تغير المتفرج العُماني شأنه شأن أي متفرج آخر، إزاء مكتبة لا نهائية من فسح المشاهدة، وهو كغيره أيضا سلب السلطة من أيدي النقاد بعد أن نمّت التقنيات الحديثة قدرته على قول رأيه.. ولذا لم يعد بالإمكان التحايل عليه، فثقافته البصرية تتغذى على مشارب شتى، تجاوزت المركزيات المعتادة، لترصد منتجات الهامش المُنتمي لمرجعيات مغايرة عما هو مألوف.
إلا أنّ هذا التغير لم يُكافأ -محليا- إلا بمزيد من اختزال وتسطيح ذواتنا الضاجة بتعقيداتها وتناقضاتها.. ولعلي أستعير ما قالته الروائية النيجيرية تشيماماندا أديتشي، في محاضرتها المعنونة بـ «خطر القصّة الواحدة»: «هكذا تُصنع القصة الواحدة: تُظهر شعبًا بوصفه شيئًا واحدًا، شيئًا واحدًا لا غير، وتكرر ذلك مرارًا، حتى يغدو كذلك في أذهان الآخرين»، ونحن بالتأكيد لسنا ذلك الشيء الواحد أبدا!
ففي ظل غياب أكاديمية للفنون وإغلاق قسم المسرح في الجامعة، نفتقدُ لوجود الكاتب والممثل والمخرج المثقف المتمتع بالوعي والقادر على اجتراح مساره الأشد فتنة وجاذبية، فالموهبة وحدها لا تصنع دراما كما نعلم، وربما هذا ما تسبب لاحقا في تنائي القطاع الخاص عن المساهمة في هذا النوع من الصناعات، رغم أنّها صناعة تلقى حظها عربيا وعالميا لتعدد منصات المشاهدة.
كل هذه الأسباب جعلتني أنظر لورش الكتابة - على أيدي كتاب مُتمرسين- كضوء في آخر النفق المُعتم. فقد بدت الورشة التي جمعتنا نحن الثلاثة عشر مشاركًا، من كتّاب وباحثين وصنّاع أفلام كبارقة أمل جديدة.. لاسيما وأنّها ورشة متخصصة في كتابة السيناريو والبحث الدرامي، بتنظيم من مشروع «كادر» وبالشراكة مع معهد بيت الزبير للثقافة والمعارف ومركز التدريب الإعلامي بوزارة الإعلام.
حين طُلب منا التفكير في قضايا عُمانية لاستنباط «سكريبت» أولي، وجدنا القصص تتناسل في أذهاننا كشلال فوضوي، يُفضي إلى حقولٍ بكرٍ لم تقبض عليها الدراما من قبل. مناطق مُكثفة ومُعبأة بالأسئلة وبتحولات المكان والقوانين وما طرأ على الإنسان العُماني من انعطافات حادة، تلك التي بالكاد لمسنا قشرتها الخارجية الرقيقة!
لكن وإن بدا أنّ الأفكار «ملقية على قارعة الطريق»، إلا أنّ التدافع الحيوي بيننا أخذ يُضيء تفاصيل صغيرة غير مُنتبه إليها، آنذاك قلتُ في نفسي: كيف يمكن أن يكون واقعنا بهذا الغنى الفريد والخصب، بينما الدراما بكل هذا الفقر المدقع؟
تسنى لنا أن نتحدث عن الأفلام والمسلسلات التي تركت فينا بصمة، عن خيارات الكتابة، التفريق بين هدف الشخصية والحاجة التي تعتمل بداخلها، كما تسنى لنا أن نكسر الوهم الخادع بشأن أنّ كتابة السيناريو مهمة يسيرة لكتاب السرد! حدث هذا على مدى زمني قصير نسبيا، فما بالك لو أنّ العمل البحثي أخذ يتظافر مع تطوير القصص وبناء الشخصيات والبحث في تاريخها.. ألم يكن من المرجح أن نصنع شيئاً فارقاً في شكل الدراما التي نألفها!
لا ننكر أنّ استثمار السرد العُماني الرصين خطوة مهمة للغاية، إلا أنّها لن تأتي أكلها على نحو جيد ما لم يُعالج النصّ من قبل مُختص بالدراما، أو أن يتسلح الروائي -على الأقل- بمعرفة منهجية بتقنيات السرد وأدواته.
وبمراقبة صغيرة لواقع المسرح العُماني قياسًا إلى الدراما، نجده أكثر توهجا وحضورا، ولعل استقلال قرار الإنتاج وانخفاض كلفته، جعله ملاذا آمنا لعدد من المخرجين والممثلين والكتّاب والفنانين، أولئك الذين لم يجدوا لهم موطئ قدم في الدراما.. مما يعني أنّ بذرة الفن مُنغرسة في الأرض لكن غاباتها تنتظر ظروفا أكثر ملاءمة!
شارك بعضنا في ورش كتابة السيناريو سابقا، إلا أنّها غالبًا ما افتقرت إلى سياق متصل، يمتد من مرحلة كتابة «السكريبت» إلى الإنتاج والعرض.. لذا كم سيبدو لافتا لو أُتيح لهذه التجربة أن تنمو بمتابعة جادّة من قبل القائمين عليها ولو عبر «اللقاءات الإلكترونية»، وعلى مدى أشهر متواصلة، حتى ينضج النصّ ويكتمل، ويغدو مشروعًا قابلًا للتقديم والإنتاج محليًّا أو عربيًّا، مما يعني أننا نصنع «سيناريست» مُتمكن من أدواته، لا سيما أمام محدودية كتاب السيناريو في عُمان، فليس من المجدي أن تنتهي هذه التجربة إلى ما انتهت إليه سابقاتها، فنجد أنفسنا، كما في كل مرة، أمام نقطة الصفر من جديد.
هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»