بحضور نخبة من المفكرين والباحثين العرب - كتبت: خلود الفزارية:- انطلقت صباح أمس أعمال مؤتمر التاريخ والصناعات البصرية الحديثة الذي ينظمه النادي الثقافي في مقره بالقرم، بحضور نخبة من المفكرين والباحثين والمهتمين. ويناقش المؤتمر الذي يستمر على مدار يومين، مفاهيم ومجالات ومعايير الصناعات البصرية الحديثة وكيفية الاستفادة من التاريخ والثقافة الانسانية، والتحديات والصعوبات التي تواجه الاستفادة من التاريخ في الصناعات البصرية الحديثة، والصورة البصرية وجماليات التجارب التاريخية المقدمة في الأعمال المسرحية والتلفزيونية، مع تجارب الاستلهام التاريخي في المعالجة السينمائية الحديثة، ونماذج تطويع الصناعات البصرية الحديثة في خدمة التاريخ بالاستعانة بالفنون البصرية التشكيلية والنحت والتصوير، إلى جانب تجارب ناجحة في توظيف التاريخ والصناعات البصرية الحديثة من خلال التصميم الجرافيكي وتصميم الألعاب الإلكترونية. وألقى الدكتور سعيد بن محمد السيابي نائب رئيس مجلس إدارة النادي الثقافي كلمة أشار فيها إلى أن الفنون البصرية هي أشكال فنية تأسست ضمن مفاهيم فكر ما بعد الحداثة، متوقفا عند تعريف الفنون البصرية التي تمثل الأعمال الفنية المرئية والتي لها حضور بصري ومستندة على الاشتغال بالمكونات والخامات في الواقع والطبيعة. كما تشمل الفنون البصرية الفنون التطبيقية مثل التصميم الصناعي، والتصميم الجرافيكي، وتصميم الأزياء، والتصميم الداخلي، والفن الزخرفي، والتصوير الفوتوغرافي، والفنون البصرية في التلفزيون. والاستخدام الحالي لمصطلح «الفنون البصرية» يشمل الفنون الجميلة وكذلك الفنون التطبيقية، والفنون البصرية الحديثة المتمثلة في (الفن الرقمي، وفن الليزر)، والعديد من العروض الفنية التي تعتمد على أساس بصري، ومنها: الفنون المسرحية، فن الرقص، الباليه، العروض الرياضية، السيرك بالإضافة إلى الفنون التطبيقية الحديثة، فهي جميعاً تنطوي تحت الفنون البصرية. مبينا أن السينما تعتبر الحداثة البصرية والذي كانت عبر التاريخ صورة ثابتة يتم تأملها بشكل منفرد، والسينما كصناعة ربما ليست أقل أيقونة منها كمنتج نهائي، أنما أحد أكثر الصناعات البصرية إدراراً للربح، وأحد أكثر الصناعات سلعية انتشارا ويطلق عليها الذهب الأسود. معيار الصناعة البصرية وافتتحت الجلسة الأولى التي أدارها يونس النعماني بورقة الدكتور يحيى اجفه من موريتانيا التي أتت ضمن محور مفاهيم ومعايير الصناعات البصرية الحديثة وكيفية الاستفادة من التاريخ والثقافة الانسانية، وحمل عنوان الورقة: «المعيار الأخلاقي في توجيه الصناعات البصرية الحديثة وطرق الاستفادة منها.. نظرة أخلاقية في تاريخ الصناعة والثقافة الانسانية». وأوضح أجفه أن الدراسات المعاصرة تعتبر الصناعات البصرية وسيلة تساهم في تقدم المجتمع وبناء حضارته فيقاس جانب كبير من تقدم الشعوب ورفاهيتها بمعيار الصناعة البصرية بكافة مستوياتها وتتفاوت شعوب العالم اليوم في