بشـاير السـليمـية - قد لا يخطر على بال الكثيرين منا، ما يحدث لناشري الكتب الواقفين خلف طاولاتهم طوال ما يزيد عن أسبوع، متنقلين بين المدن والبلدان حاملين معهم الكتب في دروب الرحلات الطويلة، السعيدة والشاقة. يغلقون صفحات مدينة، فيفتحون صفحات مدينة أخرى بعدها مباشرة، مرابطين خلف نشر الثقافة والمعرفة. فكان لـ«عمان الثقافي» هذه المرة أن اقترب منهم، وتصفح معهم كتاب رحلاتهم بين المدن ومعارض الكتب. تقول سما من دار الكتب العلمية العراقية ساردة لنا حكاية رحلتها مع الكتب بين المدن: «اشتغلت بالكتب منذ ثلاث سنوات، لم يكن عملي صعبا للغاية، كنت أعمل فقط داخل الدار، ولكن بعد أن صار للدار اسم كبير، اضطررت أنا أيضا أن آخذ الكتب التي تصدرها داري وأخرج بها للدول العربية. هناك معارض أنجح فيها ومعارض أخرى أخفق فيها. تبدأ رحلتي حين أشحن كتب الدار، ثم بالدعاية الإعلانية لهذه الكتب، ثم مراقبة هذه الشحنة والخوف المرافق من ضياع الكرتونة، مع أن هذا لم يحصل معي حتى الآن، وهذا يحتاج وقتا، لذلك أشحن أحيانا جوا ومرات أخرى بحرا، حتى تكون العملية أسرع. أما أجمل فترات هذه الرحلة، فهي عندما تصل الكتب لمعرض المدينة الذاهبة إليها، ناهيك عن تلك الأوقات التي أتعرف فيها على البلد، وليس بالضرورة طبعا أن أحقق ربحا قدر ما أكون قد تعرفت على البلد والناس، وتعرفت على ما يقرأه هذا الشعب، وإلى أي مدى تهمه القراءة، فهذه رحلة استكشافية ممتعة جدا. أما الأمر المتعب في هذه الرحلة، فهو التنقل من مطار إلى آخر، وتلك الإجراءات المعقدة في بعض الأحيان، إضافة إلى التقديم للمشاركة في المعارض الذي قد يكون متعبا في بعض الأحيان، لكن ساعة الوصول لأرض المعرض تختلف الأمور تماما، وتصبح أجمل وتنسيني التعب، وأتعرف على أناس لطيفين جدا، وفي المقابل ما دام هناك قارئ يهتم بالقراءة، فأنا سأترحل مع الكتب، ومتى ما كانت هذه القراءة مهمة، سأكون موجودة، لأني أبيع سلعة ليست كالملابس أو الطعام، إنها سلعة تعتمد على مدى أهمية القراءة لدى الطرف المقابل». أما أيمن فتحي عن الهيئة المصرية العامة للكتاب التابعة لوزارة الثقافة المصرية، قال: «ليس هناك معرض لأي دولة عربية لا تكون الهيئة مشاركة فيه، بغض النظر عن الربح والبيع، وإنما بغرض المساهمة في نشر الثقافة المصرية في الدول العربية، ورحلتنا كرحلة أي دار نشر، نجهز الكتب ونعدها للشحن حتى وصولها لأرض المعرض، ولكل جناح ظروفه ومساحته، التي تهيء له التعامل مع الناس الذين تزداد أعدادهم كل سنة وباختلاف أنماطهم الشرائية، وبالنسبة لي هي رحلة ممتعة، وأنا أحب عملي، مع أنني أترك بلدي وعائلتي. حب هذه المهنة هو الذي يأتي بي، حتى وإن كنت أعلم احتمالية أني لن أحقق ربحا. لكن الربح يأتي في صور عديدة، منها أن تقعد وتقرأ كتابا مثلا في فترة الظهر حين لا يكون هناك زوار كثر للمعرض، ناهيك عن الثقافة الجديدة، ومعرفة الأشخاص الجدد، وتقابل الثقافات مع بعضها، كأن أتعرف عليك مثلا، وعلى الشعب هنا، فعلى مر هذه السنوات هنا وفي مكان آخر أفيد وأستفيد. من جانب آخر تركت بيتي وبلدي وأولادي لوقت طويل من السنة، لأطير من مدينة لأخرى، ولا أكاد أعود إلى بيتي إلا قليلا، ومع ذلك يحزنني أن أترك مدينة ما، لأن المعرض انتهى وتركت الصداقات حتى عام آخر قادم». في حين يقول ميشل نصر عن دار سمير: «نحن ننتقل من معرض إلى معرض في هذه الرحلة الطويلة، حتى ننشر الثقافة بين الدول، وحتى نغطي كل البلدان التي نصل لها بمنشوراتنا، وحتى تكون منشوراتنا موجودة بين جميع فئات المجتمع، وهدفنا أن نترك بكل بلد أكبر عدد من كتابنا متواجدا بين يديهم، وندعمهم ثقافيا، وهذا التنقل وهذا السفر متعبان بلا شك، خاصة أن المعارض تقام تباعا، بعضها بينها نهار واحد فقط، حتى وإن كان الفاصل ثلاثة أيام فهناك يوم نسافر