إميل أمين - في الحلقة الثالثة من هذه السلسلة التي نختتم بها عاما صعبا، لا سيما في ظل الجائحة التي ضربت القارات الست، يطفو على السطح تساؤل حول البحث عن الحياة التي اعترضها فيروس كوفيد-19 المستجد، وكيف للبشرية أن تقاوم الموت والشيخوخة، وأن تهرب من تبعات الفيروسات وملاحقات الأمراض. والثابت أن لكل مجتمعا تقريبا قصصه الأسطورية حول الخلود، ويمتلك الهندوس والرومان والصينيون أساطيرهم حول نبع الشباب، والتي غيرت بمناسبات عديدة منحى التاريخ الحديث، وتقدم الأسطورة اليونانية أسوأ تحذير لأولئك الذين يودون تجاوز النظام الطبيعي، فلقد وقعت إيوس إلهة الفجر الجميلة في غرام شخص يدعى تيثونس وتزوجت به، ولكن بينما ظلت الآلهة شابة دوما بدا تيثونس يشيخ، ولذا توسلت إيوس الى كبير الآلهة زيوس ليجعل حبيبها خالدا كالالهة، ولقد نفذ لها زيوس رغبتها، لكن ايوس ارتكبت خطأ مميتا، لقد نسيت أن تطلب الشباب الخالد لتيثونس، وفي النهاية اصبح تيثونس مقعدا مهتزا يتحدث إلى نفسه بلا انقطاع، وقد أثار هذا غضب الآلهة عليه فحولوه إلى جندب (حشرة طائرة ). تبدو المعضلة التي تواجه الانسانية متمثلة في التناقض بين العيش طويلا او إلى الأبد، والعيش شابا سعيدا بقوة وصحة، وهي معادلة تبدو مضادة لنواميس الطبيعة، غير ان رغبة الخلود تبدو كامنة في قرارة النفس البشرية، وهذا ما يجعل سباق الأطباء والعلماء ماضيا قدما من أجل إطالة عمر الانسان وإن بقي السؤال كيف؟ يطرح البعض تساؤلا مثيرا: هل يصدأ الانسان كما يصدأ الحديد أو أي أنواع أخرى من المعادن؟ الشاهد انه عندما يشتكي الناس في سن متوسطة من خشونة المفاصل وآلام العضلات ويدعون انهم «أصبحوا صدئين»، فإنهم أقرب الى قول الحقيقة مما يدركون. إن أحد اعظم الافكار المثمرة حول الشيخوخة هي نظرية الأكسدة والتي تقول إن الشيخوخة تدفع بالعملية ذاتها التي تجعل الحديد يصدأ، والفضة تفقد بريقها، والنيران تتوهج، والأكسدة عملية متصاعدة وأكالة تنجم عن إطلاق القوة الكيميائية المحبوسة ضمن الاكسجين الذي نتنفسه من الجو، وعليه فإن الأكسدة هي إحدى الطرق المهمة التي يتجسد فيها القانون الثاني في أجسامنا. يجمع العلماء على أن أعظم طريقة غير مؤلمة وثابتة طبيا لزيادة متوسط أعمارنا ومنع الدول من الإفلاس جراء النفقات الطبية المتزايدة، هي العيش بطريقة صحيحة، أي الامتناع عن التدخين وإجراء التمارين بانتظام وأكل وجبات قليلة الدهن والكوليسترول وغنية بالألياف. ومع ذلك فإن البحث الطبي يغير رأيه تدريجيا حول أحد أكثر الحقول بشاعة للبحث في الشيخوخة، وهو المعالجة الهرمونية، بعد أن ثبت أنها ليست مصدر الشباب الدائم كما كان يظن البعض. عبر أي طريق إذن تمضي الانسانية في رحلتها للبحث عن الحياة والخلود في حاضرات أيامنا؟ يبدو أن البحث العلمي يدور الآن عبر الجينات الخاصة بالسن، الأمر الذي يؤخر الأثر الضار في المستوى الجزيئي للشيخوخة، وبافتراض أن مثل هذه الجينات موجودة ويمكن عزلها، فربما كان من الممكن وقف عملية التقدم في السن، وإطالة العمر الافتراضي بواسطة المعالجة الجينية. وربما كانت أسهل طريقة لتقرير ما إذا كان طول العمر في البشر جينيا هي معرفة ما إذا كان طول العمر وراثيا، لا سيما وأن هناك امراضا وراثية غريبة مثل الشيخوخة المبكرة، ومتلازمة فيرنر