أحمد بن سالم الفلاحي - shialoom@gmail.com - تبقى الطفولة محور اهتمام غير عادي، نظرا لما تشكله من أهمية خاصة لبناء المستقبل، في تجلياته المختلفة، ومن هنا يكتسب الطفل الأهمية البالغة المتمثلة في تربيته التربية السليمة، وتحصينه من كل ما من شأنه أن يسيء إلى فكره، وجسده، ونفسيته، ويحق له أن يكون في هذا الموقع، فالأوطان لا تراهن إلا على شبابها، في القيام بجميع مهماتها الصغيرة والكبيرة، فبناء الطفولة بكل مقومات الحياة الإنسانية هي قبل كل شيء، استحقاق وطني بامتياز، وهذا الاستحقاق لا يمكن التنازل عنه، لأنه البقاء الأصلح لبناء المجتمعات، ومداومة تألقها، وتميزها، وقدرتها على مجابهة مختلف الظروف المستجدة في حاضرها ومستقبلها، ولذلك تسعى الدول إلى إعطاء الطفل الاهتمام الواسع والمتميز، والتركيز على ذلك بصورة غير عادية، لما تشكله هذه الفئة من أهمية، تتجاوز فئات المجتمع الأخرى التي قويت شوكتها، وتعززت مكانتها، فالطفولة هي الأساس لبناء الغد، ولأنها العنوان العريض لإنسان المستقبل، ولأنها القراءة الحاضرة لحياة الغد في المستحقة لهذا الاهتمام، وانطلاقا من هذا التوصيف النظري فقد استضافت سلطنة عمان في سبتمبر 2019م المؤتمر الدولي العربي السادس للوقاية من سوء معاملة الأطفال والإهمال (إسبكان) تحت شعار «نحو مستقبل أفضل للطفل» ركز على الخطط والبرامج لحماية الأطفال من عدة محاور من بينها التنمر وشبكات التواصل الاجتماعي والإنترنت والاعتداء والاستغلال بجميع أشكاله إلى جانب سبل التعامل مع السلوكيات الصعبة لدى الأطفال»- جريدة عمان، في 23/11/2019م، العدد (14053) - حيث تعبر هذه المناسبة عن مستوى الحرص لتفعيل هذه الأهمية، وإعطاء رسالة واضحة للمجتمع الدولي بأن السلطنة واحدة من الدول التي تنزل هذه الفئة من أبنائها المنزلة المباركة. وكل الدول- حسب ما يتوفر من معلومات- ترسي مبادئ احترام حقوق للطفل، على وجه الخصوص، من خلال أنظمة وقوانين، وإجراءات وآليات، وسياسات وطنية، خاصة أو عامة، تتلخص في إجراءات وتدابير تنفيذية، وتتعاون في تنفيذ ذلك مجموعة من الجهات المعنية في كل بلد على حدة، بالإضافة إلى مشاركاتها وتنسيقاتها مع المنظمات الدولية ذات الاختصاص، كل ذلك وصولا إلى حماية هذا الطفل، ومع ذلك تأتي أرقام جنوح الأطفال صادمة في كثير من إحصائياتها، وكأن ما يبذل ليس له تأثير على الواقع، وهذا أمر يحتاج إلى كثير من المراجعات من مختلف القوى الفاعلة في تربية الأطفال على المستويين: المجتمعي والرسمي. في الخامس من يناير من كل عام، يجري الاحتفال بيوم الطفل الخليجي، وفي العشرين من نوفمبر يُحتفل بيوم الطفل العالمي، أكثر من مناسبة في العام الواحد، متقصدة هذا الطفل في مناخات حياته اليومية، كل ذلك يعكس الاهتمام غير العادي بهذا الطفل، بدءا من منشئه المحلي، مرورا بمنشئه الإقليمي، وصولا إلى منشئه الدولي، وهذا التعاضد الدولي الممتد يعبر عن اهتمام غير عادي بهذا الطفل، ومع ذلك فالأرقام تزداد كل عام لحالات الجنوح، وحالات التنمر، والأرقام تزداد للآوين إلى بيوت الرعاية الاجتماعية، والأرقام تزداد في أروقة المحاكم، والأرقام تزداد لاستجوابات الادعاء العام، وهذا أمر مقلق للغاية، مهما كانت الأسباب التي يُتكَأ عليها في زيادة هذه الأرقام. وفي أحدث إحصائية نشرتها وزارة التنمية الاجتماعية على لسان مدير دائرة شؤون الأحداث، قال: «إن عدد الأحداث الجانحين وصل بنهاية عام 2020م إلى (283) حدثا، بينهم (271) حدثا جانحا، و (12) حدثا معرضا للجنوح» مشيرا إلى أن العوامل المؤدية إلى الجنوح تتمثل في: الاجتماعية وهي المرتبطة بالأسرة، والمحيط الاجتماعي كالمدرسة والحي السكني والرفقاء، والعوامل النفسية كتعرض الطفل لأنواع الإساءة (النفسية، والجسدية، والجنسية، والإهمال)، والبيولوجية أو الموروثة» وذلك حسب: جريدة $؛ في 31/1/2021م، العدد(14488) فما الذي يجبر هذا الطفل على السرقة، أو على التسول، أو التحرش الجنسي، أو الاعتداء على غيره، كحالات التنمر، إلا الفراغ الممتد، وعدم المراقبة القريبة من قبل الآباء والأمهات «خلل في المسؤولية الأسرية بين الزوجين» وما الذي يجنيه ولي الأمر من كلا طرفي العلاقة (الأب/ الأم) عندما ينشغل أحدهما أو كلاهما عن تربية أبنائهما التربية الصالحة الرشيدة؟ ماذا تساوي آلاف الريالات عندما يغرق هذا الطفل في الانحراف؟ وما مكتسب الوجاهة المتحصلة عندما يكون أحد أطفال صاحبها في أحد السجون أو بيت الرعاية الاجتماعية، إلا الفشل الذريع للأسرة عن عدم قدرتها تربية أبنائها التربية الصحيحة، أليس هذا الأمر، في صورته هذه، مخزيا؟ يقينا، عندما تصدمنا الأرقام المرتفعة لعدد الجانحين من أبناء المجتمع، فإن ذلك يعكس خللا ما في علاقات الأسرة بأبنائها، وعلى أبناء المجتمع، أن يتكاتفوا لإصلاحه، وألا تترك الأسر لوحدها تواجه مصائر أبنائها، ولذلك ينظر إلى محاضن التربية المختلفة بعين الرجاء والأمل لأن تنتفض على حالات السبات التي تنتابها، في حالات الهدوء، فالأمر جلل، والمسؤولية كبيرة، ولا أحد يعذر عن القيام بدوره، وإذا تعذر ذلك على الفرد العادي، فإنه لن يتعذر على مجموع هذه المحاضن المسلحة بالكثير من معززات التربية، من معرفة، ومن نظم، ومن آليات، ومن إجراءات، ومن كوادر مؤهلة للتعامل مع الأطفال في جميع حالاتها، فهؤلاء الأطفال الجانحون، والمعبرة عنهم هذه الأرقام، التي لا تزال مستمرة في زيادتها، لن تكون أرقاما صعبة في المستقبل بحالتهم هذه، وإن استمر الأمر، كما هو عليه الآن، فسيكونون، حتما، خارج دائرة القوى العاضدة لمسيرة التنمية، بل قد يتحولون إلى عبء دائم، وهذا ليس في مصلحة أحد، على الإطلاق. وحسب المصدر السابق، وفي العدد (14474) المنشور بتاريخ 17/1/2021م: «بلغ عدد حالات الأحداث الجانحين المحالين من الادعاء العام خلال الربع الأول من العام 2020م (40) حالة بينهم (36) من الذكور العمانيين بنسبة (90%) وامرأة واحدة بنسبة بلغت (2.5%) و(3) من الذكور غير العمانيين بنسبة (7.5%) وتنوعت قضايا الأحداث التي تم رصدها بين هتك عرض والسرقة، والاعتداء على سلامة الإنسان والإيذاء، ومخالفة قانون المرور، والتحرش الجنسي، والظهور علنا بزي أنثى، والتسول، ودخول البلاد بطريقة غير مشروعة، ومخالفة تعليمات اللجنة العليا المكلفة ببحث تطورات انتشار مرض فيروس كورونا «كوفيد19» بالإضافة إلى المشاجرة» وإن كانت الإحصائية أعلاه أقلها حدة عن إحصائية عام 2019م والمنشورة في جريدة عمان في 18/12/2019م، العدد (14078) حيث «كشفت آخر الإحصائيات لعام 2019م عددا من حالات الأحداث الجانحين والمعرضين للجنوح منذ بداية العام الجاري والتي وصلت إلى (96) حالة، أغلبها من الذكور التي بلغت (91.6%) من إجمالي الحالات، وتركزت أغلب الحالات في محافظة مسقط بمقدار (29) حالة من إجمالي الحالات، مؤكدة وزارة التنمية الاجتماعي في بيان لها «أن عدد الحالات من العمانيين بلغ (86) حالة موزعة على مختلف محافظات السلطنة، و(10) حالات من غير العمانيين». كل الشعوب بلا استثناء تراهن على مستقبلها من خلال المراهنة على البناء القويم للطفل، ومتى أعد هذا الطفل الإعداد الجيد، وأحيط بالكثير من العناية والرعاية، كلما أدى ذلك إلى صناعة جيل مسلح بكل مقومات عصره، وما يتبقى من بعد التأسيس؛ مجموعة رتوش تضاف على امتداد مسيرة هذا الطفل، ولذلك يحرم التفريط في تربيته، وتعزيز مقوماته الإنسانية والتربوية والقيمية، وإلا عد ذلك تفريطا منقطعا للعقد الاجتماعي المتعهد بالبقاء عليه من قبل كل أطراف العملية التربوية، وضربة قاسية في حق الطفل المحقق للمستقبل الآمن، ولذلك فلا تزال الـ «طفولة» تثير قلقنا، وتوقظ فينا ذلك الاهتمام غير العادي، لأن حالتها؛ هي الأخرى غير عادية، فحياتها غير عادية، وإرهاصاتها غير عادية، ومستقبلها غير عادي، وإعدادها الإعداد الجيد غير عادي، وأخطارها غير عادية، ومقومات بنائها غير عادية، ولذلك هي تستهلك منا هذا الاهتمام، ويحق لها هذا الاهتمام، لأنها المستقبل بكل تجلياته، والمستقبل بكل مقوماته.