إميل أمين -
يكاد العنوان المتقدم أن يسبب حالة من الانكار لدى القارئ الذي له الحق في الحيرة والتساؤل: هل ألمانيا غير ديمقراطية بعد؟
وإذا كان ذلك كذلك فما الذي كانت تصنعه طوال نحو ثمانية عقود منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وزوال نظام النازي، والترقي عبر درجات الحكم لتضحى ألمانيا نموذجا حقيقيا للديمقراطية في العالم الغربي، نموذج تأكد للعالم أجمع بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وانفلات ألمانيا الشرقية من قبضة السلطة الشمولية، ثم التوجه من جديد إلى إعادة توحيد الدولة الألمانية التاريخية بشرقها وغربها مرة والى الأبد.
على أن حديث الديمقراطية في الداخل الألماني ليس حديثنا وإنما في واقع الحال هو حديث الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، والذي أشار الأسبوع الماضي في مجال تعليقه على حادث مدينة هاناو العنصري إلى أن المجتمع الألماني مدعو للدفاع بشكل فعال عن الديمقراطية، ومعتبرا ما حدث في تلك المدينة الألمانية بمثابة هجوم على الحرية.
هل الديمقراطية الألمانية في خطر؟
ومن أين تتأتي مثل هذه الخطورة؟
ثم كيف استطاعت ألمانيا - وهذا هو الأهم - الوقوف في وجه الديكتاتوريات العاتية عقود طوال تصل إلى الخمسة، واليوم يأتي الرئيس الألماني ليتحدث عن الحاجة إلى العودة إلى الديمقراطية وكأن ألمانيا تواجه عقبات في هذا السياق الأمر الذي يبدو مستغربا، غير أنه وقبل مناقشة السبب وراء تلك الردة الديمقراطية أن جاز التعبير، فإن من حق القارئ أن نذكره بما حدث في مدينة هاناو الألمانية.
باختصار غير مخل صحت ألمانيا على حادث إرهابي عنصري بغيض، إذ قام مسلح عنصري يبلغ من العمر 43 عام بإطلاق النار على مقهى للأرجيلة في المدنية غالبية زواره من الأكراد والأجانب، ولاحقا قتل والدته المسنة التي تبلغ 72 عاما ثم انتحر.
لم يكن ضحايا مقهى هاناو هم الأوائل من نوعهم في هذا السياق، فقد بدأت مسيرة الآلام الألمانية مع العنصرية والتطرف منذ العام 1990 وقد كان الأنجولي «آمادو أنتونيو كيوا»، أول ضحايا ذلك العنف حين هاجمته مجموعة من النازيين الجدد في 24 نوفمبر، وقتله المهاجمون ومثلوا بجثته هل كان الألمان ضحية أم جناة؟
بالقطع نحن لا نسعى لتبرير ما جرت به المقادير، من حوادث عنصرية رهيبة وإنما نحاول أن نساءل عن سر ما جرى، وهل في الأمر علاقة بنظرية الكبت والإسقاط في علم النفس الشهيرة؟
الشاهد وبحسب بعض علماء النفس والاجتماع فإن المهزوم يقتدي بالمحتل وبالقاهر، وقد كان ابن خلدون من أوائل من أشاروا إلى تلك الإشكالية.
هنا يمكن القطع أن عقود الضغط والشمولية السوفييتية قد ولدت ولاشك رغبة دفينة في الانتقام لم تكن بادية على السطح، غير أنه ومع زوال العامل الضاغط المتمثل في الاتحاد السوفييتي، بدا وكأن ألمانيا تعاود قراءة أوراقها القديمة.
هناك نقطة مثيرة وخطيرة وفيها من تأمل أحداث الماضي ما يلقي بتبعاته على الحاضر بقوة، والسؤال هنا: هل هي عودة ألمانيا الشعبوية للانتقام من جديد من كل القوى الخارجية التي أذلتها وسحقت كرامتها بعد الانكسار الذي أصيبت به في الحرب العالمية الثانية؟
المؤكد أن أحداث ألمانيا العنصرية الآنية، تكاد تقطع بأن ما حدث في الحرب العالمية الأولى يكاد يحدث مرة أخرى في حاضرات أيامنا، فقد كانت الهزيمة المزلة، والاتفاقيات المهينة، التي أجبر الألمان على توقيعها سببا مباشرا في الوصول إلى الحرب العالمية الثانية ومحاولة ألمانيا الانتقام من الجميع في الحرب الكونية الكبرى الثانية.