مستويات التقدم الحضاري الذي تعيشه كل أمة لا يمكن تصور صناعة بغير أساس أخلاقي، مشيرا إلى أن مكانة الأخلاق تعتبر مكسبا مشتركا للأسس الصناعية والفكرية المشتركة بين كافة شعوب باعتبار الأخلاق قيمة معنوية ومادية معا في أي مجال من المجالات، وفي سياق ذلك تندرج ما يعرف اليوم بالصناعات والألياف البصرية ومجالاتها بحيث لا يمكن بناء أي تصور أدبي أو تقني حولها منفصلا عن قيم أخلاقية ذات بعد تأثيري في الرسالة التي تحملها تلك الفكرة في تكوينها ومبادئها وإجراءات تنفيذها وتسويقها لدى الجمهور المتلقي لها، فتتحكم الأخلاق بقبضتها الشاملة لحيثيات أي عمل يقوم به الإنسان في مجال المساهمة في بناء حضارة قوية ذات نظرة سوية فلا أساس في الفكر البشري صناعيا كان أو غير صناعي ثابت بدون مراعاة القيم الانسانية والأخلاقية ولذلك يتأكد هذا المفهوم يوما بعد يوم في حين نرى شعوبا لا تهتم بهذا البعد رغم تأكيده في مناهجها ومعارفها. استحضار التاريخ القديم الورقة الثانية جاءت ضمن المحور الثاني وهو التحديات والصعوبات التي تواجه الاستفادة من التاريخ في الصناعات البصرية، للدكتور محمود الضبع التي حملت ورقته عنوان «تاريخنا العربي في الفنون البصرية المعاصرة أزمة التناول، أزمة التلقي». وأوضح الضبع أن التاريخ كان وسيظل مصدرا ثريا للفنون والآداب، وبخاصة مع وطن عربي ممتد في رقعته الجغرافية عبر قارتين (آسيا وأفريقيا)، ومتشابك العلاقات مع شعوب ودول وقارات (الفرس، والروم، والهند والصين، ومتعدد الأحداث (نظرا لطبيعة الصراع الداخلي والخارجي منذ عصور الجاهلية، مرورا بظهور الإسلام، وتعاقب الدول، حتى لحظتنا الراهنة )، وممتد المساحة الزمنية (عبر ما يزيد على الألف وأربعمائة عام)، ومن جهة أخرى كانت الفنون والآداب في حد ذاتها مصدرا تاريخيا مهما، وبخاصة فيما يتعلق بالتاريخ الاجتماعي والثقافي للشعوب، فالفنون الشعبية، وفنون العمارة، والجداريات، والتصوير الحديث منذ ظهوره في مطلع القرن التاسع عشر، كل ذلك سجل تاريخا لم تتضمنه الوثائق الرسمية للدول، وليس أدل على ذلك مثلا من مراجعة الأعمال الروائية لحقبة تاريخية ولتكن مطلع القرن العشرين، نرصد من خلالها التاريخ الاجتماعي والثقافي للشخصية العربية، والذي لا يوجد في الوثائق التاريخية لأي أمة. ويبين أن الفنون تكتسب أهميتها من هاتين الوجهتين، الأولى في استحضارها للتاريخ القديم وإعادة إنتاجه سواء لإسقاطه على الأوضاع الراهنة، أو لتمثله والاستعانة بقيمه ودروسه، والثانية لتسجيلها أوضاع الحياة المعاصرة، مما سيصنع تاريخا للأجيال القادمة، وهو ما فعله كتاب الأدب والفن ويفعلونه. صناعة الصورة تؤثر في الإبداع الثقافة وضمن نفس المحور قدم الدكتور محمد نوالي الورقة الثالثة التي تناولت «رهانات صناعة الصورة الثقافية والتواصلية في فنون الخشبة»، أشار فيها إلى أن الصورة الآن تعمل أكثر من أي وقت مضى في تشكيل المجتمع عبر ما تمارسه من تأُثير، وهي حاضرة في