بن شابمان- الإندبندنت - ترجمة قاسم مكي - بالنسبة لصناعة النفط الأمريكية سيكون المستقبل كئيبا مع توقع إعلان عشرات الشركات إفلاسها، خصوصا شركات النفط الصخري المستقلة، خلال الشهور القادمة. (شركات النفط المستقلة، بخلاف الشركات المتكاملة، تحصل على إيراداتها من الإنتاج ولاتعمل في التكرير والتسويق- المترجم). تهاوى سعر النفط الأمريكي وصار «سالبا» لأول مرة يوم الاثنين 20 أبريل. وهو ما يعني أن المنتجين راغبون في التخلص من النفط بدفع مقابل لمن يشترونه منهم. تدنَّى سعر النفط القياسي الأمريكي غرب تكساس الوسيط إلى 40 دولارا دون الصفر للبرميل. كيف يمكن أن يحدث هذا؟ وأهم من ذلك، لماذا؟ هبط هذا السعر القياسي للنفط الأمريكي بمعدل أعلى وأسرع من أي وقت آخر في تاريخه بفعل جائحة كورونا. وكان سعر نفط غرب تكساس الوسيط يزيد عن 50 دولارا للبرميل قبل اندلاع الجائحة ثم تراجع بشدة مع هبوط الطلب العالمي على النفط بما يساوي الثلث. لماذا؟ لقد ألغيت رحلات الطيران ولَزم الناسُ بيوتَهم وأُغلِقت أجزاء كبيرة من الاقتصاد كانت تستخدم قدرا كبيرا من الطاقة، كل ذلك يعني طلبا أقل على النفط. لكن إمداد (عرض) النفط لم يهبط بنفس سرعة هبوط الطلب،وكانت البلدان المنتجة للنفط قد وافقت في وقت سابق من هذا الشهر على خفض جماعي للإنتاج العالمي بمعدل لم يحدث من قبل بلغ 10 ملايين برميل في اليوم أو حوالي 10%، غير أن الطلب انخفض بحوالي 30 مليون برميل في اليوم أو نحو ذلك، وهو ما يعني أن هنالك نفطا (في السوق) يزيد كثيرا عن حاجة العالم. لكن يجب أن تكون لهذا النفط (الفائض) قيمة ما، لماذا يدفع جهة ما أموالا للتخلص من نفطها؟ لقد تراجع الطلب وظل العرض ثابتا، ولايمكن، ببساطة، وقف ضخ النفط من البئر كما يغلق أحدهم صنبور الماء. فإغلاق البئر يكلف أموالا أكثر من فتحها مرة أخرى، لذلك يضطر منتجو النفط إلى الحفاظ على تدفق الإنتاج حتى إذا كان ذلك يشكل خسارة لهم، بل قد تدفعهم الحال حين تسوء إلى أن يدفعوا أموالا لشرائه (كي يتخلصوا منه). كثيرا ما يقال إن النفط يوجد في «خزانات» أو «برك»جوفية. وهذا ما يعطي انطباعا خاطئا بأن النفط يسبح في تجويفات كهفية تحت الأرض وأن المطلوب فقط هو تحديد موقعها واستخراجه. في الحقيقة توجد الترسبات النفطية غالبا في تجويفات دقيقة تتخلل الصخور المسامية، لذلك يجب الضغط باستمرار على هذه الترسبات لإخراج النفط من البئر، وهذا يكون عادة سهلا في البداية عند حفر البئر لأن الضغط يمكن أن يكون بطبعه مرتفعا وينتج عن ذلك اندفاع قوي للنفط على النحو الذي نشاهده في أفلام هوليوود. لكن مع نضوب البئر يصبح الضغط المطلوب لاستخراج النفط اكثر صعوبة وتكلفة ، ويحتاج استئناف الضخ مرة أخرى من الآبار القديمة أو حفر أخرى جديدة إلى وقت ويضيف تكلفة جديدة. الأهم من ذلك أن النفط بعد خروجه من جوف الأرض لايمكن ببساطة ركنه إلى جانب البئر، فهو يحتاج إلى بنية أساسية من الأوعية التخزينية مثل خطوط الأنابيب وناقلات النفط ومصافي التكرير والمستودعات، ولأن الطلب هبط بسرعة لكن الإنتاج انخفض بسرعة أقل ، سرعان ما امتلأت هذه المنشآت التخزينية بالنفط. يملك منتجو النفط البحري أو من ينتجونه قريبا من الساحل خيار التخزين في ناقلات النفط وهي متحركة وتوجد بها سعة (طاقة) تخزينية كبيرة، لكن منتجي النفط في الداخل بمن فيهم منتجون عديدون في الولايات المتحدة ليس لديهم هذا الخيار، وهو ما يعني ان خطوط الأنابيب والمستودعات تمتلئ بسرعة، هذا يفسر إلى حد بعيد سبب الاختلافات الكبيرة في السعر بين النفط الأمريكي مثل نفط غرب تكساس الوسيط وانواع النفط القياسية الأخرى بما في ذلك «برنت». لقد تراجع سعر نفط برنت إلى أقل من 18 دولارا يوم الثلاثاء