إميل أمين كاتب مصري - هذا هو المقال قبل الأخير في هذه السلسلة.. وفيه نتساءل مخلصين التساؤل والبحث عن الإجابة: هل يمكن للبشرية أن تتحكم في تطوير قدراتهم المألوفة؟ في الأسطورة اليونانية اشفقت فينوس على بيجماليون، وهو النحات الذي وقع في غرام لاتيا، وهي منحوتته الرخامية الجميلة، وبعثت الحياة في ذلك التمثال. وربما نسمع عبر الأساطير عن مخلوقات غريبة نصفها إنسان والنصف الآخر حيوان، مثل القنطور والهاربيز والمينوتورز والساتيرز، والتي كانت نصف حصان أو طير أو ثور أو ماعز على التوالي. في العقود القليلة الفائتة حل الخيال العلمي محل السرديات القديمة، وخلال العقود الثلاثة القادمة سوف تضحى قصة قدرة البشر على انتاج أشكال حية جديدة مثيرة للتفكر. ولعل السؤال المطروح الآن هل ستدخل البشرية مجال تصميم الأطفال خلال العقود الثلاثة قادمة؟ الشاهد أنه من بين الخصائص متعددة الجينات التي تتحكم فيها حفنة صغيرة من الجينات، هناك خصائص تحدد الشكل العام لجسم الإنسان، والأشكال البسيطة للتصرف. هنا يطفو التساؤل الملح هل يمكن استخدام هذه الأساليب التقنية لإنتاج «أطفال مصممين»، بحيث يقرر الآباء جينات اطفالهم؟ المؤكد أن العلم سيمتلك في المستقبل القريب، القدرة على تغيير جينات نسلنا، ما لم يمنع ذلك عن طريق القانون، ومنذ فترة أصبح من الممكن التحكم في طول أطفالنا عن طريق هرمونات مهندسة جينينا، وسيتبع ذلك قريبا عدد من الخصائص الأخرى التي يتحكم فيها بروتين واحد. خذ إليك أول الأمر اقتراب العلماء من اكتشاف الجينات القليلة التي تتحكم في وزن الجسم، والتي تدعى «جينات البدانة». هذه من المتوقع ان يستمر الكشف عنها في العقود القادمة، ومعنى ذلك أنه ستكون هناك إمكانية للتحكم في عملية الأيض او التمثيل الغذائي في الأجسام الامر الذي يعني إمكانية التخلص من السمنة عند الكبار والصغار، والحصول على أطفال رشيقين. وبالمثل يفترض أن تعزل الجينات المنفردة التي تتحكم في خصائص وجهنا وفروة رأسنا في العقود القادمة، وقد استطاع العلماء أيضا أن يعزلوا بعض الجينات التي تؤثر في شكل الوجه، ويجد العلماء الذين يحللون عيوبا جينية نادرة بصورة متزايدة أن الجين لا يرمز الى عضو واحد فقط، وانما أيضا الى خصائص وأعضاء مثل الوجه والقلب واليدين. وبعزل حفنة الجينات الفردية التي تتحكم في أجسامنا واوزاننا وفروات رؤوسنا ووجوهنا، قد يتمكن العلماء أخيرا من معالجة العيوب الظاهرة التي تصيب الناس الذين يعانون هذه الأمراض الجينية. لقد شك العلماء لفترة طويلة في أن بعض أنواع التصرف يتأثر بالجينات ويرتبط بشبكة معقدة من الجينات والمؤثرات المعقدة من البيئة، ولكن يتم الآن لأول مرة في التاريخ عزل حفنة من الجينات المنفردة، التي ترمز الى أنواع محددة من التصرف. في فيلم الذبابة يلعب «جيف جولد بلوم»، دور فيزيائي لامع يصمم أول «ناقل عن بعد»، في العالم، مما يحدث ثورة في النقل، وذلك بتفكيك جزئيات البشر، ثم نقلها عبر المكان، ثم إعادة تشكيلها من جديد، ولكنه عندما يدخل غرفة الناقل عن بعد لا يرى ذبابة صغيرة تدخل معه، وعندما ينتقل عبر المكان، تختلط «د. ن.ا » الذبابة مع الـ «د. ن . ا»، التابعة له، ويدهش عندما يكتشف أن «د.ن.ا»، الذبابة في جسمه بدا يغير ببطء عمليات الأيض وشهيته، وقواه الجسدية وشكل جسمه، ويتحول ببطء وعلى نحو بشع الى ذبابة عملاقة. هنا يبدو من الوهلة الأولى أن محاولة فك شفرة آلاف الجينات اللازمة لإنتاج عضو واحد من الجسم مهمة لا أمل فيها، وعلى سبيل المثال من المعتقد أن جهازنا العصبي قد يتعلق بنصف الجينوم البشري تقريبا أي بحوالي 50 ألف جين. ويبدو أن فك هذا العدد الكبير من الجينات غير ممكن، ولكن لا يتبع ذلك بالضرورة ان نغرق في فوضى تامة في الفترة بعد عام 2050. ان أحد المفاتيح الهامة لفهم الخصائص متعددة الجينات هو التركيز على الجينات المسيطرة، أي جينات البنية الأساسية، تلك التي نشأت على مدى مئات ملايين السنين. لقد عزل العلماء أخيرا الجينات المسؤولة جزئيا عن شكل أو مخطط الجسم، وتتحكم هذه المجموعة المهمة من الجينات في الطريقة التي تتميز فيها الخلايا الجينية تدريجيا عن بعضها، وقد يكون مثال جينات الهيكل الثابت للإنسانية المفتاح للكشف عن سر وضع مخطط الجسم على المستوى الجيني، وهنا فإن الحصول على خريطة كاملة لهذه الجينات والذي من المفترض أن يكون ممكنا في العقود القادمة، قد يساعدنا على التقدم وسط أدغال الخصائص متعددة الجينات الكثيفة، والتي يشمل بعضها على آلاف الجينات وذلك في فترة ما بعد 2050. السؤال الحيوي المطروح في هذه السطور كالتالي: اذا ما تمكنت الإنسانية في يوم ما من أن تسيطر على الجينات المسيطرة التي تتحكم في أعضاء كاملة من الجسم فهل ستعطينا هذه المعرفة القدرة على إنتاج إنسان بقدرات خارقة في المستقبل القريب، لا سيما اذا تمكن العلماء من فك شفرة آلاف الجينات المتعلقة بتشكيل اعضاء مهمة من الجسم، ومع ذلك لا نستطيع التحكم فيها الا بعد عدة عقود من ذلك؟ أحد الأمثلة التي تعتبر اليوم ضربا من الخيال العلمي تتمثل في إمكانية نقل جينات طائر قوي مثل النسر الى الانسان، فهل يحدث ذلك ليمكن الإنسان من الطيران، هذا الأمر الذي أثار خيال الإنسان منذ بداية التاريخ. يتطلب انتاج أناس يطيرون السيطرة على آلاف الجينات، التي تتحكم في تطور الجناحين، بحيث تعمل كلها بشكل متزامن لصنع الأنسجة والعظام اللازمين، وهذا الأمر يتجاوز قدرة التكنولوجيا الحيوية الحديثة. لكن الخلاصة أن الخيال العلمي اليوم قد يضحى حقيقة في الغد.