المجال العمومي كما المجال الخاص وفي الأماكن الأكثر خصوصية، مبينا أن صناعة الصورة أضحت أحد المجالات الواعدة في صناعة الثقافة وأحد أركان صناعة الإبداع إن لم تكن أهمها بالنظر لقوة التواصلية والخطابية والفنية وقوة تأثيرها السحري وقوتها الابلاغية في تشكيل الميولات والأهواء. وقد اتخذت منذ نشأتها الأولى مسلكين وهما: المسلك الذي اتجه صوب التواصل والتنوع ومنها الفنون البصرية السينما والتلفزيون وفنون الخشبة: المسرح، وفنون الأداء، والمسلك الذي اتجه نحو الاستعمال الخاص المهني ( العلمي والطبي أو اللعبوي)، كألعاب الفيديو أو المرتبط بالمصلحة، وفي المسلك الأول لاسيما في السينما والتلفزيون وفنون الخشبة. أصبحت صناعة الصورة مجالا بينيا، وتفاعليا تتقاطع فيها تكنولوجيا التواصل واقتصاد الثقافة مع الأبعاد الرمزية الثقافية وصناعة الإبداع وصناعة الثقافة. التحديات والصعوبات أما الورقة الأخيرة في هذه الجلسة قدمها الدكتور فهيم كبير وناقش فيها «صعوبات وتحديات العمل التاريخي»، بين فيها أنه ومنذ اللحظة الاولى التي يبدأ فيها كاتب السيناريو الإعداد لكتابة عمل تاريخي, تبدا التحديات والصعوبات، فشح المعلومات التاريخية واختلاف رواتها,ومؤرخيها والريبة في من نقل الخبر، تجعل هذا العمل امتحانا صعبا لصاحبه، لربما هذا ما جعلنا نبحث ابراز الصعوبات والتحديات التي تواجه صانع الاعمال التاريخية سواء بالسينما، المسرح او التلفزيون ضمن منظومة الصناعة البصرية الحديثة، وللتعمق في ذلك وجب علينا النظر والامعان والتدقيق في عدة محاور، تعد بالأساس هي مراحل انتاج العمل التاريخي بالسينما او المسرح أو التلفزيون، وقد أخذنا كعينة للدراسة والتحليل مسلسل عمر بن عبد العزيز، والمسلسل السوري ملوك الطوائف، اما بالسينما ففيلم المصير وصلاح الدين والفيلم الأجنبي غلادياتور. توظيف تاريخ المجتمعات واستهلت الجلسة الثانية محاور المؤتمر، وأدارت الجلسة الدكتورة آمنة الربيع، وناقشت محور الصورة البصرية وجماليات التجارب التاريخية في الأعمال المسرحية والتلفزيونية. وجاءت الورقة الأولى التي حملت عنوان «استلهام الأندلس في المسرح الإسباني» خمس مسرحيات أندلسية للكاتب أنطونيو جالا أنموذجا» قدمتها الدكتورة رشا غانم من الجامعة الأمريكية بمصر، أشارت فيها إلى أن المسرح الأسبانى عكس الكثير من الأفكار والعادات والتقاليد التى بدت فى مجملها قريبة من التقاليد والعادات العربية، ولعل السبب فى ذلك يعود إلى استمرار حضارة المسلمين فى الأندلس عدة قرون(92ه- 894ه)، مما انطبع على كثير من قيم هذا المجتمع وعاداته وتقاليده، وقد ترتب على ذلك تأثر مسرحه ببعض المؤثرات العربية، وبدا للقارئ أو المشاهد وكأنه مسرحٌ عربي. ويعد من أبرز كتاب المسرح الإسباني فيما يتصل بالأندلس: خوسيه أوروثكو في مسرحيته السلطانة عائشة،وفرانسيسكو بياسبيسا في مسرحيته المعتمد بن عبَّاد، وأنطونيو جالا، فقد اختلفت قدرات الكتاب من حيث: الاستمداد من