إبراهيم بن خليفة الربيعي - التعلم الذاتي، والتعليم المستمر سمة إنسانية منذ أن وُجد الإنسان على ظهر الأرض، ومارسته الحضارات المتعاقبة في حياتها بطريقة وأخرى. وإن تعاقب الأمم والشعوب على استخدام تلك الأساليب مهَّد الطريق في العصر الحديث إلى نشوء «التعليم عن بعد» ومؤسساته التعليمية المتنوعة، وذلك وفق معطيات عصرية. [الفرا، إسماعيل صالح، 2007]. يُعرِّف [شلوسر، لي آيرز، وسيمونسن، مايكل 2007] «التعليم عن بعد» بأنه: «تعليم نظامي منظم، تتباعد فيه مجموعات التعلم، وتستخدم فيه نظم الاتصالات التفاعلية لربط المتعلمين والمصادر التعليمية والمعلمين سويًا». ورغم أن فكرة «التعليم عن بعد» تبدو وكأنها فكرة جديدة لمعظم التربويين في الوقت الحالي خاصة مع التوجه المحلي والعالمي لتفعيلها والاستفادة منها في ظل الجائحة الوبائية (كوفيد 19)، إلا أن المفاهيم التي تشكل أساس هذا النوع من التعليم تمتد لأكثر من قرن مضى، إذ يُرجع بعض الباحثين جذور «التعليم عن بعد» إلى ما يقرب 160 عامًا على الأقل. [شلوسر، لي آيرز، وسيمونسن، مايكل، 2007]. حيث كانت البدايات عن طريق المراسلات البريدية وهو ما يسمى بـ«التعليم بالمراسلة» والذي يعدُّ أول صيغة للتعليم عن بعد، ثم عن طريق المذياع، وصولًا إلى البث التلفزي الذي تستعرض فيه الدروس والمقررات على الطلبة عبر قنوات وبرامج تلفزية متخصصة، ومن ذلك تجربة جامعة ساوث كارولينا عالميًا، وجامعة القاهرة عربيًا والتي تبث محاضراتٍ متلفزة على النايلسات. ثم جاء استثمار التكنولوجيا الرقمية من خلال الحواسيب والشبكة العالمية للمعلومات لتكون أبرز التقنيات التي يرتكز عليها نظام «التعليم عن بعد». [الدباسي، 2002]، و[سالم وسرايا، 2004]. من خلال التعريف السابق، والعرض التاريخي الموجز لنظام «التعليم عن بعد» يتضح أن هذا النظام التعليمي قائم على نظم الاتصالات التفاعلية التي تطورت مع الثورة التقنية المتعاظمة، فمع تطور الحواسيب الرقمية منتصف القرن الفائت تطورت معها تدريجيًا أنظمة الشبكات لإيجاد آلية فاعلة للربط بين هذه الحواسيب، ومن أنظمة الشبكات المغلقة والمحدودة التي كانت تخدم أهدافًا محددة؛ وصل العالم إلى إنشاء الشبكة العالمية للمعلومات «الإنترنت»، التي حولت العالم إلى مجتمع شبه موحد، متصل مع بعضه البعض، تصل فيه المعلومة إلى أرجاء المعمورة في وقت قياسي، وكان من تطبيقات الاستفادة من هذه الشبكة العالمية هو مجال التعليم بمختلف مستوياته، و«التعليم عن بعد» على وجه التحديد. بالإضافة إلى نظام «التعليم عن بعد» نشأت أنظمة تعليمية مشابهة قائمة على الاستفادة من التقنيات الحديثة بدرجات متفاوتة، كنظام «التعليم المفتوح» الذي يعدُّ أحد التطبيقات العديدة للتعليم عن بعد، إذ إن التعليم عن بعد أعمُّ وأشمل من التعليم الجامعي المفتوح. [الفرا، إسماعيل صالح، 2007].
كإحدى المؤسسات المعنية بالتعليم عن بعد، يحظى مركز التعليم عن بعد بسلطنة عمان بمركز الريادة في هذا المجال، حيث يقدم تجربة تعليمية فريدة وعصرية، يسعى من خلالها إلى تسهيل سبل تلقي العلم بأحدث وأفضل وسائل التقنية؛ للحفاظ على القيم والمثل العليا عن طريق التعليم العالي والبحث العلمي. وقد أخذ المركز على عاتقه تقديم كل ما هو جديد في معطيات هذا النوع من التعليم، فمنذ انطلاقة البرنامج عام 2013 شهد تطويرًا متصاعدًا وملحوظًا للوصول للوضع الأمثل، وبما يحقق الهدف المنشود منه طبقًا لمواصفات الجودة العالمية المتاحة لهذا النوع من التعليم. يجد الزائر للموقع الإلكتروني للمركز [el-css.edu.om] تجربة تصفح سلسة، وتضمينًا واضحًا لمتطلبات القبول، والبرامج المتاحة، والخطة الدراسية، وآلية التعلم. بالإضافة إلى بوابة للطلبة تتضمن تفاصيل تخص كل طالب على حدة، وبكل ما يتعلق بشؤونه الدراسية، إذ تمكن هذه البوابةُ المعلمَ من نشر الدروس والأهداف ووضع الواجبات والمهام الدراسية والاتصال بطلابه، كما أنها تمكن الطالب من قراءة الأهداف والدروس التعليمية وحل الواجبات وإرسال المهام، والمشاركة في ساحات النقاش والحوار، والاطلاع على خطوات سير الدرس والدرجة التي حصل عليها. [الموسى والمبارك، ٢٠٠٥]. وتعدُّ «الفصول الافتراضية» من أبرز الخدمات التي يقدمها المركز للدارسين، حيث تعمل هذه الفصول على توفير بيئة مقاربة ومماثلة للفصل الدراسي النظامي التقليدي، لكن بأدوات ووسائل ووسائط تجوِّد العملية التعليمية بصورة أفضل، ويقدم المعلم من خلالها دروسًا مجدولة بمرونة بالصوت والصورة من أي مكان حول العالم، ويُناقش فيها المادة العلمية بآليات تفاعلية مختلفة، ووسائط توضيحية متعددة، ويستقبل من خلالها استفسارات الدارسين من داخل السلطنة ومن خارجها، ويستمع لاحتياجاتهم واقتراحاتهم فيما يخص العملية التعليمية. وما يميز هذا النوع من التعليم سهولة استدعاء المحاضرات المسجلة بين الطلاب والأساتذة لمن فاته حضور الدروس المجدولة وفق الأزمنة المحددة. كذلك نجد أنه في ناحية الأداء والتقييم فإن برنامج «التعليم عن بعد» يسمح للمسؤولين الإداريين بالولوج للمحاضرات المسجلة بكل شفافية، وبالتالي يمكن متابعة أداء المحاضرين، وتقييم المواد المقدمة من قبلهم. ومع التطور التقني المتسارع فيما يخص الأنظمة التعليمية عمومًا، و«التعليم عن بعد» خصوصًا فإننا نصل إلى نتيجة مفادها أن مسمى «التعليم عن بعد» صار يشير إلى البعد الفيزيائي بين مقدم المعلومة ومتلقيها فقط، إذ أوشكت الفوارق بينه وبين النظام التقليدي على التلاشي، بل صار «التعليم عن بعد» متقدمًا بمراحل على التعليم النظامي في جودة إيصال المادة العلمية واستعراض المقرر، والاستفادة من التقنيات الحديثة في توفير المادة العلمية على مدار الساعة ومن أي مكان حول العالم عبر مختلف الحواسيب والأجهزة الذكية واللوحية.