متى ستنتهي الحرب في إيران؟ توقع الرئيس دونالد ترامب في سبتمبر انتهاءها فور انتخابات نوفمبر، معتبرًا أن الإيرانيين لن يستطيعوا الصمود أكثر. ويتفق معه القادة الإيرانيون بشأن اقتراب النهاية، إذ أعلن قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي في أغسطس أن طهران «أجبرت الجيش الأكثر تسليحًا في تاريخ العالم على الركوع».
في المقابل، يتوقع محللون استمرار الصراع وانتهاءه بالمفاوضات، لا بانتصار حاسم لأحد الطرفين. ومع ذلك، يسود اعتقاد بأن الحرب ستحسم قريبًا.
رغم أن هذا التفاؤل مفهوم بعد شهور من ارتفاع أسعار الطاقة، فإن الواقع أكثر تعقيدًا. فلا يستطيع أي من الطرفين تحقيق أهدافه، لكن كليهما يرى في مكاسبه ما يبرر مواصلة القتال عسكريًا واقتصاديًا. تعجز واشنطن عن إسقاط النظام الإيراني أو إجباره على التخلي عن برنامجيه النووي والصاروخي ودعم حلفائه الإقليميين، لكنها تستطيع مواصلة إضعاف جيشه وتقييد اقتصاده. على الصعيد الآخر، تعجز طهران عن طرد الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، لكنها تستطيع استهداف قواعدها وحلفائها في المنطقة وتعطيل التجارة الدولية.
تمتلك الدولتان الموارد اللازمة لمواصلة الحرب إلى أجل غير مسمى، وتعتقد كل منهما أن التراجع سيمنح الطرف الآخر فرصة لمواصلة الضغط وتحقيق أهدافه. رغم المحادثات المتكررة، تنعدم الثقة بينهما، إذ يتوجس كل طرف من استغلال الآخر أي وقف لإطلاق النار لإعادة ترتيب صفوفه. ترى طهران أن التخلي عن أوراق نفوذها، مثل مضيق هرمز وترسانتها الصاروخية وبرنامجها النووي، سيجعلها أكثر عرضة للضغوط مستقبلًا، فيما تخشى واشنطن أن يتيح رفع العقوبات لإيران الوقت والموارد اللازمة لإعادة بناء قدراتها. أما إسرائيل، فتعتبر أن ضبط النفس اليوم قد يفضي إلى ظهور إيران أقوى غدًا. لذلك تبدو أي خطوة لإنهاء الحرب محفوفة بالمخاطر. والنتيجة أن الحرب ستستمر من دون تسوية شاملة أو سلام دائم، لكن من دون تصعيد كبير أيضًا. فلا واشنطن ولا طهران قادرة على حسم الصراع لصالحها؛ لن يهزم أي منهما، ولن ينتصر أحد.
لم تكن واشنطن تتوقع أن تسير الحرب على هذا النحو؛ فعندما انضمت إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير، اعتقدت أن النصر سيكون سريعًا، خاصة بعد تدمير معظم المنشآت النووية ومواقع الصواريخ الإيرانية في ضربات يونيو 2025، واغتيال عشرات العلماء وكبار القادة العسكريين، وإضعاف حزب الله وسقوط نظام بشار الأسد، فضلًا عن الاحتجاجات الداخلية التي هزت طهران. بدا النظام الإيراني آنذاك على حافة الانهيار، مع سيطرة أمريكية وإسرائيلية شبه كاملة على أجوائه.
في الأيام الأولى للحرب، اغتالت واشنطن وتل أبيب المرشد الأعلى علي خامنئي وعددًا من كبار القادة، لكن النظام سرعان ما عوّض خسائره وشن هجمات مضادة، دمر خلالها طائرات وأنظمة رادار وقواعد أمريكية في الخليج، وسيطر على مضيق هرمز وعطل الملاحة فيه، واستهدف البنية التحتية المدنية في دول الخليج.
رغم تأكيد المسؤولين الأمريكيين أن مزيدًا من الضربات والعقوبات سيدفع طهران إلى التنازل، فمن المستبعد أن تتخلى عن مصالحها الأساسية. أثبتت قدرتها على إعادة بناء قياداتها وبرامجها العسكرية بعد استهدافها مرارًا، كما أن العقوبات والحصار البحري، رغم تأثيرهما الاقتصادي، لا يعزلانها تمامًا بفضل الطرق البرية وبحر قزوين ودعم الصين وروسيا. وسيتحمل الشعب كلفة الأزمة عبر خفض الدعم والإنفاق الاجتماعي، مع الحفاظ على موارد الجيش والأجهزة الأمنية. وهكذا قد يصبح الوضع غير قابل للاستمرار بالنسبة للإيرانيين، لكنه يظل قابلًا للاستمرار بالنسبة للنظام.
