سليمان المعمري
في عام 2005 كتبتُ مقالًا عن رجل أوكراني بسيط لم ينم منذ عشرين عامًا اسمه فيودور نستيرشوك، كنتُ أحسده فيه على فائض الوقت الذي لديه، وهو بالكثير ثماني ساعات في اليوم (هذا إذا اعتبرنا أنه في حالته العادية سيكون من أولئك الصنف من البشر الذين ينامون بشكل جيد). بل إنني في نهاية ذلك المقال لم أتورع عن تقديم نصائحي المجانية لذلك الرجل الذي لا ينام، بما يمكن أن يفعله بهذا الوقت "الفائض عن حاجته" الذي منحه الله له. لم أكن أتصوّر أن يأتي عليّ يوم تكون فيه لدي ساعات نستيرشوك الثماني وربما أكثر. ومع ذلك لماذا لا أشعر بالسعادة؟. ربما لأن هذه عزلة منزلية إجبارية لم أخترها، مثلما لم يختر فيودور استيقاظه الدائم الذي يمنعه من الأحلام. فالعزلة كما يقول محمود درويش هي "اختيارُ المترَف بالممكنات، هي اختيار الحر"، وأنا لستُ حرّا الآن.
الدرس الأول إذًا هو الانتباه إلى قيمة الوقت القصير الذي نملكه، فهو أهم من الوقت الطويل الذي يحيط برقبة أيامنا كحبل ويحاول خنقها. الوقتُ القصير مبارَكٌ لأنه واضحٌ وصادق، لا يكِلنا إلى الملل، ولا إلى الاتكالية، ويجعلنا نركِّز فيما نود إنجازه خلاله. أما الوقت الطويل فهو مخاتِل، مخادع، ثعلب ماكر مجبول على اللف والدوران، صحراء شاسعة شديدة الحرارة تنظر منها وأنت حافٍ إلى آخر الأفق بحثًا عن ظل شجرة، أو كوخ صغير يقيك الشمس الحارقة، بلا جدوى.
ومع ذلك، فالإنسان متأقلم بطبعه، خاصة إذا كان كائنًا "بيتوتيًّا" مثلي. أعني أنه يمكن تمزيق هذا الوقت الطويل إلى أوقات قصيرة، تماما كما يمكن أن نمزّق ثعبانًا طويلًا إلى مِزَق عديدة ونوزّع كلًا منها في اتجاه. ولذا، فقد صار ممكنًا ليومي أن يكون ممتلئًا بأعمال كثيرة ما كان وقتي القصير السابق -بسبب الانهماك في العمل من جهة، وإمكانية الخروج من البيت من جهة أخرى- ليسمح لي بإنجازها مجتمِعةً في يوم واحد: أقرأ كتبًا جميلة أحبها، ورقية وإلكترونية، أرقص على آلة المشي ساعة في اليوم، وأحيانًا ساعتين، وأثناء ذلك أتابع أخبار الكورونا المحلية والعالمية بآخر تحديثات الإصابات والوفيات، لينطبق عليّ قول الشاعر "أجمع أخبار القتلى وأمشي دون عناء"، أراجع مخطوطات كتب لي ولأصدقائي على أمل أن تكون جاهزة بعد أن ينتهي هذا الكابوس. أشاهد أفلامًا عالمية في نتفلكس، وعربية في اليوتيوب، وفي المساء أجلس عدة ساعات مع أبي الذي لا يستطيب مشاهدة التلفاز إلا برفقة أحد أبنائه. وألعب الـ"أونو" مع شهد وعلي وعهد، وأنهزم أمامهم رغم أنهم أطفال. ويتخلل ذلك طبعًا بعض العمل عن بُعد، بسماع هذا البرنامج الإذاعي قبل بثه، أو كتابة ذلك البرنامج قبل تسجيله. أنام باستمتاع. نعم. بتُّ أستمتع بالنوم أكثر لأنني لا أفكّر في أن عليّ أن أكون في الاستديو في الساعة الفلانية. وعرفتُ أهمية البطء؛ ذلك الذي كنتُ أذمه سابقًا بسبب وقتي القصير. الآن بات لدي فسحة من الوقت لأتأمله، وأكتشف سجاياه التي كانت مختفية تحت قشرة اللهاث اليومي، كم كان مظلومًا هذا البطء النبيل الذي كان يتوسّل إلينا أن نستمتع بالحياة ولم نكن نصغي إليه، الآن بتنا، هو وأنا، صديقَين حميمَيْن، وصار يحثّني على أن أمضي وقتًا أطول في أي عمل أنجزه، بما في ذلك الاستحمام.
ومع ذلك، ورغم أنني –كما سردتُ- صرتُ أنجز أعمالًا يومية أكثر من السابق، إلا أنني مازلت أتطلّع إلى ذلك اليوم الذي تعود فيها حياتي ممتلئة كما كانت؛ أستطيع أن أتمشى على شاطئ البحر دون خوف من نسمة هواء "مُفَيْرَسة"، أن أتغدى مع صديقي في مطعم دون النظر إلى بعضنا البعض بارتياب، أن أستضيف مثقفًا في الإذاعة وأُجلسه بجانبي في الاستديو في مسافة تقل عن متر واحد، أن أزور جدتي راية وأقبّل رأسها دون تخوّف من إيذائها، أن أعود إلى الحلاق كوشوم في الردة وأعفي أخي حمدان من مهنته كحلاق أسبوعيٍّ طارئ لي ولأبيه، أن أسافر وأُحلّق في سماوات الله الواسعة، بلا خوف من فيروس صغير قلب حياتنا رأسًا على عقب.