إميل أمين - كاتب مصري -
emileamen@gmail.com -
من بين أهم القضايا المصيرية التي تواجه عالمنا العربي في حاضرات أيامنا، تأتي قضية الوحدة الوطنية، والتماسك الاجتماعي، ولعل الدافع الرئيسي لطرح هذه القضية على هذا النحو في الأوقات الراهنة، ما رأيناه ونراه في السنوات الأخيرة، وفي عدد بالغ من العوالم والعواصم العربية، وقد أدى التنازع الطائفي بها، إلى مصير مؤلم، فما بين الحرب الأهلية، وبين الصراعات الطائفية والمذهبية، تفتت دول عدة، وأخرى من أسف شديد مرشحة للسياقات السلبية ذاتها، وكأن الأمر بات قدرا مقدورا في زمن منظور، وهو في حقيقة الحال ليس كذلك أبدا.
يتوجب علينا بداية التساؤل ما الذي نعنيه بالوحدة الوطنية كما يجب أن تكون وما علاقتها بالدولة المدنية الحديثة، لا بدولة الطوائف أو المذاهب التي عرفتها بعض العصور السابقة؟
من اللفظة نفسها نجد الحديث عن الوحدة، أي عن الاتجاهات التي تجمع، لا تلك التي تفرق، وعن العوامل والمفاهيم التي توحد، لا التي تشتت، فالوحدة تعني تجميع الأشياء في سياق واحد، وعندما تضاف لفظة الوطنية يكون المراد الإشارة إليه هو التجميع والتوحيد تحت مظلة الدولة الوطنية.. هل الاتحاد والوحدة لها مرجع ديني إيماني أولا؟
ربما كان ذلك كذلك بالفعل وهو ما أدركه المسلمون الأوائل ولهذا كان العالم العربي منبع ومنبت حضارة كبيرة عريقة، أثرت العالم وأنارت شمسها على الغرب بنوع خاص خذ إليك الاتحاد والوحدة في زمن الخليفة هارون الرشيد، ذاك الذي ترجم في أيامه النصارى العرب العلوم والآداب والفنون الإغريقية، من اللغة اليونانية إلى اللغة العربية، وكان يقدم وزنها ذهبا، ولم يكن الرشيد ليميز في دولته الإسلامية على أساس الدين أو العرق أو الجنس، بل لعله عرف الطريق إلى مصطلح «المواطنة» الذي ظهر حديثا في أدبيات السياسة الكلاسيكية، في عالمنا المعاصر.
يؤلم النفس جدا أن تتبدل الأوضاع، وتتغير الطباع كما كان يقول المؤرخ الكبير «عبد الرحمن الجبرتي»... ما الذي جرى؟
لعل الناظر إلى تاريخ أوروبا القرون الوسطى وتاريخ العالم العربي في تلك الفترة يدرك عبر مقاربة بسيطة، الأبعاد المحزنة للمشهد، ففي تلك الأوقات كانت الفرقة والعصبية تدب في المشهد المجتمعي الأوروبي الداخلي، وكانت روح التمييز والعنصرية بسبب الدين والإيمان والمعتقد، تمضي قدما، وتاريخ الحروب العرقية والدينية بين الأوروبيين أنفسهم شاهد على ذلك، بل ان جماعات دينية بعينها مثل اليهود، كانوا يجبرون على العيش في حوار وأزقة خاصة بهم تسمى «الجيتو».
في تلك الأوقات البعيدة كانت المجتمعات العربية تعي تماما أهمية حياة الوحدة والانصهار، فلم يكن النظر يجري بحسب الانتماءات العقائدية أو اللونية أو الجنسية، بل كانت بحسب الولاءات للوطن والانتماء إليه، ولهذا امتلأت دواوين الحكام والسلاطين، بالنصارى واليهود، وبكافة الأجناس والأعراق، بل انه في الأوقات التي كان فيها يهود أوروبا بنوع خاص يحرقون ويغرقون، كانت بلدان العالم العربي تشهد أزهى حضور لهم من مصر إلى العراق، ومن سوريا إلى لبنان، ومن المغرب إلى بقية دول شمال المغرب العربي، وهذه حقائق تاريخية لا نداريها أو نواريها.