مصادر التاريخ واختيار ما يشوق المشاهد فيها، ومحاولة مزج الأحداث التاريخية بالأحداث المتخيلة، والقدرة على إيجاد شخصيات قادرة على تحريك الأحداث في طريق طبيعي، بما يجعل المسرحية بناء فنيا متكاملا جعلت عددًا من المؤلفين المسرحيين يستوحي التاريخ من عصور مختلفة، فمنهم من استمد من التاريخ العربي القديم ؛لأسباب قومية، أو سياسية، أو اجتماعية كالتاريخ الأندلسي، حيث ستظل الأندلس مسرحية مأساوية تثير قرائح الشعراء والكتاب من عرب وإسبان فينسجون منها قصيدا ومسرحا، وأنطونيو جالا كاتب هذه المسرحيات الخمس وهي «ابن رشد، الزهراء، المنصور بن أبي عامر، قصر إشبيلية، قصر الحمراء». قد التقط فيها النقاط الدرامية وسط زخم من الأحداث والشخوص الماثلة في هذه المسرحيات ؛ لأن عدسته تجاوزت التاريخ الميت إلى الفن الحي. وقامت الباحثة بتحليل عناصر بناء النص المسرحي في هذه المسرحيات وقد اعتمدت على المنهج التكاملي. استدعاء التاريخ وربطه بمجريات الساعة وناقشت الورقة الثانية «جماليات الرؤية التاريخية في المسرح الخليجي.. مسرحية (الحجر الأسود ) للشيخ القاسمي... أنموذجا» للدكتورة عزة القصابية. وأشارت القصابية إلى ظاهرة المسرح التاريخي بمسرح دول الخليج العربي كإطار نظري، متوقفة عند الإطار التطبيقي بتجربة سمو حاكم الشارقة في المسرح التاريخي، حيث قدمت مسرحية (الحجر الأسود) في افتتاحية أيام الشارقة المسرحية في الدورة الحادية والعشرين، وأخرج هذا العرض التونسي منصف السويسي بمسرح الشارقة الوطني. وكتبت هذه المسرحية باللغة العربية، وهي تتكون من خمسة فصول. تتقارب هذه المسرحية مع النصوص المسرحية السابقة للمؤلف، إذ أن معظمها يجسد الصراع العقائدي عاملاً مهمًا فيها، إلا أنها تختلف بالطبع كتجارب مسرحية، تنفصل في الموضوع ومعالجته، والتعرض لجميع زواياه. مضيفة أن المخرج السويسي حاول التملص من سردية الأحداث التاريخية وتفاصيلها، بتقديم لوحة تعبيرية استهل العرض بها، حملت أجواء أسطورية اقتربت من ألف ليلة وليلة، وتناغمت مع الأداء الاستعراضي للممثلين، الذين سعوا لتقديم لوحة راقصة بتشكيلات حركية تعبيرية، عبرت عن التوهج الحضاري في ظل الدولة العباسية خلال الفترة الأولى سنة 132هـ - 750م، ويتضح من خلال «السينوغرافيا» العامة للعرض مسرحية «الحجر الأسود» إن المخرج السويسي التزم بحرفية النص، كما أنه كثف تفاصيل الحدث التاريخي، ليعرض على خشبة المسرح، والذي ساعده على ذلك تقسيم الخشبة إلى قسمين، القسم الأمامي والقسم الخلفي الذي يقع في عمق خشبة المسرح. ويبرز حرص المخرج السويسي على تحقق الحدث الدرامي عبر متلازمتي المكان والزمان، فحادثة الصراع في عصر الدولة العباسية. وهناك تباين في الأبعاد المكانية التي عاشت الشخصيات فيها، فهناك دار الخلافة مقر إقامة المقتدر بن المعتضد، ودار أبي سعيد الجنابي في هجر، والساحة الموجودة أمام دار أبي طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي، كما