حمادة السعيد - الأسرة هي أساس المجتمع؛ لذلك اهتم الإسلام ببنائها أشد الاهتمام ووضع لها رسول الله صلى الله عليه وسلم خطوات تسير عليها وحقوقا تحترم من جميع أعضائها. ولما كانت الأسرة الصالحة هي اللبنة الأساسية لبناء المجتمع الصالح الذي ينعم بنور الإيمان؛ فقد وضع الرسول صلى الله عليه وسلم شروطا وبين ضوابط لاختيار الزوجين، وبعد قيام الزوجين باستيفاء شروط الاختيار وعقد النكاح تبدأ جملة من الحقوق والواجبات تجاه كل منهما للآخر، وهناك حقوق مشتركة بين الزوجين ومن هذه الحقوق المشتركة حق المبيت والإعفاف. يقول الدكتور محمد بن محمد الشنقيطي في «فقه الأسرة» حق المبيت، والمراد بحق المبيت: إعفاف الرجل لامرأته، وإعفاف المرأة لزوجها، وهذا الحق ينبغي أن يحفظه كلٌ من الزوجين للآخر، وقال بعض العلماء: إن المقصود من النكاح إعفاف الرجل لنفسه وإعفاف المرأة نفسها، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من استطاع من منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج)، فلا يُغض البصر عن حرمات الله ولا يحصن عن حدود الله ومحارمه، إلا إذا أحسنت المرأة التبعُّل لزوجها، والعكس، ما حفظ الزوج زوجته وتقرب إلى الله بحفظها عن الحرام إلا كتب الله له بذلك أجرا، ومن هنا قال صلى الله عليه وآله وسلم: (وفي بِضع أَحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له بها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر)، شكر الله من الزوج، فكتب له ثواب ما يلقي من النطفة؛ لأن هذه النطفة، وهذا الإحسان إلى الزوجة بإعفافها عن الحرام يصونها عن حدود الله، ويحفظها عن محارم الله، ويُقيمها على صراط الله، فالواجب على الزوج أن يُعين زوجته على ذلك، والواجب على الزوجة أن تعين زوجها على ذلك، بتهيئة الأسباب، فالمرأة تتجمل وتتكامل لزوجها حتى تغِضّه وتُعِفّه، كذلك الرجل يتجمل ويتزين لامرأته حتى يعفها، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: (صدق سلمان) أي: أن لزوجك عليك حقا، لأنه لما رأى أم الدرداء غير متجملة، مبتذلة في ثيابها، سألها عن ذلك فأخبرته أن أبا الدرداء لا حاجة له بها، فلما أتى أبو الدرداء وعظه، وقال له: (إن لنفسك عليك حقا، ولربك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعطي كل ذي حقٍ حقه) ، فجاء أبو الدرداء إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره، فقال: (صدق سلمان)، صدق وذلك بقوله: إن لنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فهذا كله دار حينما رأى سلمان المرأة مبتذلة في ثيابها، فعلم أنها لا تستطيع أن تقوم بحق زوجها، وعلم أن وراء ذلك سرا، فاستكشف وسأل حتى يعلم ما بأخيه، فلما رأى التقصير وعظ أخاه وذكره، وبيّن له أن هذا حقٌ واجبٌ عليه، ولذلك كما يتقرب العبد لربه بالركوع والسجود يتقرب بإعفاف نفسه عن الحرام، فالله يُطاع بأمرين: بفعل أوامره وترك نواهيه، ومن أعظم المزالق والهوى: زلة الزنى والعياذ بالله،« إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا» النساء:22، تُنتهك به أعراض المسلمين، وتختلط به أنسابهم، ويكون منه من الشر ما الله به عليم، تأذّن الله بالفقر لصاحبه وبالأذية وبالسقم والمرض، وما يكون من شرور العواقب، فمن