تهديدات بـ«الانتقام» ودعوات دولية لضبط النفس -
عواصم ـ عمان ـ جبار الربيعي - محمد جواد الأروبلي - (أ ف ب):-
حذر العراق أمس من «حرب مدمرة» بعد مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني والقيادي الكبير في الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس في قصف صاروخي أمريكي استهدف سيارتهما قرب مطار بغداد الدولي، في تصعيد قوبل بتهديدات بـ«الانتقام» والرد من إيران وقوات الحشد الشعبي.
وكشف مسؤول عسكري أمريكي لوكالة فرانس برس أن العملية نفذت بـ«ضربة دقيقة لطائرة مسيرة استهدفت عجلتين قرب مطار بغداد». وكانت وزارة الدفاع الأمريكية أعلنت أنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعطى الأمر باغتيال سليماني.
وقال اعلام الحشد الشعبي في بيان، إن «نائب رئيس هيئة الحشد الحاج أبومهدي المهندس وقائد فيلق القدس قاسم سليماني استشهدا بغارة أمريكية استهدف عجلتهم على طريق مطار بغداد الدولي».
وأكدت قيادة العمليات المشتركة، أن ما حصل أمس من اغتيال نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي ابو مهدي المهندس هو انتهاك صارخ لسيادة العراق.
وكان سليماني، قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وموفد بلاده الى العراق وسوريا ولبنان للتنسيق مع هذه الدول. وكان المهندس رسمياً نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، لكنّه كان يعتبر على نطاق واسع القائد الفعلي للحشد الشعبي. وقتل الرجلان على الفور.
وروى مسؤول محلي أن المهندس جاء الى المطار لاستقبال سليماني، «الأمر الذي لا يحصل عادة». «استقبله مع زائرين آخرين، قبل أن تستهدف سياراتهم وتصاب».
وقال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أن قاسم سليماني «كان يخطط بشكل نشط في المنطقة للقيام بأعمال - عمل كبير، كما وصفه - كان سيعرض حياة العشرات أن لم يكن المئات من الأمريكيين للخطر»، مضيفا «كان هذا هو التقييم الاستخباراتي الذي وجه عملية اتخاذ قرارنا».
واعتبر رئيس وزراء العراقي عادل عبد المهدي أن الضربة الجوية الأمريكية تشكل «تصعيدا خطيرا يشعل فتيل حرب مدمرة» في العراق، معتبرا أنها «خرق فاضح لشروط تواجد القوات الأمريكية في العراق».
من جهته، أكد الرئيس العراقي برهم صالح، أمس أن أبو مهدي المهندس وقاسم سليماني كان لهما دور مهم وحاسم في قتال تنظيم «داعش»، وسطرا في الحرب عليه أروع صور الإيثار، داعيا الى ضبط النفس وتغليب صوت العقل والحكمة وتقديم المصلحة الوطنية العليا.
واعتبر المرجع الديني علي السيستاني، أمس الضربة الجوية التي نفذتها القوات الأمريكية قرب مطار بغداد ليلة أمس «اعتداء غاشم» وخرق سافر للسيادة العراقية وانتهاك للمواثيق الدولية، ودعت المرجعية، «الأطراف المعنية الى ضبط النفس والتصرف بحكمة».
وتوعد مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي «بانتقام قاس»، وأعلن الحداد الوطني لثلاثة أيام في إيران.
وتظاهر عشرات آلاف الأشخاص في طهران وفي مناطق أخرى تنديدا «بالجرائم» الأمريكية، كما أفاد مراسلو وكالة فرانس برس. وتوعد الرئيس الإيراني حسن روحاني بالرد على «هذه الجريمة البشعة».
من جهته، وصف وزير الخارجية الإيرانى «محمد جواد ظريف» مقتل سليمانى بـ«التصعيد الخطير»، معتبراً أن الإقدام على مثل هذا السلوك من قبل الولايات المتحدة يتسم بالحماقة، وذلك في تغريدة له على حسابه بموقع «تويتر»، وأضاف أن واشنطن ينبغي أن تتحمل المسؤولية عن تبعات « هذه المغامرة».
كما صدرت دعوات في العراق للرد على العملية الأمريكية، فيما أمر الزعيم مقتدى الصدر باستئناف نشاطات «جيش المهدي»، أبرز قوة مسلحة قاتلت القوات الأمريكية في العراق.
وقال أحد أبرز قياديي الحشد الشعبي هادي العامري «نناشد كل القوى الوطنية توحيد صفوفها من أجل إخراج القوات الأجنبية التي أصبح وجودها عبثا بالعراق». وكان القيادي البارز في هذه القوات قيس الخزعلي دعا «كل المجاهدين» إلى «الجهوزية» للرد على الضربة الأمريكية.
