لا يحتاج إلى قناع يستر سلوكه، فهو كوضح النهار، ليس لديه ما يخفيه عن الآخرين، وخاصة فيما هو متاح للجميع، والذي لا يأخذ خصوصية معينة، تذهب به إلى الخاص جدًا.
فهل ثمة ما يقلق مما تخفيه الأقنعة؟ تذهب بعض التقييمات إلى أن هناك ما يبعث إلى شيء من التوجس في هذا الشأن، وإلا لما يستخدم فلان من الناس شيئًا من الأقنعة في موضوعات يشترك فيها مع آخرين من حوله! في بيئة تشاركية لا تستغني عن التقارب بين أفرادها، وخاصة في بيئات العمل، وحتى في البيئات العامة، صحيح أن هناك من يترك «مسافة أمان» ويرى فيها ضروريات نجاح المشروع، حتى لا يتعرض لفك ارتباط من جانب ما، نزولًا مع نص: «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود» ولعل النص يشير أكثر إلى الحوائج الشخصية، وليست العامة.
ومع ما تمثله الأقنعة من حماية، كمسافة الأمان الافتراضية، أو التقليل من التكلف؛ خاصة لدى النساء؛ إلا أنه يظل محور نقاش، لما تثيره بعض الأقنعة من دهشة، خاصة عند من يأتي بأفعال غير سوية مع ظن الناس به خيرًا.