لا يرجح أن يدفع التدهور الاقتصادي القيادة الإيرانية إلى التراجع، فهي ترى الصراع تهديدًا وجوديًا، ولديها سجل طويل في تحمل الخسائر. فخلال حربها مع العراق (1980-1988)، تكبدت مئات الآلاف من القتلى وخسائر اقتصادية هائلة، لكنها لم تنسحب، بل واصلت القتال ست سنوات لمحاولة إسقاط صدام حسين. ولم يتوقف الصراع إلا مع تقدم العراق وتزايد التدخل الأمريكي في الخليج، وشعور طهران بأن ميزان القوى الإقليمي ينقلب ضدها.
لم تستخدم واشنطن جميع أوراقها؛ إذ يمكنها إرسال قوات برية أو تكثيف ضرباتها لتدمير البنية التحتية الإيرانية، لكن الخيارين ينطويان على مخاطر كبيرة. فالتدخل البري سيرفع الخسائر الأمريكية، بينما سترد طهران باستهداف حلفاء واشنطن في الخليج، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة. لذلك تبدو هذه الخيارات مكلفة سياسيًا.
رغم احتفاء إيران بصمودها، فإن قدرتها على هزيمة الولايات المتحدة محدودة. فأزمتها الاقتصادية لا تتيح لها تصعيدًا واسعًا قد يستجلب ردًا أمريكيًا أكثر تدميرًا. لذا يرجح أن تواصل فرض تكاليف محسوبة على واشنطن، مع الحفاظ على نفوذها واختبار عزيمتها دون تجاوز حدود تستدعي هجومًا واسعًا. وحتى إذا صعدت طهران، فمن غير المرجح أن تنتصر؛ فهي أضعفت النفوذ الأمريكي في المنطقة وأجبرت واشنطن على إنفاق أكثر من 40 مليار دولار، لكن الميزانية الأمريكية الضخمة ومخزونها من الأسلحة وقدرتها على القتال عن بُعد تمنحها قدرة كبيرة على مواصلة الحرب مع إبقاء خسائرها محدودة نسبيًا.
قد يبدو عجز واشنطن وطهران عن تحقيق نصر حاسم دافعًا للتسوية، لكن كليهما يعتقد أن استمرار القتال يخدم أهدافًا أخرى. تسعى واشنطن إلى إبقاء إيران ضعيفة عبر ضربات متقطعة تمنعها من إعادة بناء جيشها أو تطوير أسلحة نووية، دون تحمل كلفة تغيير النظام.
في المقابل، ترى طهران أن استمرار الحرب سيساعدها على استعادة قوة الردع والنفوذ الإقليمي. لذلك تحشد حلفاءها، وتوسع جبهات المواجهة، وتستخدم مضيق هرمز ورقة ضغط جديدة. كما تسعى إلى إقناع دول المنطقة بأن التحالف مع واشنطن لا يوفر لها الحماية، بل يجعلها عرضة للهجمات. ولهذا وسعت نطاق الحرب ليشمل أكثر من اثنتي عشرة دولة في الشرق الأوسط، بما فيها دول الخليج التي أعادت بناء علاقاتها مع طهران في السنوات الأخيرة.
قد تكون حسابات واشنطن وطهران صحيحة أو خاطئة، لكن حتى لو أدرك الطرفان أن استمرار الحرب لا يخدم مصالحهما، فسيصعب التوصل إلى تسوية. فإيران تعتقد أن الولايات المتحدة تسعى إلى تدمير نظامها، ولذلك لا ترى أن وقف القتال خيار آمن. أما واشنطن، فتعتبر أن تقديم ما تريده طهران، من رفع العقوبات والاعتراف بنفوذها على مضيق هرمز، سيعني مكافأتها على استخدام القوة وتعزيز نفوذها.
نظريًا، يمكن للدبلوماسية معالجة هذه المخاوف، لكن انعدام الثقة يحول دون تقديم تنازلات دائمة؛ فقد انهارت مذكرة التفاهم الموقعة في يونيو لوقف الحرب بسبب خلافات حول شروط إعادة فتح مضيق هرمز، ورفع العقوبات، ووقف الهجمات على إيران وحلفائها. واتهم كل طرف الآخر بخرق الاتفاق والتصرف بسوء نية، فعادت المواجهات.