وظف العرض الراوي لسرد أحداث المسرح، وراهن بالممثل كعامل أساسي لرفع إيقاع العرض، على الرغم من طول مدة العرض وكثرة التفاصيل السردية فيه، التي تجسد الحدث وتعمل على تصعيده إلا أن المخرج استطاع أن يدير المجاميع على خشبة المسرح، انطلاقًا من كونه عملاً تاريخيًّا يركن إلى الأحداث المتضمنة الغزوات والحروب والمعارك. وارتباط حركة المجاميع على الخشبة بواقعية القصة التاريخية، للتأكيد على فكرة العمل وواقعيته، وهذا ساعد المشاهد في فهم الحقائق التاريخية بشيء من التحفظ. وقد تمكن المخرج من توظيف الديكور بشكل يبرز البُعد المكاني وعلاقته بالأحداث التاريخية والشخصيات. وورد التقسيم المكاني من خلال كتابة عبارات في الديكور، مثل: دار الهجرة، والساحة أمام دار الهجرة – دار أبي طاهر سليمان بن حسن الجنابي القرمطي، والساحة التي تمثل الحرم المكي الشريف، كما ساهمت الأزياء والديكور في التعبير أحداث المسرحية التاريخية، وهذا ساعد المشاهد التخيل والتحليق في عالم العرض، وجعله يتعرف على أبعاد الشخصيات الاقتصادية والاجتماعية وعلاقتها بالسلُطة الحاكمة. فهناك الشخصيات المحورية والقادة والجنود وعامة الناس والخدم... كما كثفت الموسيقى التركيز على واقع الأحداث المهمة، ورفع الإيقاع في لحظات التأزم ولحظات الارتخاء النفسي والفرح والحزن... وهذا المزيج التاريخي الرائع في عرض مسرحية «الحجر الأسود» ساعد المتفرج على سبر الماضي، الذي يعود إلى عصر الحضارة الإسلامية عام 317هـ، مع محاولة استقراء الواقع واستشراف المستقبل بشيء من القلق التاريخي. دلالات بناء الشخصيات وناقشت الورقة الثالثة للدكتور محمود سعيد «الاستلهام التاريخي ودلالات بناء الشخصيات والأماكن في المسرح المصري.. مسرحيات الفريد فرج وأبو العلا السلموني أنموذجا» وأشار إلى أن كل أمة عرفت بمنجزاتها وآثارها وطبيعة تأثيرها، فيوصف المجتمع بصفة تلازمه دون غيره؛ وما ذاك إلا المنجز والأثر، والباقي والمعتبر من حياة الناس وفعل البشر، والذي تستزيد البشرية منه فهماً وعقلاً عبر السفر والناقل، سفراً عرفنا بأنه التاريخ، فكل هؤلاء ومع مسيرة الزمن يشكلون مفهوم التاريخ الذي يسير متناغماً على قوائم ثلاث وهي الإنسان والزمان والمكان. مبينا أن تطور مضامين البناء الفني للصورة الفنية واشكاله هو عملية تأريخية طبيعية، تتم بحكم قوانين موضوعية، وهي سلسلة لا نهاية لها من التطور، فقد مرت في طريق طويل، اذ ان الصورة الفنية لا تفرر الحياة الاجتماعية، بل الأمر يتعلق بطابع النظام الاجتماعي، فعلى مر تطور النمسا تتخذ أشكالا وأفكارا مختلفة فهي لا تقتصر علی التفسير وحده، وانما تقترح انظمة بديلة لموضوعات الحياة الاجتماعية من خلال التحامها بمراحل العمليات المعقدة كافة للبناء الاجتماعي، حيث تمتلك الصورة الفنية قدرة على إنتاج مقدماتها المنطقية حين تصور طبيعة وجوهر الموضوعات المتبادلة بين القوى الاجتماعية، وتكتسب مزيداً من الأهمية حين ترتبط نماذجها