انتقل الذكاء الاصطناعي عبر سنوات قليلة من مختبرات الباحثين وشركات التقنية إلى تفاصيل حياتنا اليومية، أداة ضرورية لكتابة وتحليل البيانات وتصميم الصور، قيادة المركبات وتشخيص الأمراض، بل والمشاركة في صناعة الرواية والسينما والموسيقى، أداة لتفكيك الوحدة والعزلة لدى كثير ممن اتخذوا شخصيات العالم الرقمي أصدقاء وعائلات وأحبة.
هذه السرعة المذهلة جعلت العالم يعيش ما يشبه الثورة الصناعية الجديدة، لكن هذه المرة ليست ثورة للعضلات والآلات الثقيلة، وإنما للعقول والخوارزميات.
ومع كل خطوة يحققها الذكاء الاصطناعي نحو المستقبل يطرح أسئلة أكثر إلحاحاً: هل نحن أمام أعظم إنجاز تقني في تاريخ البشرية، أم أمام تحدٍ قد يعيد تعريف معنى الإنجاز والإبداع ، بل والإنسان نفسه؟
ضمن هذا السياق أثار فوز الكاتب الفرنسي فيليب جاينادا بجائزة «غونكور» الأدبية لعام 2026 عن روايته «المرأة المجهولة على رصيف جافيل» جدلا واسعا، لا سيما بعد اعترافه باستخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة ثلاث مرات بغرض البحث والتجريب.
لكن تصريح جاينادا الذي نقلته وكالة الصحافة الفرنسية عبر دار نشر «فلاماريون» التي يملكها الكاتب تضمن بيانا أوضح فيه كيفية استخدامه لهذه التكنولوجيا «من السخف تماماً التفكير ولو لنصف ثانية أنني استخدمت الذكاء الاصطناعي التوليدي لكتابة أي شيء في هذا الكتاب» لكنه مع ذلك اعترف باستعانته بالذكاء الاصطناعي ثلاث مرات خلال عملية الكتابة؛ مرة حين طرح سؤالاً على روبوتات الدردشة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي ليتلقى «إجابات شديدة الدقة إلى حد يبعث على السخرية» ثم استخدم الذكاء الاصطناعي بطريقة أكثر تقليدية هي إجراء البحوث، وأخيراً قال إنه تعمد إخفاء جملة أنشأها الذكاء الاصطناعي داخل النص، وأشار إلى أن الجملة تتكون من 10 كلمات فقط مطالبا قراءه بتخمين الجملة ومنذ نشر الكتاب يتلقى العشرات من التخمينات من القراء، وقال الكاتب إنه قرر الكشف عن الجملة رداً على «الغباء، والخيانة، وسوء النية»
منافسة غونكور الفرنسية أثارت هذا العام كل هذا الجدل الواسع بسبب قضية الكاتب تيليسون أوريليان، بعدما سُحبت روايته «إما هذا أو الموت» التي كانت من بين الأعمال المرشحة بقوة للفوز للاشتباه في استخدام الذكاء الصناعي في إنجازها بعد عرضها على بعض أدوات الكشف لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وهنا أثيرت ضجة أخرى حول مدى دقة أدوات الكشف، خصوصا بعد إخضاعها لتجارب تبين معها عدم دقة نتائجها.
مع ذلك أكد رئيس أكاديمية غونكور «فيليب كلوديل» أن ثمة تعديلات ستُقر قبل نهاية العام على شروط الجائزة بهدف التشديد على أن الجائزة يجب أن تُمنح لعمل أدبي من تأليف إنسان بشكل كامل.
لا يمكن إنكار حجم التحولات الإيجابية التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في كل القطاعات؛ لكن السؤال حول اتساع حضور الذكاء الاصطناعي، هنا تصبح الأخلاقيات شرطاً أساسياً للاستخدام المسؤول، فهذه الأنظمة -رغم كفاءتها- ليست معصومة من الخطأ، وقد تنتج معلومات غير دقيقة أو متحيزة بصياغة تبدو واثقة ومقنعة.
لذلك تقتضي الممارسة المهنية التحقق من مخرجاتها، والإفصاح عن استخدامها عند الحاجة، وعدم التعامل مع نتائجها بوصفها حقائق نهائية.
والأمر هنا ينسحب على الإبداع كما ينسحب تماما على تقصي الاستخدام، فجوهر أخلاقيات الذكاء الاصطناعي لا يكمن في قوة الآلة، بل في شفافية استخدامها ومسؤولية الإنسان عن نتائجها.
ختاما: لم يعد العالم يناقش ما إذا كان الذكاء الاصطناعي ثورة معاصرة أم لا؟ لأن ذلك يحدث بالفعل أمام أعيننا، السؤال الحقيقي اليوم هو: هل سنتمكن من توجيه هذا التحول بما يخدم الإنسان وقيمه ومصالحه؟ إن الأمم المستفيدة ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكثر الخوارزميات تطوراً، بل تلك التي تنجح في بناء معادلة متوازنة تجمع بين الإبداع التقني والمسؤولية الأخلاقية، فالتاريخ يعلمنا أن قوة الأدوات لا تحدد مصير الحضارات، بل الوعي الذي يحكم استخدامها، قد لا يكون الخطر الأكبر أن تصبح الآلات أكثر ذكاءً، بل أن يتخلى الإنسان طوعاً عن أهم ما يميزه: قدرته على التفكير النقدي، والخيال، والحكمة، والمسؤولية، صفات تميز الإنسان في مركز المشهد، مهما بلغت قوة الآلة وتفوقها.
حصة البادي أكاديمية وشاعرة عمانية