صنعت عمان الحديثة بكل عظمتها وأبت المقادير إلا أن ترحل عنها - عاصم الشيدي - الآن فقط أتجرأ أن أكتب عنك مباشرة، أن أمسك بمشاعري بعيدا عن لوح مفاتيح حاسوبي حتى أستطيع الكتابة بمعزل عن ضغط المشاعر والحزن العميق والألم والأسى.. لقد مضت أيام لم أكن أصدق فيها أنك رحلت ولن تعود ثانية، ثم تلتها أيام أخرى لم أكن أستطيع أن أتصور فكرة رحيلك النهائية هذه، رغم أني كنت في قلب المشهد إعلاميا، وبقيت، وأنا أراجع مواد الجريدة قبل نشرها، مصدوما عندما تمر عليّ عبارة «رحمه الله» مكان «حفظه الله ورعاه» الذي اعتدنا عليها ودعونا الله بها ليلا ونهارا. وكنت بين الخوف والرهبة وأنا أرى الدمعة على فراقك في كل العيون، وأرى الناس يتبادلون التعازي في رحيلك الموجع.. كان قلبي يُعتصر، وثمة حرقة تضغط على فؤادي، ودمعة في عيني لا تجف أبدا. للحظات كنت أعتقد أن الأمر لا يعدو أن يكون كابوسا مزعجا سرعان ما تحين بعده لحظة صحو حقيقية وتعود الأيام إلى سيرورتها الطبيعية، ونعود ننتظر ونترقب أخبارك، ولقاءاتك، ونسهر للبحث عن العناوين الصحفية التي تليق بك وبما تنجزه لهذا الوطن، ونسهر، بحب، في انتظار وصول صورك للجريدة، ونفرح، ونغبط من يستلمها أولا.. بل كنا نترقب كيف يمكن أن تحيي الذكرى الخمسين لنهضة عمان الحديثة، النهضة التي أذهلت الجميع، لنفرح بك ومعك. لكن هيهات هيهات.. فللقدر مواعيده التي لا يخلفها، وللمواعيد آلام تعتصرنا وهي سادرة لا تدري ماذا تفعل «وإذا المنية أنشبت أظفارها، ألفيت كل تميمة لا تنفع». لقد صنعتَ وبنيت، يا سيدي السلطان قابوس، عُمان الحديثة التي نراها اليوم ونعيش على ثراها، لقد أعدتها إلى سابق عظمتها بعد تجاذبات التاريخ عليها، وكان السياق الطبيعي أن تكون عُمان بكل تلك العظمة، التي آمنتَ بها، هي التي صنعتك وصنعت عظمتك التي شهد لها شعبك والعالم أجمع، لا أن يحدث العكس. ولكنك أردت بوعي تام أن يكون دورك أكبر من الأدوار الطبيعية التي اعتاد عليها التاريخ في توثيقه للأبطال والرموز؛ لهذا أحببناك فوق ما يمكن للمقادير أن تتوقع، وفوق ما يمكن لأي متصور أن يتصور، أحببناك حتى حسبناك خالدا لا تموت أبدا، وليس في هذا كفر بالله، فللمحب أن يبني تصوراته للمحبوب كما يريد حتى لو كان ذلك خلودا سرمديا في عينه وقلبه. وأنت حللت في قلوبنا وتنسّكنا بمحبتك كما يليق بصوفي أن يتنسك في هوى من يحب. لقد صدمتنا فكرة الموت، ونحن نؤمن به حقيقة مطلقة، صدمتنا عندما حانت لحظة الحقيقة ولحظة الرحيل التي أشرق بها الفجر حتى كدنا أن نتنكر لها، ونتساءل عن ماهيتها. كان قدرك التاريخي أن تلعب دور البطل الاستثنائي في تاريخ عُمان، عُمان التي مرَّ عليها أبطال كبار عبر التاريخ وما زالت الذاكرة الجمعية تتغنى بأدوارهم وبطولاتهم الخالدة، لكنّ بطولتك كانت مختلفة، ودورك كان أكبر بكثير مما يصنع الأبطال، وفق العادة، ومما يحتمله توثيق التاريخ في سجلاته الكبرى، وأكبر من أن نصدق أن صاحبها يمكن أن يرحل ويتركنا، ثم لا