مع ذلك، من المرجح استمرار المفاوضات، وربما التوصل إلى هدنة مؤقتة لإعادة ترتيب الصفوف. لكن الحوار لا يعني بالضرورة توقف الحرب؛ فقد يستمر المساران الدبلوماسي والعسكري بالتوازي، ما دام الطرفان قادرين على إلحاق الضرر بعضهما ببعض ومصرّين على مواصلة القتال.
ربما وصلت الحرب إلى حدودها القصوى، لكن تداعياتها تعيد تشكيل الجمهورية الإسلامية والمنطقة. فقد أخلّت وفاة خامنئي بتوازن نظام معقد يجمع بين المؤسسات الدينية والمنتخبة والعسكرية والأمنية، فيما عززت الحرب نفوذ الأجهزة المسؤولة عن بقاء النظام. ومع استمرار الصراع، ستزداد هيمنة المؤسسة العسكرية والأمنية على حساب السياسيين المدنيين ورجال الدين، وتتراجع المؤسسات التشاركية، بينما تخضع قطاعات متزايدة، من الاتصالات والاستثمار والجامعات والإعلام إلى الاقتصاد، لاعتبارات الأمن وسيطرة الأجهزة.
لن تختفي المؤسسات المدنية، لكن نفوذها سيظل مرهونًا بإرادة النخبة العسكرية التي تضع استعادة الردع والقدرة على مهاجمة الخصوم في مقدمة أولوياتها. وقد يستمر النظام في الاحتفاظ بطابعه الديني، لكن المؤسسة الدينية التي طالما استخدمت الجيش لتعزيز سلطتها قد تجد نفسها خاضعة له.
في الخليج، تدفع الحرب الدول إلى إعادة صياغة استراتيجياتها الأمنية؛ فقد أدركت أن علاقاتها الوثيقة بواشنطن قد تجعلها أهدافًا لإيران، لكنها لن تتخلى عن الولايات المتحدة، التي تظل مصدر دعمها العسكري الأساسي، خصوصًا مع تزايد انعدام الثقة بطهران. والأرجح أن تتبنى هذه الدول نهجًا حذرًا يجمع بين تعزيز العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع إيران، والحفاظ على الشراكة الأمنية مع واشنطن. كما ستعمل على تطوير دفاعاتها الصاروخية، وحماية بنيتها التحتية، وتنويع طرق تصدير الطاقة، وزيادة احتياطياتها الاستراتيجية، مع احتمال توظيف علاقاتها بالطرفين للوساطة في النزاع.
الحروب بطبيعتها فوضوية، وقد يؤدي أي هجوم أو تطور جديد إلى زعزعة التوازن الراهن. ومع شعور الطرفين بالاطمئنان إلى الوضع القائم، قد يبالغان في تقدير قدراتهما الدفاعية، ما يدفعهما إلى التصعيد. فقد تلجأ واشنطن إلى هجوم أوسع لإجبار طهران على الاستسلام، فترد إيران بتعطيل أسواق الطاقة وإلحاق أضرار أكبر بالخليج. وإذا سقط عدد كبير من القتلى الأمريكيين أو تضررت البنية التحتية الخليجية بشدة، فقد تستخدم واشنطن قوات برية أو تدمر شبكة الكهرباء الإيرانية، بما يهدد بقاء النظام.
وفي المقابل، قد يؤدي تفاقم نقص السلع في إيران إلى احتجاجات جديدة وانشقاقات، فتتحول الأزمة من تراجع القدرة على القتال إلى فقدان القدرة على الحكم.
تبدو الحرب قابلة للاستمرار في الوقت الراهن. لم تحقق واشنطن أهدافها المعلنة، واستنزفت كميات كبيرة من الذخائر باهظة الثمن، لكنها لا تزال قادرة على تحمل تكاليف القتال، وترى أن الاستسلام أشد كلفة. أما المجتمع الإيراني فيواجه سنوات من الفقر، لكن النظام لا يزال متماسكًا ولا يرى أن بوسعه تقديم تنازلات جوهرية. هذه هي مفارقة الحرب: خرج الطرفان أضعف مما كانا، ولا يستطيع أي منهما تحقيق النصر، ومع ذلك يواصلان القتال لأن البدائل تبدو لهما غير مقبولة.
علي واعظ هو نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية.
الترجمة عن فورين أفيرز