الذي يحفظ بعد الله إلا المرأة الصالحة، والرجل الصالح الذي يحفظ زوجته، خاصةً في زمان مليءٍ بالفتن، تهيّئ المرأة من نفسها الأسباب للتجمل والكمال؛ حتى يرى الرجل في زوجته الكمال، فيحفظ نفسه عن غيرها، كذلك أيضا الرجل يهيئ من نفسه فيحفظ زوجته، فلا يسهر كثيرا خارج البيت، ولا يأتي في ساعات تعبه ونصبه خاملا كسلانا لكي يضيع حق أهله، ويحرمهم الحنان ويحرمهم الإعفاف والإحصان عما حرم الله عز وجل عليهم، فلذلك ينبغي على كلا الزوجين لتحقيق هذا الحق تهيئة الأسباب، ويكون الرجل مرتبا لأوقاته، فساعات الأهل للأهل، وساعات العمل للعمل، ولكل ذي حقٍ حقه، ولذلك يوصي العلماء دائما بترتيب الأوقات. ومن أعظم المصائب التي بُليت بها الأمة خاصةً في هذا الزمان كثرة السهر، هذا السهر دمر بيوت المسلمين، وأضاع حقوق الأزواج والزوجات والأولاد الأبناء والبنات، بل كثير من مشاكل الطلاق تنشأ من السهر؛ لأن الرجل ضيع حق زوجته وحق ولده، ولذلك لو أن الناس حفِظوا أوقاتهم خاصةً بعد العشاء، وحرص الإنسان على ترتيب وقته في إدخال السرور على أهله، لأن الله جعل الليل سكنا، «فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا»الأنعام:96، هذه سنة الله، وفطرة الله، فجعل الله للمرأة حقا في زوجها، وكذلك جعل للرجل حقا في امرأته. وقال محمد طاهر في كتابه « المجتمع والأسرة في الإسلام» حق الاستمتاع استجابةً لداعي الفطرة. قال تعالى: «وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ» وهي حق مشترك لا يمنع منه أحد الزوجين الآخر. ولأحدهما فسخ عقد الزواج إذا كان في الآخر مانع من الاتصال الجنسي. وتأكيدا لهذه السكينة اعتبر الله تعالى كل واحد من الزوجين كاللباس بالنسبة للآخر، فكما أن اللباس يستر الإنسان، ويحميه من البرد والحر، فكذلك الزوجات كلاهما مضطر للآخر، وقائم يستره. ومما تتم به المعاشرة الحسنة: الكلمة الطيبة، والفعل المحمود، واجتناب دواعي النزاع، والتسامح، والتعاون، والاحترام، والتشاور، وحفظ الأسرار، وسائر الخصال الحميدة. وجاء في تفسير القرآن العظيم لابن كثير:قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : «هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ » ؛ أي هن سَكَنٌ لكم وأنتم سَكَنٌ لَهن ؛ قالَهُ أكثرُ المفسِّرين. ونظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : «وَجَعَلْنَا الَّيلَ لِبَاساً» النبأ : 10 أي سَكَناً ، ودليلهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: «وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا»[الأعراف : 189. وقال أهلُ المعانِي : اللِّبَاسُ : الشِّعَارُ الذي يلي الجلدَ من الثياب؛ فسمي كل واحدٍ من الزَّوجَين لِبَاسا؛ لتجردُّهما عند النومِ واجتماعهما في ثوبٍ واحدٍ؛ وانضمامِ جسدٍ كلِّ واحد منهما إلى جسد صاحبه، حتى يصيرَ كلُّ واحد منهما لصاحبهِ كالثَّوب الذي يلبسهُ. وقال بعضُهم: يقال : لِمَا سترَ الشيءَ وواراهُ لباسا ، فجازَ أن يكون كلُّ واحد منهما لصاحبه سِترا عما لا يحل ، كما روي في الخبر «مَنْ تَزَوَّجَ فَقَدْ أحْرَزَ نِصْفَ دِيْنِهِ». فتلك حقوق أوجبها الله تعالى على كلا الزوجين لاستمرار الحياة الزوجية السعيدة التي قوامها تقوى الله تعالى.