يعود أبدا. لقد أتيت، يا مولاي السلطان، لعُمان وهي في لحظة يأس بين الأمل والرجاء: الأمل في بطل ينتشلها من واقعها المرير الذي تعيشه، والرجاء ألا تتلاشى تلك الحضارة الضاربة في عمق التاريخ والإنسانية وسط زحام سير العالم نحو المستقبل.. أتيت بالأمل لترفع الرجاء فاتسعت همتك لآمال شعبك وأمتك في تلك اللحظة التاريخية الفارقة من عمر الوطن. كانت عُمان بكل عظمتها التاريخية في لحظة خطر وتوشك -لولا رأفة العناية الإلهية- أن تتلاشى وسط زحف الأيام وحركتها الدؤوبة إلى الأمام. ثم نهضت بها، يا صاحب الجلالة، كما ينهض طائر الفينيق من الرماد، رغم أننا نؤمن إيمانا تاما أنها ليست أسطورة ولا أنت كذلك.. أنت بطل من لحم ودم، وأردت أن تعيش إنسانيتك بيننا كما ينبغي وكما يليق بالأبطال لا بالأساطير. لقد أعطتك عُمان كلَّ سرها الدفين، وكل طاقتها المختزلة تاريخيا لتتقدم باسمها نحو المكانة التي تليق بها وتليق بنا، وأبعدتها عن الخطر، خطر التلاشي، وخطر التقسيم. لقد تحمّلتَ المهمة كما يجب، ولذلك كنتَ الجسر الذي عبرتْ فوقه الأمة العمانية، عبرت فوقه من اليأس إلى الأمل، ومن الرهبة إلى الإقدام والشجاعة، ومن التشظي والضياع والشتات إلى الوحدة والقوة والثبات، فصارت اليوم قبلة العالم كما أردت لها ذات بداية وذات حلم وثقت في نفسك أنك قادر على تحقيقه.. وتحقق. إن أعظم الإنجازات التي حققتها، يا سيدي السلطان، طوال رحلة بنائك أنك أعدت لعمان مجدها وتاريخها ووضعتها على خارطة المستقبل دولة حديثة ومتطورة وربطتها بمحيطها العربي والعالمي لتكون «صديقة الجميع» لا عداء بينها وبين أحد رغم أن لها مواقفها في نصرة الحق وقضايا الإنسانية. كما أنك صنعت للعمانيين عزا يليق بهم وبتاريخهم ومنجزهم الحضاري بعد أن كانوا شتاتا في أصقاع الأرض يبحثون عن الأمل ويتمسكون بالرجاء. ثم إنّ ما جاء بعد ذلك من إنجازات إنما هي تندرج تحت هذا الإطار وتفاصيله. وإلا فإنك يا سيدي السلطان صنعت كل تفاصيل هذه البلاد، ووضعت لمستك عليها لترسمها من أصغر تفاصيل فيها إلى أكبرها وأدقها، وكما يرسم الفنان لوحة عزيزة على قلبه ويهتم بأدق التفاصيل فيها لتكون كما يريد ويحلم. ورحلت.. ووضعت المقادير نقطة في نهاية ملحمة مسيرتك، أما البناء والمجد والعز والسؤدد الذي أرسيته لهذه البلاد سيستمر لأنه وجد ليبقى. ورحلتَ.. ............. كان اليوم يوم جمعة مباركة، وكانت الساعة الثانية من بعد الظهر عندما لاح في سماء عمان أن حدثا جللا قد وقع. وعلى إثره أعلنت حالة الطوارئ القصوى؛ ولا تعلن الطوارئ في أي بلد إلا لأمر جلل وعظيم. كان من المضحك التصديق أن إعلان حالة الطوارئ سببه الأحداث التي تجري في إيران أو أن خطرا خارجيا يحيط بعُمان! مضحك جدا رغم أنه لم يخلُ من رمزية. فالأمن والأمان والسلام الذي عمل عليه السلطان قابوس طوال حياته يشاع عكسه للتغطية على السبب الحقيقي لإعلان حالة الطوارئ، في اللحظة التي يكون قد رحل فيها رجل السلام عن عالمنا ويكون