ماذا يعني ذلك؟
بدون تطويل ممل يفيد بأن دول العالم العربي في تلك الأوقات المزدهرة، قد عرفت ما توصلت إليه أوروبا حديثا من مفهوم المواطنة، القائم على الإخاء والمساواة والعدالة، وبهذا كانت السبيكة الوطنية المجتمعية أو ما تسمية اللغات الأجنبية Social Fabric قوية وصلدة ، قادرة على صد ورد الغزوات الخارجية، فكرية أو عسكرية.. لماذا تحول المشهد إلى الواقع الذي نراه الآن؟
يمكن الإشارة إلى عدة أسباب، في المقدمة منها أن حالة الاهتراء التي أصابت النسيج الوطني العربي الواحد، إنما هي نتاج طبيعي للفشل الذريع في الوصول إلى بلورة مفهوم المواطنة كما يجب أن يكون، ومن هنا بدأت الاختراقات الخارجية الفكرية أولا، والعسكرية ثانيا، ما أدى إلى نوع من تمزق النسيج المشار إليه، ليتم تفتيت المفتت، بل تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ.
لكن الأمانة العلمية والتاريخية الموضوعية يقتضيان منا قبل الحديث عن إشكالية مفهوم المواطنة، وبدون تجاذبات أو تأثيرات لحديث المؤامرة، الإشارة إلى التبعات السلبية التي خلفها الاستعمار الأجنبي في العالم العربي، فقد وضع أسسا للتفرقة، وتبني جماعات أصولية بذاتها، كانت ولا تزال تعمل على شق الصف الوطني، فلم يكن الاستعمار يوما ليقيم وزنا لتلك الدول وشعوبها، بل جل همه كان تحقيق أهدافه البراجماتية، ولذلك ترك ألغاما الطائفية من ورائه، وقبلها جعل من التقسيم الوهمي أحيانا، والظالم أحيانا أخرى للحدود بين العالم العربي، أداة أكبر، أشمل وأعم لجعل الوحدة العربية برمتها أثرا بعد عين.
هل كانت الأعوام القليلة الماضية وبالا على الوحدة الوطنية والطائفية للعالم العربي من داخله؟
الإشارة هنا لا تخطئها العين، والمقصود ولاشك سنوات ما يعرف بـ «الربيع العربي»، والذي أثبتت الأيام لاحقا أنه لم يكن ربيعا بالمرة، ولم تكن له علاقة البتة بالعروبة، بل كان وسيلة خارجية ضمن سياقات الاستراتيجيات العالمية للقوى الكبرى للهيمنة والسيادة علي العالم وهذه قصة أخرى.
لكن جل ما يهمنا في الإشارة إلى تلك الأعوام العجاف التنبيه إلى أن تلاعبا ما جرى بمقدرات المواطنين والأوطان في تلك الفترة، عبر نسج أوهام وأكاذيب آمن بها نفر غير قليل من شباب تلك الأوطان، وها هي النتائج المحزنة، عشرات الآلاف من القتلى وملايين اللاجئين، والمهجرين حول العالم، وكراهيات وعداوات ترسخت في النفوس، مما يجعل التعايش الواحد فيما بعد في حاجة إلى معجزات وليس معجزة ليقبل الواحد الآخر، داخل البلد الواحد، وهو مشهد يختلف عن حال أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، فقد كانت الحروب بين الدول وليست داخل الدولة الواحدة.
على أن ما تقدم ورغم كافة المآسي لا يمكن أن يكون مدعاة لليأس في طريق تعزيز بناء الوحدة الوطنية من جديد في دول عالمنا العربي، وأغلب الظن أيضا أن هذا لن يتحقق إلا من خلال وعي مجتمعي وفلسفي لفكر الوحدة الوطنية، كما آمن بها المفكرون والفلاسفة عبر التاريخ.
فقد اعتقد أبو الشيوعية كارل ماركس أنها تعني القضاء على الصراع والانقسام بين أفراد المجتمع الواحد، أما الفيلسوف والكاتب الفرنسي أرنست رينان، فقد اعتبر الوحدة الوطنية عبارة عن الاشتراك في تراث ثمين من ذكريات العيش المشترك والمحافظة عليها وهو تعريف قريب من طبيعة المجتمع الشرقي البطريركي، الذي يعطي وزنا للماضي بنوع خاص.
فيما يرى الفيلسوف الألماني الأشهر «جورج هيجل»، أن الوحدة الوطنية، هي طاعة القانون في إطار الحرية الممنوحة فيه، على أن يتوافق القانون مع منطق العدل الذي هو منطق التاريخ، بينما يرى فليسوف التسامح الأنجليزي الاشهر «جون لوك» أن الوحدة الوطنية هي قيام سلطة عامة يقبل بها جميع أفراد الشعب وفق إراداتهم الحرة، وبهذا تكون السيادة للشعب.