الماضي وهو أعلى من سعر غرب تكساس الوسيط لأنه لاتزال هنالك سعة تخزينية متوافرة له. بالمقارنة، حسب بلومبيرج، ارتفعت الإمدادات بنسبة 48% إلى 55 مليون برميل منذ نهاية فبراير في المركز الرئيسي لتخزين وتسليم النفط بالولايات المتحدة حيث يتم الوفاء الفعلي بعقود الشراء (المستقبلية) المتداولة في البورصات. عند هذا المعدل سيمتلئ هذا المركز الذي يقع في كوشينج بولاية أوكلاهوما الأمريكية عن آخره خلال أسابيع، وهو ما يعني أنه لن يكون هنالك مكان يذهب إليه النفط المستخرج من آبار أمريكية عديدة. بخلاف الخصائص الفيزيائية للنفط هنالك خاصية في أسواق النفط تدفع بالأسعار إلى ما دون الصفر، تداول النفط يتم في الغالب بعقود مستقبلية، وهي اتفاقيات تُعقَد بين طرفين يوافق أحدهما على سداد ثمن عدد محدد من البراميل للطرف الآخر على أن يتم تسليمها في مكان معين ويوم محدد، أو على بيع كمية محددة بسعر محدد في يوم محدد. هذا العقد يسمح للشركات بتثبيت سعر معين والتحوط من تذبذب الأسعار(ويسمح للمضاربين بالاستفادة)، لكن مع تدهور السعر وامتلاء أوعية التخزين لا يريد أي أحد في السوق أن يتورط بالاستلام الفعلي للنفط حينما لايكون هنالك مكان لتخزينه. كان يوم الثلاثاء الماضي هو الموعد النهائي لسريان العقود المستقبلية التي يُسلَّم بموجبها النفط في شهر مايو، وبحلول وقت التسليم العيني للنفط الذي تم شراؤه بهذه العقود من المرجح أن تكون المستودعات مملوءة، وهذا ما بّثَّ الذعر في نفوس بعض المتداولين ودفع بالسعر الى ما دون الصفر، وربما ما هو أكثر إثارة للقلق أن العقود المستقبلية لشهري يونيو ويوليو تتهاوى أيضا مما يوحي بأن السوق لن تشهد تحسنا في أي وقت قريب. ماهي دلالات ذلك في الأجل الطويل؟ بالنسبة لصناعة النفط الأمريكية سيكون المستقبل كئيبا مع توقع إعلان عشرات الشركات إفلاسها، خصوصا شركات النفط الصخري المستقلة، خلال الشهور القادمة، (شركات النفط المستقلة، بخلاف الشركات المتكاملة، تحصل على إيراداتها من الإنتاج ولا تعمل في التكرير والتسويق- المترجم). ويبدو أن مركز أمريكا كأكبر منتج للنفط في العالم، الذي حصلت عليه في عام 2018، يوشك على الزوال. إذا اجتهد منتجو النفط الأمريكيون كما يتوقع بعض المحللين على استعادة عافيتهم بسرعة ستكون لذلك عواقبه الجيوسياسية، فربما لن يكون الأمريكيون حريصين على الاعتماد مرة أخرى على الواردات النفطية من الشرق الأوسط ومن روسيا، وكان ترامب قد ألمح بأنه ربما سيتدخل لدعم منتجي النفط بالولايات المتحدة ماليا أو فرض رسوم جمركية على الواردات النفطية. يواجه منتجو النفط في روسيا قضايا مشابهة لنظرائهم في الولايات المتحدة ويمكن أن تترتب عنها مشاكل كبيرة لموسكو التي تعتمد على إيرادات الوقود الأحفوري (في موازنة الحكومة). من جانب آخر، يتضرر المناخ من النفط الرخيص لأننا نستخدم المزيد منه، لكن بعض المحللين يتوقعون تضرر قدرات صناعة النفط الأجل الطويل من الوضع وأنها ستعاني لاسترداد عافيتها. أيضا، ربما تتردد البنوك وكذلك المستثمرون في ضخ مبالغ ضخمة على استئناف تنفيذ مشروعات كبيرة لإنتاج النفط والغاز في وقت يشهد ضغوطا للتخلص من ثاني أكسيد الكربون في امدادات الطاقة. يتوقع بنك جولدمان ساكس تعافيا اقتصاديا يتخذ شكل الحرف الإنجليزي - وانخفاضا مستديما في انتاج النفط يأخذ شكل الحرف ( الحرف - يعني انخفاضا حادا لفترة قصيرة يعقبه ارتفاع حاد والحرف - يعني تدهورا حادا تعقبه فترة طويلة من انعدام النمو قد تمتد إلى سنوات- المترجم). هذا يعني أن الطلب في العام القادم سيفوق الإمدادات ويقود إلى ارتفاع شديد في سعر النفط ، ومن المحتمل أن يجعل ذلك المواردَ المتجددة أكثر جاذبية، نسبيا، كمصدر للطاقة.