على مدى العقود الماضية عاشت منطقة الشرق الأوسط على صفيح ساخن لا يكاد يبرد حتى يشتعل من جديد. وشهدت المنطقة تبعًا لذلك الكثير من المتغيرات، وظهرت فيها الكثير من التيارات الفكرية والسياسية الأمر الذي انعكس على ظهور حركات أصولية وراديكالية متشددة اتخذت من الدين مطية ومن التشدد المذهبي والعنصري موقفًا أثر على بناء المجتمعات واستقرارها وجعل تفكيرها في حالة من الالتباس ومن التشتت الذهني. ورغم أن السلطنة كانت محاطة بكل هذه المتغيرات بحكم الموقع وما انعكس عنها إلا أنها بقيت محصنة عن تسلل هذه الأفكار المتشددة إلى داخلها ولم تستطع التأثير على العمانيين أو الاقتراب من ثقافتهم. فلم يكن فكر الحركات المتشددة سواء للقاعدة أو داعش أو غيرها من الحركات الراديكالية أي حضور في عُمان وهذا الأمر كان مثار الكثير من التساؤلات والكثير من الاستغراب خاصة لمن لا يعرف المجتمع العماني في عمقه وفي تاريخه. والحقيقة التي تستحق أن تقال إن الثقافة العمانية وقيمها كانت عبر التاريخ مُحصِّنًا حقيقيًا للعمانيين، وهي ثقافة متسامحة وقادرة على تقبل الآخر ولم تكن في يوم من الأيام ثقافة تحزبية أو إقصائية الأمر الذي انعكس على الناس وتفكيرهم في التعامل مع المتغيرات التي تحدث حولهم. وإذا كان هذا أمرًا تراكم عبر التاريخ ودخل في جينات العمانيين فإن العدالة الجنائية وسيادة القانون وتجريم التشدد والغلو في كل شيء كل ذلك ساهم في صناعة الشخصية العمانية المتسامحة والمتزنة. وكانت القوانين التي صدرت في السلطنة على الدوام نابعة من عمق ثقافة المجتمع وقيمه الدينية والإنسانية فساعدت على تكريس المكرس في الثقافة العمانية، وتسييجه بالقوانين. وهذا ما يعرفه الجميع اليوم عن عُمان وعن شعبها وعن قوانينها. وهو ما يطرح في كل المناسبات ويعرف العالم أنه نابع من حقائق. وفي كلمتها أمام مؤتمر الأمم المتحدة الرابع عشر للعدالة الجنائية أكدت السلطنة على هذه المبادئ وهذه القيم وزادت أن قانون الجزاء العماني يجرّم جميع أشكال العنف والترويج لكل ما يثير النعرات أو الفتن أو الشعور بالكراهية أو الفرقة، ويؤكد على النهوض بسيادة القانون، وتعزيز التعاون الدولي لمنع الجريمة ومكافحتها، وتعزيز مؤسسات إنفاذ القانون، وإقامة شراكات متعددة الأطراف مع القطاع الخاص والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية والعلمية. وستبقى كل هذه القيم مشكلة للشخصية العمانية البعيدة كل البعد عن التطرف والغلو والكراهية والمتمسكة بقيمها المستدامة من الثقافة العمانية الأصيلة والمسيجة بالقوانين الحديثة.