بالمضمون الجوهري الذي يحقق انسجامه الكامل بالكشف عن طبيعة تطور العلاقات وتناقضاتها، وفي قدرتها تتحدد بكونها شكلا من أشكال الوعي الاجتماعي، فهي إذ تعيد انتاج الواقع، فإنها تصور الظاهرة باعتبارها شرطة ذاتية التعميم، اذ يكون العام مرتبطاً بسلسلة من القيم الداخلية، نجد أن تجسيد الخاص يعبر عن نفسه من خلال سعيه الي تطور نموذجه في تحقيق قوة مضمونه. ويضيف سعيد: إن الصورة الفنية تمتلك وحدتها، لأنها لحظة اكتشاف خاص للفكرة، ولكن هذه اللحظة لاتأتي بشكل مباشر، وإنما بواسطة اكتشاف موضوعي عبر مديات، مرئية وتشكيلية وذاتية وعاطفية للمجالات المكانية والحسية التي تضعها إنشائية المكان في لحظة متعينة من الزمن، وهكذا تنبثق حركة الأشياء داخل الصورة الفنية، اذ تجري العلاقات عن طريق التفاعل ما بين الذاتي والموضوعي، لتأسيس منظومة من التصادمات الهائلة لإنشاء بنية للصورة تتسم بالاستمرارية وفق أسلوب حيوي عبر الدراما المسرحية والتلفزيونية، فقد كانت اللحظة الحاسمة في تاريخ الصورة لدى الانسان البدائي، حيث بلغ التناقض ما بين الفرد والطبيعة الذي كان في أساسه هو ما ينتجه العمل والوعي، وأن عملية الإنتاج تتحول شيئا فشيئا الى فهم الطبيعة، وتصبح لها قيمة حين يمكن تشكيلها في صورة جديدة لها، فطريقة التحكم بالأشياء هي عملية تحويلها إلى منتَج، آخر وتشكيلها فيما بعد إلى صورة جديدة. التاريخ العماني معين لا ينضب واختتم اليوم الأول جلساته بـ«تجربة الكتابة التاريخيّة في المسرح العماني» قدمها عبد الرزاق الربيعي، الذي أوضح أن التاريخ يشكل مصدرا من مصادر الكتابة المسرحية، لما تنطوي أحداثه من مادّة درامية دسمة، ومن تلك الأحداث يستقي طابعا ملحميّا، وقد اعتبر أرسطو في كتابه «فن الشعر» التاريخ مصدرا أساسيا يستمد منه الفنّ مادته، فالمسرح، منذ نشأته، وظهور المسرح الإغريقي، مبينا أنه وجد في التاريخ مادّة خصبة، أمدّته بمادة سردية للملاحم، والبطولات، وأن أقدم مسرحيّة تاريخية وصلتنا من تلك المرحلة، هي مسرحيّة «الفرس» للشاعر الاغريقي اسخيلوس، وتناول فيها معركة (سلاميس) التي جرت بين الفرس، واليونانيين، وكانت الغلبة فيها لليونانيين، ومن هذه المعلومة نستنتج أن الكاتب المسرحي منذ ظهور المسرح وجد في التاريخ مادة درامية دسمة، لذا قام الكاتب المسرحي باستدعاء أحداثه إلى الخشبة، واختلفت الأساليب، وتعددت، مع تعدّد الاتجاهات، الرؤى، وصار الكاتب يستلّ شخصيّة من شخصيّات التاريخ، ويبني على أكتافها العرض، أو يكتفي بشظيّة من الحدث، وينسج عليها رؤاه، حسب توجّهات الكاتب، ورؤيته للحدث التاريخي، لكن تلك الوسادة التي وضع عليها المسرحيون رؤوسهم، لم تكن مريحة دائما، فقد تسببت بصداع مزمن للمشتغلين بالمسرح، فالبعض يبدي تحفظا على استدعاء المادّة التاريخيّة، من حيث أنّ الفن يبقى ساحة خصبة لخيال الكاتب، الذي وجد نفسه أمام محاذير كثيرة في تناول أحداثه، خاصة عند التطرّق لأسماء بعض الشخصيات، مع