وفي لبنان، قال الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله «القصاص العادل من قتلته المجرمين الذين هم أسوأ أشرار هذا العالم سيكون مسؤولية وأمانة وفعل كل المقاومين والمجاهدين على امتداد العالم».
وأعلنت طهران ظهرا تعيين نائب قائد فيلق القدس اسماعيل قآني خلفا لسليماني الذي كان مكلفا العمليات الخارجية لإيران. وقال خامنئي إن برنامج عمل «قوّة القدس هو البرنامج نفسه الذي كان في فترة قيادة الشهيد سليماني».
وفي مؤشر إضافي على الخشية من حصول تصعيد، دعت وزارة الخارجية الأمريكية المواطنين الأمريكيين إلى مغادرة العراق «فورا».
وأعلنت وزارة النفط العراقية أن العديد من موظفين شركات النفط العاملة في العراق من «حاملي الجنسية الأمريكية غادروا العراق استجابة لطلب حكومتهم».
وتجد بغداد نفسها منذ سنوات عالقة في موقع حرج بين حليفيها الكبيرين، الولايات المتحدة وإيران، فيما يتصاعد التوتر بينهما لا سيما حول الملف النووي الإيراني.
وجاءت الضربة الأمريكية بعد ثلاثة أيام على هجوم غير مسبوق شنّه مناصرون للحشد الشعبي على السفارة الأمريكية في العاصمة العراقية ما أعاد الى الأذهان أزمة السفارة الأمريكية واحتجاز الرهائن في طهران في 1979.
وأشار الحشد الشعبي الى مقتل عشرة أشخاص في الضربة الأمريكية، بينما كانت السلطات العراقية تحدثت عن تسعة قتلى.
وفيما ذكر أن تشييع القائدين العسكريين سيحصل غدا، لم تشر إيران الى تفاصيل نقل جثمان سليماني الى إيران.
وأعلنت قوات الحشد أن أبو مهدي المهندس سيدفن اليوم السبت في مدينة النجف في جنوب العراق.
وسيلتئم البرلمان العراقي غدا أيضا. وصدرت دعوات من داخل المجلس لجمع تواقيع نواب للمطالبة بأن يبحث البرلمان في التواجد العسكري الأمريكي في العراق الذي يعد اليوم 5200 جندي.
وتصاعدت في الشهرين الأخيرين الهجمات على قواعد عراقية تضم عسكريين أمريكيين أسفرت عن جرح ومقتل عدد من العسكريين العراقيين، وصولا الى استهداف قاعدة عسكرية في كركوك شمال بغداد بثلاثين صاروخاً في 27 ديسمبر، ما تسبب بمقتل مدني أمريكي.
وقد ردّت الولايات المتحدة في 29 ديسمبر بقصف منشآت قيادة وتحكم تابعة لكتائب حزب الله، أحد أبرز الفصائل في الحشد الشعبي، ما تسبب بمقتل 25 مقاتلا.
وأثارت هذه الضربات غضبا بين أنصار الحشد الذين هاجم الآلاف منهم السفارة الأمريكية الثلاثاء.
وتأتي الضربة الأمريكية قبل أقل من سنة على الانتخابات الرئاسية الأمريكية. وقد انقسمت الآراء حولها في واشنطن.
وقالت رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي (الحزب الديمقراطي) إن قتل سليماني في ضربة أمريكية يهدد بإحداث «تصعيد خطير للعنف».
في المقابل، كتب السيناتور الجمهوري النافذ ليندسي غراهام على «تويتر»، «أنظر بتقدير إلى العمل الشجاع للرئيس دونالد ترامب ضد العدوان الإيراني»، مضيفا «أقول للحكومة الإيرانية: إذا كنتم تريدون المزيد فستحصلون على المزيد».
وقطع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أمس زيارته الرسمية لليونان ليعود إلى إسرائيل بعد مقتل قاسم سليماني. وأشاد نتانياهو بقرار الرئيس الأمريكي التصرف «بسرعة وبقوة وبحزم»، مدافعا عن «حق» الولايات المتحدة في «الدفاع عن النفس».
وعبرت دول عدة عن قلقها من حصول تصعيد. وقالت وزارة الخارجية الروسية إن مقتل سليماني «خطوة مغامرة ستفاقم التوتر في أنحاء المنطقة».
ودعا رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال الى «وقف دوامة العنف والاستفزازات والردود» في العراق. وكتب في تغريدة على «تويتر»، «يجب تجنب التصعيد بأي ثمن». كما دعت ألمانيا وبريطانيا الى «خفض التصعيد».
وفور شيوع نبأ مقتل سليماني ارتفع سعر النفط أكثر من 4% بسبب مخاوف الأسواق على موارد الذهب الأسود، وسجلت أسواق المال الكبرى في العالم تراجعا.
يأتي هذا التطور بعد أكثر من ثلاثة أشهر على حركة احتجاجية شعبية في العراق ضد السلطات العراقية.