على أنه مهما يكن من أمر التعريفات النظرية، الفكرية والفلسفية عن الوحدة الوطنية، فإن السؤال الذي لا بد من طرحه بين يدي المشهد الآني... لماذا الحاجة الآن ماسة عربيا وشرق أوسطيا لإعادة ترميم مفهوم الوحدة الوطنية في الداخل؟
في تقدير صاحب هذه السطور، الامر مرده لسببين:
الأول: هو أن ترك الأوضاع العربية الداخلية للتدهور عما هو حادث الآن، سوف يؤدي في وقت لاحق لانهيارات أشد هولا وكارثية، وربما تتشابه وقتها مصائر وأقدار تلك الدول، بقصص شعوب سادت ثم بادت عبر التاريخ، وتحولت من دائرة المجتمع المدني والحصري من الرقي والتقدم، إلى عالم البدائية، حيث الوحشية والهمجية هي العملة السائدة، ولغة الحديث المشترك.
الثاني: هو أنه في عالم من الرأسمالية والعولمة، لا مكان لأي دولة أو شعب يقف نموه الاقتصادي، ونماؤه العقلي، كشرطين أساسيين من شروط النهضة الحقيقية، الدافعة في طريق المستقبل.
والمقطوع به أنه لا نمو اقتصاديا، ولا استثماراتيا ولا مستوى حياة إنسانيا راقيا، دون حالة من السلم الأهلي والمجتمعي، فبقدر تماسك اللحمة والسدى، تكون الانتصارات الاقتصادية، والنهضة المادية، وبضياعها تتردى الأوضاع، وينتشر الفقر، والبطالة والأمية والجهل، لتدور الدوائر من جديد، في خانة الصراعات الطائفية والمذهبية، وضياع الأمل في الغد.
في السطور السابقة أشرنا إلي لفظة «المؤامرة»، ومما لاشك فيه أن إحالة كل الأخفاقات العربية وتحميلها على فكر المؤامرة هو أمر لا يتسق وفعل المبادرة الذاتية الخلاقية، لكن على الجانب الآخر... هل يمكن القطع بأن حديث المؤامرة هو حديث أجوف مفرغ من الحقائق بالمرة؟
الشاهد أن العالم من حولنا لا يستخدم أبدا لفظة المؤامرات، إنما عوضا عنها يتلاعب بالألفاظ عبر كلمة «استراتيجيات» وهذه في عمقها تحمل تقاطعات جذرية مع مصالح الدولة العربية القطرية، كل على حدة مرة، والعالم العربي مجتمعا مرة ثانية، والمحصلة النهائية أبعد ما تكون عن الإيجابية والاستقرار.
هنا يضحى التساؤل فرض عين....» هل لأي دولة عربية متشارعة ومتنازعة داخليا أن تصمد أمام تلك الهجمات المؤامراتية أو الاستراتيجية وللقارئ أن يسميها كما يشاء؟
الثابت أنه لا توجد قوى عسكرية أو اقتصادية تستطيع أن تتجاوز التماسك الداخلي حال وجوده، وهو مشهد رأيناه عبر التاريخ لدول استطاعت أن تقف في وجه البطش والقوة العسكرية، رأينا «هوشي منه»، والجنرال «جياب» في فيتنام ، وكيف استطاعت جهود الفيتناميين الفقراء والبسطاء هزيمة أعتى قوة عسكرية على وجه الأرض، والمؤلم بل والمؤسف، أن الاختلالات الطائفية والمواطنية في عالمنا العربي أدت بدول فيه إلي حافة الانهيار، عندما انهار جدار الوحدة الداخلية، وانفصمت عرى التماسك الإنساني الواحد بين أبنائها. في محاضرة له بمركز الحوار العربي بالعاصمة الأمريكية واشنطن تحدث الدكتور «داود خير الله» الأستاذ المحاضر في القانون بجامعة «جورج تاون» الأمريكية الشهيرة، عن أهم أسباب التخلف والتفكك الاجتماعي والهزائم العربية بالقول :« إن درء الأخطار ووقف التحلل الاجتماعي وتجنب الهزائم عملية تقتضي وعيا لها ولمسبباتها، ولمضارها، وتقتضي كذلك تقديرا دقيقا للقوى الفاعلة والمسيرة لها وفهما صحيحا للمصالح التي تحرك هذه القوى، ولجميع نقاط القوة والضعف لديها، أكانت هذه القوى داخلية أم خارجية... الدول العربية في حاجة إلى صرخة عالية تعيد التذكير بأن «الاتحاد قوة»، وأن التفرقة عنصرية، والخيار الآن للشعوب العربية، وعليها الاختيار بين الازدهار والعمار، وبين الدمار والموت، في هذه الأوقات العصيبة التي يعاد فيها تشكيل العالم من جديد.