مشروعه قد اكتمل تماما. لم يكن أمر كهذا يمكن أن ينطلي عليّ وإلا فإن إيماني بما تحقق في عمان سيكون هشا أو هو مجرد خدعة.. وعرفت يقينا بيني وبين نفسي أن الأمر متعلق بالسلطان، وأن حدثا داخليا جللا قد حدث. لم أصدق فكرة الخطر الخارجي، أيضا، لأنني قرأت البيان الذي صدر في آخر يوم من ديسمبر وقال «إن السلطان في حال مستقر» بشكل مختلف عمّا قرأه الكثيرون وفرحوا به. كان البيان ذكيا لا شك، ولكنه مخيف في الوقت نفسه. ذكيا لأنه أفرح الناس وأنهى مسلسلا من الإشاعات حول صحة السلطان طال أكثر مما ينبغي، وهي الإشاعات كما نذكر جميعا وصلت لحد تأكيد خبر الوفاة وانتظار البيان.. ومخيف لأنه قال كلاما كثيرا بين سطوره لم يكن يستطيع قوله بشكل مباشر. فلم يقل البيان أن «السلطان بصحة جيدة أو صحته مستقرة» وإنما حام حول فكرة «حال مستقر» وهذا مفهوم جدا ومقدرة أسبابه جدا. وأذكر في ذلك اليوم أنني اخترت للجريدة عنوانا مقتبسا من بيت شعر شهير جدا للمتنبي «المجد عوفي إذ عوفيت والكرم» وأنا أعرف أن السلطان قابوس المعظم من محبي المتنبي ومحبي شعره الجميل. رغم ذلك لم أكن لأستطيع التصديق، أو لم أكن لأستطيع التصور. كيف يمكن أن يرحل ولا يعود أبدا. كيف يمكن أن يظهر نعيه للأمة في الأخبار، أي مذيع ذلك الذي سيستطيع قراءة مثل هذا البيان!! وقبل ذلك أي طبيب يستطيع أن يقول للمتحلقين حول العيادة السلطانية في بيت البركة أن كل شيء قد انتهى ولا بقاء إلا لله. كيف استطاع نقل الخبر، وكيف استطاع التعاطي مع قراءات الأجهزة التي كانت تشير إلى توقف وظائف الأعضاء الواحد تلو الآخر. كيف عاشوا تلك الساعات الكئيبة والحزينة ووجوههم في وجهه الراقد بسلام. في المسافة التي قطعتها عائدا لمسقط فور سماعي خبر «الطوارئ» تراءت أمام عيني تفاصيل «البطل» الذي أدار معاركه منذ الساعة الأولى لتوليه مقاليد عرش عُمان وإلى لحظة رحيله بالحكمة قبل القوة، وبالرحمة قبل السخط والشدة. تراءت لي مشاهد حياته في بناء عمان كلها، وأشهد الله أنها مشاهد مشرفة تليق به وتليق بعمان. مرّ ذلك المساء كئيبا وقاسيا ولا يشبه أي مساء من مساءات مسقط. ورغم التكتم الشديد على الخبر إلا أنه تسرب عبر التجهيزات المصاحبة لحدث عظيم كهذا الحدث، ولحشد عسكري لا مثيل له في عُمان أبدا. ولتجهيزات أخرى تدور في مكان آخر تتحدث عن استعدادات لتنصيب سلطان جديد مع إشراقة شمس الصباح. بعض التسريبات كانت شديدة الوضوح وبعضها اكتنفه الترميز. كل التفاصيل حولي كانت تقول «انتهى الأمر» ولكن من يستطيع أن يقنعني ويقنع العمانيين الذين رأوا ما رأيت أن أمرا كهذا يمكن أن ينتهي فعلا، من يستطيع أن يواجهنا بالحقيقة مباشرة فنصدقها؟. ولأنني أسكن في منطقة قريبة جدا من مقبرة الأسرة الحاكمة فقد قررت أن أخرج لأرى ما يحدث في مسقط عند منتصف الليل. كان الكثير من الأسباب تدعوني للخروج رغم الخوف من صدمة الحقيقة: لم أرد لذاكرتي، وأنا صحفي، ألا ترصد تفاصيل حدث عظيم كهذا بشكل مباشر، لكن، أيضا، كان