كان عام 1990 يمثل نهاية فترة في تاريخ ألمانيا، ومعنى زيادة حوادث العنصرية على النحو الذي نراه عبر ثلاثة عقود من 1990 وإلى 2020، هو أن الألمان كانوا ولا يزالوا غير راضين عما جرى لهم، وهناك في الأفق ما يشير إلى أن مسألة العنصرية وتصاعدها تكاد تخفي وراءها ما هو أشد قسوة وخطورة، أنها رغبة الانتقام من الآخر التي تختبئ تحت الجلد الألماني، وها هي تطفو على السطح مرة أخرى. تبدو ألمانيا اليوم أمام استحقاق يطالب به الكثير من أبنائها وحتى في الأوساط المعتدلة، استحقاق مفاده أن ألمانيا قد دفعت طويلا وكثيرا أكلاف الحرب العالمية الثانية، وأنه حان الوقت لتعود شمسها تسطع مرة أخرى حول العالم، لكن عن أي سطوع نحن نتحدث؟
هنا يقول قائل ألا يكفي ألمانيا إنها باتت قلب أوروبا الاقتصادي النابض، وأنها قاطرتها المحركة لها باعتراف جميع الأوروبيين، ومن غير أي قدرة على الإنكار، حتى وإن كانت فرنسا هي المحرك السياسي الأكبر والأهم بصوة أو بأخرى؟
الشاهد أن الألمان غير قانعين بالدور الاقتصادي، وباتت هناك رؤية مؤداها أنه من حق الألمان أن تكون لهم قوتهم المسلحة الخاصة بهم، وهذا أمر في واقع الحال يكاد يزعج الأوروبيين والأمريكيين على حد سواء.
أما الأوروبيون فإنهم يخشون من اللحظة التي تعود فيها ألمانيا إلى قوتها السابقة، وحتى بعد الاتحاد الأوروبي لا تزال هناك هواجس تشاغب العقل الأوروبي من القوة الألمانية.
أما على الجانب الأمريكي فتبدو واشنطن وان لم تظهر ذلك بشكل مباشر غير راضية على الأداء الألماني والصعود القوي والكبير المؤسس على رؤى قومية ألمانية لها جذور عميقة.
هنا يمكن للمرء النظر إلى الطريقة التي تتعاطى بها أمريكا مع ألمانيا، وحتى قبل وصول ترامب إلى الحكم، فعلى سبيل المثال هناك إشكالية كبيرة بين الألمان والولايات المتحدة الأمريكية حول رصيد الذهب المخزن في الداخل الأمريكي والذي تجاوز الخمسين طن ذات مرة في سبعينات القرن الماضي، والذي لا تريد واشنطن إعادته للألمان، بل أن البعض في ألمانيا قال إن واشنطن تمنع الخبراء والاقتصاديين الألمان من الاطلاع عليه.
ومع مجيء الرئيس ترامب إلى سدة الرئاسة الأمريكية بدا وكأن المشهد قد ازداد تعقيدا من خلال الرسوم الجمركية والضرائب التي ذهب ترامب في طريق فرضها على الألمان بحجة إقرار نموذج عادل من التجارة الحرة بين الجانبين.
في هذه الأجواء يمكن للمرء أن يتأمل وجهات النظر القومية الألمانية لا سيما المتطرفة منها والتي ترى أن الألمان كانوا ضحية في الماضي، وها هم مرة أخرى يقتربون من أن تهدر حقوقهم على المستوى العالمي مرة جديدة، وعليه فانه يتوجب عليهم مواجهة ومجابهة كل من يترصدهم.
هل كان ذلك احد الأسباب التي أدت إلى التنامي المخيف لتيارات اليمين الألماني على مختلف مسمياتها؟
الشاهد انه يتوجب علينا أن نميز بين نوعين من أنواع التيارات الألمانية المتشددة فهناك على أقصى اليمين الجماعات المغرقة في التطرف والسرية، وهذه ترى أن العنف المسلح هو أفضل الطرق للحفاظ على حضورها ولمواجهة الأجانب بنوع خاص، والتيار الثاني هو ذاك اليمين الذي يسعى لتحقيق أهداف إعادة التفوق الألماني ولكن عبر القنوات السياسية الرسمية.