والتي يبدو أنها تسرع من أمراض الشيخوخة إلى حد كبير. الى الآن لم يقترب أحد من عزل جينات السن عند البشر، هذا اذا كانت موجودة اصلا، ولكن مايكل ويست وهو عالم بيولوجيا جزيئية في مركز ماساشوستس الطبي التابع لجامعة تكساس في دالاس يدعي أنه قام بخطوة أولى مبشرة لفصل «جينات الموت»، في خلايا الانسان والتي تتحكم في عملية الشيخوخة في خلايا الجلد والرئتين وأوعية الدم. ولعل الأدلة المتراكمة لمصلحة جينات السن التي تؤثر في عملية الشيخوخة ليست حاسمة بأي حال، ولكنها مؤثرة جدا، لأنها تأتي من عدد مختلف من البحوث المستقلة، من الشيخوخة في الديدان وذباب الفاكهة الى مضادات الاكسدة وآليات اصلاح الجينات والتحولات الجينية البشرية، ومع ذلك لا تزال العلاقة بينهما علاقة عرضية. في هذا الإطار يعتقد كريستوفر ويلز استاذ البيولوجيا في جامعة كاليفورنيا في سان دييجو ان العلم قد يتمكن بحلول عام 2025 من ان يعزل جينات السن لدى الثدييات في الفئران، فنحن نشترك بـ 75% من جيناتنا مع الفئران التي لها تقريبا كيمياء الجسم ذاتها، وهذا سبب قوي للاعتقاد بان جين السن في الفئران يمكن ان يعمل داخل البشر ايضا، واذا تم تحديد مثل هذه الجينات، فإن الخطوة التالية هي إيجاد ما يقابل جينات السن هذه لدى البشر، ويعتقد ويلز أنها اذا وجدت لدى البشر، فانها قد تمد فترة حياة الانسان الى 150 عاما. في العقود الأخيرة ظهرت نظريات تربط السعرات الحرارية بمتوسط عمر الإنسان، وبمعنى أكثر بساطة انه كلما قلل الانسان من مأكله ومشربه، كلما زادت فرص عيشه اطول فترة زمنية ممكنة. غير انه لم يستطع أي بحث علمي ان يقطع بالصحة المطلقة لهذه النظرية، الامر الذي يجعل دوائر العملية البحثية العلمية تعود مرة اخرى من حيث بدأت. ولعله من قبيل الفرضيات العلمية البحتة القول إنه حتى لو كانت هناك جينات للسن، وباستطاعتنا ان نغير فيها، فهل سنعاني من لعنة تيثونس، الذي قدر عليه ان يعيش للأبد، ولكن في جسم كسيح؟ ليس من الأصح ان تغيير جينات السن لدينا سيعيد تجديد اجسادنا، فما نفع العيش الى الابد اذا فقدنا العقل والجسم اللازمين للاستمتاع بهذه الحياة. هل سيكون الحل القريب والاكثر معقولية هو الحصول على اعضاء بشرية جديدة؟ لقد واجهت عمليات نقل الاعضاء في البشر في الماضي قائمة طويلة من المشكلات، كان أقصاها الرفض من قبل جهاز المناعة، ولكن يمكن للعلماء اليوم باستخدام الهندسة البيولوجية تربية سلالات من نوع نادر من الخلايا تدعي خلايا مانحة عامة تؤثر في جهازنا المناعي وتدفعه لمهاجمتها. هنا فإن جمهور العلماء يقطعون بأنه في العقود الثلاثة التالية أي من 2020 الى 2050 يتوقع الحصول على اعضاء واجزاء اكثر تعقيدا من الجسم، تحوي أشكالا متنوعة من خلايا الانسجة التي يمكن نسخها في المختبر، وتشمل هذه على سبيل المثال الأيدي والقلوب والأعضاء الداخلية المعقدة الاخرى، وربما كان من الممكن بعد عام 2050 استبدال كل عضو في الجسم ما عدا المخ. وبالطبع فإن مد فترة حياتنا هو واحد فقط من عدد من الاحلام القديمة، ومع ذلك فهناك حلم أكثر طموحا، يتعلق بتصنيع كائنات جديدة لم تمش من قبل على سطح الأرض، وفي هذا المجال يقترب العلماء بسرعة من القدرة على انتاج اشكال جديدة من الحياة.. ماذا عن ذلك ؟ الى الحلقة القادمة ان شاء الله.