في نفسي بعض رجاء ألا يكون الخبر كما يتسرب لي.. وأن يكون كما قالت والدتي لحظة سمعت أن أبناءها الأربعة الذين يعملون في الجيش قد طلبوا لمراكزهم بعد أن أعلنت حالة الطوارئ وقال قائل لحظتها «إما أنها الحرب أو أن السلطان قد مات!» فردت بعفوية محب «يا رب تكون حرب ولا يكون السلطان مات!» لم تفكر في تلك اللحظة في أبنائها الأربعة الذين سيخرجون لقتال مجهول، كان تفكيرها في حياة «السلطان». توجهت باتجاه المقبرة قادما من الأنصب فهالني منظر عشرات الآلاف من الجنود ومئات الآليات العسكرية التي انتشرت في المحيط، واصطفت على الطريق المؤدي من المقبرة إلى جامع السلطان قابوس الأكبر. كان الجو باردا جدا ورياح نشطة تهب وتكاد تجمد الجميع، رغم ذلك فإن المشهد كان كفيلا بأن تتصبب بسببه قطرات العرق وتنهد قوى هذه الجموع الجبارة من جيش السلطان. ذهبت إلى الدوار الموصل إلى كتيبة التدريب ثم من هناك إلى جامع السلطان قابوس الأكبر.. كان الأمر واضحا جدا، في تلك اللحظة، ولا لبس فيه ولكن من يقنعنا.. من يقنعنا أن ما تراه عيوننا حقيقة وليس كابوسا، من يقنعنا أن الحبيب قد رحل فعلا. وصلت الأنباء بكثير من الكتمان أن موعد إعلان البيان سيكون الساعة الرابعة فجرا. كان الوقت يمر بطيئا وخانقا، وعشرات الأصدقاء يسألون عن حقيقة ما يحدث.. كان الصمت حاضرا ولكن رؤية الطريق من الجامع إلى المقبرة دعتني للرد على بعضهم ببيت أبي مسلم البهلاني في رثاء الإمام نور الديني السالمي «نكسي الأعلام يا خير الملل، رزئ الإسلام بالخطب الجلل». عند الساعة الرابعة صباحا ظهر شريط أحمر على شاشة التلفزيون مكتوب عليه «عاجل» لكن سرعان ما اختفى، وظهر ثانية واختفى. وعند الساعة الرابعة وأربع دقائق ظهر المذيع وشريط مكتوب عليه «نعي صادر من ديوان البلاط السلطاني». كان المذيع أحمد حافظ العامري يقرأ البيان برباطة جأش، ولكن بحزن عميق واضح جدا في صوته وملامحه وهو يقرأ «إلى أبناء الوطن العزيز في كلّ أرجائه، إلى الأمتين العربية والإسلامية وإلى العالم أجمع.. بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، وببالغ الحزن وجليل الأسى ممزوجين بالرضا التام والتسليم المطلق لأمر الله ينعي ديوان البلاط السلطاني المغفور له، بإذن الله تعالى، مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور.. الذي اختاره الله إلى جواره مساء يوم الجمعة...» توقف المشهد أمامي عند هذه اللحظة ولم أستطع رؤية الشاشة، أو سماع بقية البيان، وكأن كل فلول ظلام الكون قد تنزّلت في تلك المساحة التي كنت أقف فيها. ........ ........... في الصباح لم تكن عُمان وحدها التي تبكي قابوس، ولم تكن أعلام عُمان وحدها التي نكست حزنا على الخطب الجلل. وكان الجميع يسأل في اللحظة التي نقل فيها التلفزيون إنزال جثمانه الطاهر في القبر «مادتْ بنا الأرضُ أمْ مادتْ رواسيها؟». وبقيت أياما لا أستطيع أن أصدق، ولأيام أخرى لا أستطيع أن أتصور أن ما سمعته وما رأيته كان صحيحا.