طارق إمام - «هذه الرواية هي أساساً عبارة عن مذكرات، وإن لم يكن كل ما أرويه دقيقاً من الناحية التاريخية، فذلك بسبب وجود ثغرات في ذاكرتي بعد كل هذه السنوات». بهذه الطريقة قرر الصيني الحائز على جائزة نوبل 2012 مو يان إبرام اتفاق مع قارئ روايته «التغيير»، يقضي بأن النص الذي بين أيدينا ابناً للواقع وليس للخيال.. وبأنه، بالتالي، خاضع لمنطق «صدق الواقع» وليس فقط «معقولية الفن». الرواية التي صدرت ترجمتها العربية مؤخراً عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» بترجمة زينة إدريس «عن الإنجليزية»، تقدم وجهاً آخر للكاتب الذي اعتبرته لجنة جائزة نوبل للآداب أحد أبناء أسرة المزج بين الواقع والخيال. السارد في الرواية يحمل اسم «مو يان»، دون مواربة أو تحريف في الاسم أو قناع يستر قدراً من عورة صاحب الحكاية. السارد إذن هو نفسه المؤلف، والحكاية التي بين أيدينا، بالتالي، ليست أكثر من صفحات انتُزعت من سيرته، قرر أن يكتبها قبل أن يطويها النسيان. في هذه الرواية القصيرة «110 صفحات» يعرض صاحب «الذرة الرفيعة الحمراء» قدراً غير هين من سيرته الحقيقية، منذ اللحظة التي طرد فيها من المدرسة وحتى أصبح كاتباً شهيراً. بين الخروج الإجباري من مؤسسة «الكتابة» الوحيدة في بقعة شفهية بالكامل، وحتى دخولها من جديد من بوابة الأدب، يقطع مو يان رحلة تبدأ روائياً ذات عصر خريفي من العام 1969 وتنتهي عام 2009. وبأكبر قدر ممكن من التكثيف والاختزال، يغطي مو يان التحولات الجوهرية في حياته في مشاهد سريعة وقفزات زمنية. رغم ذلك لا يتخلى الكاتب المولع بالحكي عن هوايته الأثيرة، فينسج حفنة من الحكايات المدهشة القادمة من بئر طفولته لتصحبه، وتكبر معه. ربما إذا كان من بطل تلتم الأحداث على ضفاف وجوده، فإن هذا البطل قد يكون تلك الشاحنة «الغاز 51» التي أسرت طفولة السارد، حتى أنه ظل لفترة غير قليلة يحلم بأن يكون سائق شاحنة، بل ويرى في ذلك مجداً كفيلاً بتعويضه عن جميع مراراته وإخفاقاته. يبدأ مويان من عصر خريفي عام 1969، بعد أن طُرد من المدرسة بتهمة زائفة، بالسخرية من أحد أساتذته. ومن مشهد مركزي، في حصة الإنشاء، يجمع فيه كافة طلاب الصف على حلم واحد: أملهم في العمل كسائقي شاحنات مثل والد لو وينلي، زميلتهم الأجمل في الصف. من هذه الواقعة ينطلق مويان، الذي رأى في سائق الشاحنة التي تتبع الجيش بطلاً ملحمياً، ليسرد قصة انضمامه لجيش التحرير. إن الشاحنة تلعب في رواية مو يان دوراً مهيمناً، فهي، في الأخير، علامة متخمة بتحولات الصين، كأنها معادلٌ للتاريخ الحديث لذلك الوطن نفسه: « قيل لنا إن الغاز 51 كانت شاحنة سوفييتية، من مخلفات عتاد حرب الخمسينيات لمقاومة العدوان الأمريكي ومساعدة كوريا. وكانت ثقوب الرصاص التي خلفتها الطائرات الأمريكية على الصندوق دليلاً على أن الشاحنة مكللة بالمجد. فعندما اشتعلت نيران الحرب، حاربت ببسالة وسط وابل من الرصاص. والآن، في زمن السلم، تثير سحابة من الغبار وهي تذرع الطريق». بعد سنوات، سيخفق مو يان في تحقيق حلمه، ليعوضه باستكمال ما فاته من تعليم، والاهتمام بكتابة القصص. المفارقة المدهشة والمؤلمة، أنه عند بدء تصوير فيلم مقتبس عن روايته «الذرة الرفيعة الحمراء» في قريته، ستظهر الشاحنة من جديد، وقد اشترتها الشركة المنتجة لتقل طاقم العمل، ولاستخدامها في التصوير، معيدة طلاءها، وواضعة على جسدها عنوان رواية مو يان بالبنط العريض! في طيات هذه السيرة اللاهثة، تحضر العديد من الشخصيات الاستثنائية رغم فقرها وعاديتها. هناك «خي دجيوو» الذي يغادر المدرسة بقرار حاسم، يوم حصة الإنشاء نفسها، متدحرجاً ككرة في سلوك استعراضي لا يُصدق. يخرج «خي» متكوماً على نفسه كحشرة من باب المدرسة فاتحاً أبواب العالم، ساخراً من مؤسسة التعليم برمتها، ليصبح في النهاية ثرياً كبيراً من طبقة رجال الأعمال الصينيين، يتاجر في كل شيء وأي شيء. يحول خي إخفاقه في الزواج بلو وينلي الجميلة لنجاح مالي. يشتري فيما بعد شاحنة أبيها دون أن يكون بحاجة لها. إنها طريقته في الانتقام لطفولته والانتقام من ذاكرته.. وعندما تدور الدوائر بالفتاة الجميلة، يخبرها ببساطة أن أقصى ما يستطيع تقديمه لها أن يقبلها كعشيقة. طبقة كاملة يوجزها مو يان في زميل الطفولة الذي اقترض منه عشرة ينات ليرحل باحثاً عن عمل.. عشرة ينات سيتحول بفضلها إلى مليونير في المستقبل. خي نفسه هو من سيبيع الشاحنة فيما بعد لشركة السينما التي تتولى إنتاج فيلم عن رواية لزميله القديم! هكذا تتعامل رواية مو يان مع التاريخ كحفنة من المصادفات القدرية، قادمة جميعها من بئر الطفولة.. فلا شيء يضيع، وإنما تتحول جميع الأشياء لتتخذ مظاهر وأدواراً مختلفة معيدةً تدوير نفسها ووظائفها. المشهد الختامي للرواية يؤكد ذلك.. فأخيراً يقابل مو يان، وقد صار روائياً شهيراً، لو وينلي، حلم طفولته الأخاذ، والتي صارت أرملة شبحية، طلبت رؤيته ليمرر ابنتها في اختبار فني كبير.. يجلسان أخيراً معاً من جديد، على شرف الشاحنة القديمة الغامضة.. ويقبل مو يان مبلغاً من المال، مقابل مساعدته في تمرير الفتاة في الاختبار، منهياً روايته بصدمة أخلاقية غير متوقعة، يسردها، رغم ذلك، ببساطة شخص لا يزال غير مصدق أنه لم يعد فقيراً!