النوع الأول يتمثل في حركات مثل بيجيدا، ومختلف مجموعات النازيين الجدد، وهؤلاء لهم قصة تحتاج إلى قراءة مطولة مرة ثانية، لا سيما فيما يخص تقاطعاتهم وتجاذباتهم مع قضية الإسلاموفوبيا بنوع خاص، اذ يعتبرون من المصابين برهاب الإسلام، واعتبار أن كل مسلم إرهابي أو في احسن الأحوال مشروع إرهابي لم يكتمل بعد ولهذا فانه يجب قطع الطريق عليه كي لا يكمل مسيرته.
ضمن مسيرة الإسلاموفوبيا التي ولدت في إذهان الكثيرين من الأوروبيين، فان هناك إشكالية أخرى تطل برأسها من الشباك وتجعل ألمانيا العنصرية تمضي في طريق بعيد عن الديمقراطية، إشكالية «أسلمة أوروبا»، أي أن هناك من المسلمين من يود ويتطلع لان يجعل أوروبا قارة مسلمة عن بكرة أبيها، وهذا أمر يستدعي أطياف وهواجس من القرون القديمة ويوقظ مشاعر صراع الحروب الدينية في القرون الوسطى.
هنا يمكن القول إن ألمانيا بالفعل تدخل دائرة أخرى غير الديمقراطية، فالأخيرة هذه تقوم على أسس واضحة من المساواة والمواطنة، ولا تقيم وزنا لفكرة الانتماءات الدينية أو الأيديولوجية، لا العرقية ولا النوعية، فالجميع سواسية أمام القانون وهذا ما يجعل دولة المواطنة هي السائدة.
من هنا أيضا يمكننا أن نعرف لماذا كان الرئيس الألماني شتاينماير يشدد في كلمته على أن كل شخص لديه نفس الكرامة ونفس الحقوق ولا يوجد مواطنون من الدرجة الثانية، وأن جميع المواطنين لهم الحق في أن يتمتعوا بحماية الدولة لهم، وإنه ليس هناك أي تدرج في المواطنة.
حاجة ألمانيا إلى مراجعة أوراق الديمقراطية تتأكد عندما نرى حزب البديل من اجل ألمانيا المعروف بتوجهاته اليمينية المتشددة والذي حاز في الانتخابات البرلمانية الألمانية الأخيرة على قرابة المائة مقعد في البرلمان الألماني «البوندستاج»، وربما تضحى حظوظه أوفر في الأعوام القادمة إذا استمر المد اليميني على هذا النحو، ما يعني أن ألمانيا ومن جديد قد تضحى فريسة لقولى التغيير الراديكالية التي تمضي معها الديمقراطية إلى الوراء طويلا كثيرا جدا، نقول تتأكد عندما يرفض الحزب اتهامه بالعنف ويقلب الطاولة على المنافسين... ما معنى ذلك؟
الشاهد انه بعد حادثة هاناو رفض حزب البديل من أجل ألمانيا المتطرف بشدة أي اتهامات موجهة له بالعنف.
هذا الرفض جاء وسط إشارة نواب الحزب إلى الانقسام الحاصل في الدولة، موضحين أن الأحزاب الأخرى هي المسؤولة عنه.
أنصار وكوادر حزب البديل من أجل ألمانيا عبر عنهم السياسي بالحزب «جوتفريد كوريو»، بالقول: إن دافع الجاني في هجوم «هاناو» ليس واضحا، ومضيفا كان أمرا مجنونا أن يتم إلقاء اللوم على حزب البديل...
رجل حزب البديل يرى أن... مشعل الحرائق الفعلي يتهم من ابلغ عن الحريق... ما الذي يفهم من الحديث السابق؟
باختصار غير مخل تبدو روح ألمانيا منقسمة في ذاتها، وتبدو الأحزاب اليمينية السياسية الألمانية ماضية بخطط دقيقة وحثيثة نحو الإمساك بعنق السلطة عما قريب، ما يعني أن أفق الديمقراطية الألمانية الغريبة يلوح بعيدا فيما تقترب ألمانيا من سياقات تذكر بالماضي الذي يحاول جموع الألمان نسيانه منذ زمان وزمانين لكنه الماضي الذي يطارد الحاضر رغما عنه.