فيه ويوم نحضر فيه، ويبدأ المعرض، وهنا يكمن التعب، وناهيك عن يوم المعرض الطويل من الصباح وحتى العاشرة، فترة واحدة متواصلة دون استراحة فيصيبني بسببها الإرهاق. لكن المتعة كذلك تكمن في التعرف على هذه البلدان والثقافات المختلفة، وعلى الناس المختلفة الأطباع . أما لو تحدثت عن أصعب ما في هذه الرحلة، فهو يوم الترتيب ويوم لمّ الكتب، أي البداية والنهاية، وكذلك رحلات الطيران بعضها مزعجة، لما يلزمها من مسافات طويلة وتغيير المطارات، ومنها ما يستدعي أن تكون مستيقظا ليوم كامل، خاصة وقتما لا يكون هناك طيران مباشر، وتقريبا منذ سنة أو سنتين لا آتي إلى عمان بطيران مباشر. ويقول علاء عزام من مكتبة مدبولي: «الرحلة شاقة جدا، ولكن الهدف الذي نأتي به من أجل الكتاب يظل يفرحنا مهما أحسسنا بالتعب، وهذا التعب يتمثل في الترحال المستمر بين المدن تاركا المدينة الأصل، والبيت، ثم الغياب عن الأولاد بمعدل شهرين، لكن بالمقابل نشر الكتاب وجعله متاحا للناس يفرحنا بلاشك». ويسرد إياد حسن من دار الفرقد الرحلة قائلا: «الرحلة بها شقين، من محاسنها أنك تعمل على مدار السنة بموضوع الطباعة، واختيار الموضوعات ثم تشاهد ردة فعل القارئ العربي بشكل عام على هذه الكتب وانطباعاتهم، وتقرأ أحاسيسهم وأفكارهم وتكتشف النقطة الأهم فيما إذا كانوا قد تقبلوا هذا النوع من الكتب التي تعمل عليه أم لا، وهذه وحدها تعطي بعدا وتخيلا وأفكارا طويلة جدا على مدار اليوم، وعلى مدار المعرض -كل معرض- وتعرف ما إذا كنت تعمل بالشكل الصحيح أم الشكل الخاطئ، فهذا شيء مهم وحساس، حتى لو لم يكن هناك كمية مبيعات كبيرة، لما ينتج من الظروف الاقتصادية والمادية الصعبة لبعض الدول، ولكن وقفة القارئ على هذا الجناح ودخوله إليه واطلاعه على مجموعة عناوين، هي التي تعطي الإحساس بإيجابية العمل من عدمها. وهذه نقطة أراقبها، وأحس بها. في المقابل هناك معاناة السفر والترحال، وترحال بمعنى الكلمة، ومعاناة الانتقال من معرض لمعرض، ووصولك للمعرض قبل يومين، وتعمل بدوام متواصل طول فترة المعرض من عشرة إلى عشرة، وهذا سبب عدم تحقيقنا لأي اطلاع على هذه الدولة التي نسافر إليها، إلا إذا بقينا فيها بعد المعرض لوقت قصير، فلا نزور أمكان سياحية، ولا أثرية، ولا حتى الصروح الحضارية والثقافية الموجودة في هذا البلد وذاك، وهذه النقطة تترك فينا طاقة سلبية، لأننا نسافر مثل الآلات، بكبسة زر فتحنا المعرض، وبكبسة زر نعمل بالمعرض، ثم ينتهي المعرض، ويكون هناك معرض آخر بعده مباشرة، ونضطر للرجوع حتى ننتقل لدولة أخرى، ولا حافز إلا أخذ الكتب وبيعها وشحنها، وهذا ما يزعجني. ومع ذلك فإن السفر جميل وله فوائده الكثيرة وهو عشق، وفي الأخير يتبقى لنا صباح الجمعة الذي يمضي سريعا، ويقضيه بعضنا في النوم، وهذا مرهق ومتعب». أما أمينة صلاح الدين عثمان من دار تموز سوريا تقول عن رحلتها: «أذكر أول معرض ذهبت إليه، كنت بين الخائفة والفرح، مشاعري كانت مختلطة، في 2012 كان أول معرض لي، وساعدني أحد أصدقائي على أداء المهمة الصعبة، أما الأشياء الجميلة تتمثل في اللقاء بوجوه طيبة، وكوني أنثى، ورطتني مسألة اللباس، كنت ألبس كما ألبس في بلدي، لكني فيما بعد أصبحت أراعي الفروقات الثقافية جدا، وهذا ما كان يصعب علي. وكوني متزوجة كذلك منذ سنة، أصبح الأمر أصعب قليلا، سابقا كنت أصل للغرفة وأطمئن أمي وانتهى الأمر، لكن الوضع الآن مختلف تماما، لا أجد تلك الفسحة للرد على الاتصالات والرسائل التي أطمئن فيها أطرافا عديدة. ومن الجمال كذلك هذه الصداقات التي ألتقي بها في دور النشر، والتي أحزن أني سأفارقها بعد انتهاء المعرض، لكن الفرحة العظمى عندما يشتري أحدهم مني كتابا ويقرؤه، ويعود ليخبرني أنه أعجب بالكتاب، لكن قمة الصعوبة تكمن فيما يحدث جراء الغياب المتواصل عن العائلة».