أحمد بن سالم الفلاحي - shialoom@gmail.com -
منذ فترة نشر عبر صفحة الـ "واتس أب" فيلم حمل عنوان "آسف" مدته لا تتجاوز الـ (2) دقيقتين، يظهر الفيلم مجموعة من الناس الذين ينتظرون المصعد الكهربائي، وعندما يفتح يدخل الجميع في كابينة المصعد، فلم يستطع المصعد أن يتحرك (صعودا) لأن الحمولة أو الأوزان فوق سعة التحمل (over load) ويظل الجميع ينظر بعضهم إلى بعض، إلى ساعاتهم؛ حيث مدد التأخير؛ لمدة هذه الدقيقتين، عندها تتبرع واحدة من ضمن الموجودين بالخروج، وكانت "معاقة" فيتحرك المصعد. هذا الموقف يذكرني بالكثير من المواقف والاجتماعات الخاصة بالمبادرات التطوعية؛ على وجه الخصوص؛ فعندما يطلب من الجميع أن يتقدم أحد كمبادرة منه للشروع، أو لتبني الفكرة، ترى مجموعة التراجعات، وكل واحد يقول: "أنا لست أهلا، وهناك آخرون أكفأ مني" أو "والله أنا مشغول؛ وأخاف أن لا أقوم بالواجب" أو قد ينبري أحدهم ويشير إلى فلان من الناس، ويقول: "والله ما أحد غير فلان يقدر يقوم بهذه المهمة" وغيرها من المواقف التي يعرفها الجميع، وهذا الصورة ذاتها في مختلف مؤسسات المجتمع المدني، وغيرها، حيث ينسل معظم الأعضاء عن القيام بالمهام التي يجب أن تقوم بها المؤسسة، متعللا بذات الأعذار. وهذه الصور كلها، سواء التي عبر عنها الفيلم، أو حالات المعايشة على الواقع، تذهب إلى مفهوم الـ "تضحية" فليس الجميع يستطيع أن يضحي بوقت؛ أو بمال؛ أو بجهد؛ أو بكلمة؛ أو بصدق نية – على الأقل – ففي كل هذه المواقع، والمواقف تظل حسابات الربح والخسارة حاضرة، لا أحد يريد أن يضحي بوقته، لا يريد أحد أن يضحي بماله، لا أحد يريد أن يضحي بجهده، لا أحد يريد أن يبادر؛ حتى لا يتحمل المسؤولية كاملة، لتوغل الصورة النمطية المعروفة في نفوس الناس، وهي: "بما أن فلانا من الناس، سيقوم بالمهمة، فما الذي يجعلني أن أنصب نفسي "وزيرا أوغفيرا" فوحده يتحمل مسؤولية المهمة، بإخفاقاتها، وبإنجازاتها" مع أن الجميع سوف يهرول وراء الإنجازات بعد ذلك، وربما سوف تنسب الإنجازات إلى آخرين "لا ناقة لهم ولا جمل". التضحية مشروع إنساني جميل، ولكن هذا المشروع مشروط بأمر ثقيل وهو النية الصادقة، والحياد التام عن الخاص، ومتى راهن المبادر على عمل ما بهذين الشرطين الـ "قاسيين" كان له فضل السبق؛ حاضرا ومستقبلا؛ وإلا أسقط نفسه في بئر الأغلبية التي تراعي مصلحتها الخاصة أولا، وتضع الحسابات الدقيقة لذلك، ومن ثم تقدم على عمل ما، كما حدث في هذا الفيلم، عندما كان كل واحد من الركاب ينظر إلى ساعته، وينظر إلى الآخر؛ ويحثه على المبادرة بالخروج من المصعد، بصورة غير مباشرة، ولعل مخرج الفيلم تعمد أن تخرج تلك الفتاة المعاقة من بين مجموعة الركاب، وتضحي بجزء من وقتها لأجل سلامة بقية الركاب، وصعودهم إلى الأعلى، وهي الضريرة بإعاقتها، وهي الضعيفة بحالتها، وهي الفتاة بجنسها، وهو درس في قمة الروعة، استطاع المخرج أن يكرسه في تلك اللحظات الحرجة، ويسقطه على واقع الناس، كدرس بالغ التأثير لمن يريد أن يستوعب جانبا مهما من جوانب الحياة اليومية، التي يعيشها الناس، وهم المشغولون دوما بقضاياهم الخاصة، دون الالتفات إلى قضايا الآخرين، وخاصة الضعفاء، والمغلوبين على أمرهم. و الـ "فزعة" المعروفة عندنا كمصطلح "شعبي" هي "المبادرة" كمصطلح حديث، وهي عادة ما يقدم عليها أصحاب الهمم العالية، وتبقى مشكلة هؤلاء الناس أصحاب "الهمم العالية"أن شعلتهم الوقادة تنطفئ بعد فترة، وتذبل هممهم، ويبدأون في التراجع، لأن المجتمع من حولهم لن يكون بالصورة التي يتوقعونها؛ بذلك التكاتف، والتآزر، والتوازي، وربما قد يتعرض مثل هؤلاء إلى النقد الجارح، وإلى التخوين، وتظل هذه ضريبة ثقيلة يدفعها مثل هؤلاء المبادرون، وقد تؤرخ فيهم؛ جرحا قاسيا في النفس، فلا يندمل لبدء مشروع آخر، ربما يكون أكثر حيوية، وأكثر أهمية.