تعدّد الروايات، والرواة، والمنتصرين الذين يكتبون ما يخدم قضاياهم، وظروفهم التاريخيّة، فشدّد البعض على وجوب الأمانة العلميّة في نقل المعلومة التاريخية، وعدم ليّ عنقها، لخدمة الظرف المعاصر، على حساب دقّتها. ففي قراءته لمسرحية (الفرس) يقول الدكتور علي خليفة «إنّ تصوير أيسخيلوس لهذه المعركة لا يخلو من ملامح أسطورية أضفاها عليها كحديثه عن البطولات الخارقة التي أظهرها اليونانيون في هذه المعركة والاندحار الشامل لجيش الفرس فيها»، وهنا يقفز تساؤل هو: هل أن الفنان عندما يقترب من التاريخ يقدّم وثائق يمكن الاستناد عليها؟ والإجابة بالطبع سلبيّة، من حيث أن الفن « لا يستنسخ ولا يتحول إلى وثيقة تسجيلية لحفظه، وهذا ما نبّه إليه أرسطو قديما بعبارته الشهيرة «المستحيل الممكن خير من الممكن المستحيل»، والنصوص التي كّتبت ضمن هذا المجال، جعلت من التاريخ مرجعا، ولم تتوقّف عند ذلك، بل عمدت إلى تحويره، وحقنه بدماء جديدة، تتوافق مع روح العصر، وفي ذلك يؤكّد الدكتور عبد الكريم جواد «لابدّ من التعامل مع التاريخ بحرص شديد للحفاظ على جوهرية التراث، ومصداقية الأحداث، والشخصيات التاريخية، وعند تداول تلك الشخصيات في النص المسرحي يصبح الربط السببي الموضوعي بين الإسقاط، والمسقط منه، والمسقط عليه أيضا مهما جدا». وأضاف الربيعي: إن التاريخ العماني غنيّ بالأحداث، والملاحم، لذا وجد كتاب المسرح فيه معينا لا ينضب، وقد بدأ هذا الاهتمام مع بدايات ظهور المسرح العماني في الأربعينات مع تأسيس المدارس السعيدية الثلاث (في مسقط، ومطرح، وصلالة)، وكانت البداية مع قيام المشتغلين فيها على تحويل الدروس، والقصص التاريخيّة إلى عروض تعليميّة مبسّطة، بهدف توصيل المعلومات التاريخية بأسلوب درامي، سهل تقبله، كمسرحية( مازن بن غضوبة) الذي يعتبر أول عماني دخل الإسلام ونشره داخل عمان وخارجها، ثم تطوّر الأمر على يد العديد من المسرحيين الذين اشتغلوا في مسارح النوادي الأهلية، ومع تأسيس مسرح الشباب عام1980، وقدّم المصري منصور مكاوي عام 1982 مسرحية (الوطن) التي يصنّفها الدكتور محمد الحبسي ضمن المسرح التاريخي لأنها تستعرض فترة صراع العمانيين مع البرتغاليين أثناء سيطرتهم على عمان، وتمكن العمانيون من طردهم بعد سلسلة معارك، وبعد عام واحد جاءت مسرحية (الراية) لمنصور مكاوي أيضا، وتناول فيها سيرة القائد العماني الوارث بن كعب الخروصي، وفي عام1987 قدّم الدكتور عبد الكريم جواد مسرحية ( السفينة ما تزال واقفة) على مسرح الشباب، ولها ارتباط بالمسرح التاريخي، لتفتح الباب على مصراعيه لعروض لكتّاب عمانيين سعتْ إلى معالجة مشكلات الحاضر من خلال إعادة قراءة أحداث التاريخ، وتفسيرها، «وإسقاط العديد من الأفكار على الواقع المعاصر، وتوظيفه شرط ألّا يكون مجرد اقتباس لحالة تاريخية، ووضعها على المسرح، بهدف تقديم رؤية فنية تفسيرية مستلهمة أو متواصلة أو حتى متقاطعة مع الأصل» كما يقول الدكتور عبدالكريم جواد.