يواجه التقييم الأكاديمي تحديات في قياس جودة البحوث الطلابية في عصر الذكاء الاصطناعي، ويكمن ذلك في الفجوة المقلقة بين رصانة الورقة المقدمة وقدرة الطالب على شرح قراراته البحثية وتعليلها. وفي هذا السياق، تكشف الدكتورة مسعدة بنت أحمد الجهوري، أكاديمية وباحثة بجامعة السلطان قابوس، واقع التقييم الأكاديمي، مشيرة إلى أن التقنية لم تقتل البحث العلمي، وداعية إلى الانتقال من ثقافة "الاشتباه والكشف الآلي" إلى بيئة مؤسسية متوازنة تبحث عن تطوير التفكير النقدي.
وتوضح الدكتورة الجهورية، أن العلامة الفارقة التي كشفت دخول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى أبحاث الطلبة لا تكمن في تقديم نص متقن لغويًا؛ إذ إن الطالب المتميز قادر على إنتاج ذلك بمفرده، وإنما تجسدت في وجود فجوة واضحة بين جودة العمل المقدم وقدرة الطالب على تفسيره والدفاع عن قراراته البحثية، فقد يقدم الطالب مراجعة أدبيات متماسكة، ولكنه يجد صعوبة في تفسير سبب اختياره نظرية بعينها، أو بيان العلاقة بين الدراسات الاستشهادية، موضحةً أنه على الرغم من هذه الفجوة، فإنها لا تعد دليلًا قاطعًا على استخدام غير مشروع للتقنية لوجود أسباب أخرى محتملة، وهو ما يطرح تساؤلًا حول ما إذا كنا نقيس جودة ما قدم لنا أم ما تعلمه الطالب بالفعل؟ مما يعزز قناعتها بأهمية تتبع عملية التعلم بكامل تفاصيلها، من كيفية تشكل الفكرة وتطور العمل إلى القرارات البحثية ومبرراتها.
عمق الأبحاث
وتضيف الجهورية، أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد في فهم المفاهيم المعقدة واستكشاف موضوعات جديدة ومقارنة وجهات نظر متعددة، ولكنه قادر أيضًا على إنتاج نصوص تبدو أكاديمية دون عمق فكري حقيقي، وتميز هنا بين ثلاثة مستويات أساسية: جودة العرض (من حيث اللغة والتنظيم والتوثيق)، وجودة التفكير (من حيث التحليل والنقد وبناء الحجج)، وجودة البحث (من حيث أصالة السؤال وملاءمة المنهج وقوة الأدلة والاستنتاجات).
وترى أنه قد تتحسن جودة العرض دون أن ينعكس ذلك على جودة التفكير أو البحث، وتطالب في هذا الصدد بضرورة إعطاء وزن أكبر لجودة التفكير والقرارات البحثية والمساهمة الفكرية، دون إهمال الكتابة الأكاديمية باعتبارها وسيلة للتفكير وبناء المعرفة.
تأثير التكنولوجيا
وتوضح الدكتورة مسعدة وجود ما يدعو للقلق من تأثير التكنولوجيا على التفكير النقدي والتحليل الشفهي مع تحفظها على التعميم، مفيدة بأن المشكلة لا تكمن في الأداة بذاتها بل في تفويض العمليات الذهنية الأساسية إليها، وتبرز الفرق بين طالب يستعين بالذكاء الاصطناعي لفهم الموضوع ليقوم بعد ذلك بالتحليل والنقد والاستنتاج، وبين آخر يترك للأداة مهمة التفكير نيابة عنه، وتستشهد بأمثلة تطبيقية في تدريس التغيير التنظيمي؛ إذ يمكن تكليف الطلبة بتشخيص أسباب مقاومة الموظفين للتغيير أو تحديد درجة الجاهزية المؤسسية بأنفسهم أولًا، ثم مقارنة نتائجهم بتحليل ينتجه الذكاء الاصطناعي لتحديد نقاط الخلل أو الجوانب المغفلة، ليكون الذكاء الاصطناعي موضوعًا للنقد لا بديلًا عن التفكير، وبالنسبة إلى المناقشات الشفهية، فهي مهمة جدًا للتحقق من الفهم بشرط قياسها لقدرة الطالب على التحليل لا مجرد طلاقته في الحديث.
وتعرج الدكتورة مسعدة الجهوري في حديثها إلى واقع البحث الكتابي التقليدي، موضحة أنه لم يفقد معناه كمعيار أساسي للتقييم، ولكنه فقد جزءًا من قدرته على إثبات التعلم بمفرده؛ نظرًا لأن تقديم تقرير مكتوب خارج القاعة لم يعد كافيًا لإثبات امتلاك الطالب للمهارات والمعارف المتضمنة فيه. وتؤكد مؤازرتها لتنويع الأدلة على التعلم عبر تقييم البحث على مراحل متعددة تشمل: صياغة السؤال، ومراجعة الأدبيات، وتصميم المنهج، والتحليل، وصولًا إلى العرض والدفاع، وتحقق هذه الآلية فائدة تربوية تتجاوز ضبط الاستخدام غير المشروع، إذ تتيح للطالب تلقي التغذية الراجعة وتحسين تفكيره أثناء عملية التعلم وليس بعد انتهائها.
أساليب التقييم
وتشير الجهورية، في مسألة تحول أساليب التقييم الأكاديمي للأبحاث إلى أن تنويع أدوات التقييم لم يكن جديدًا في تجربتها، بل كان جزءًا من فلسفتها التدريسية قبل انتشار الذكاء الاصطناعي، وإن كانت التطورات الأخيرة قد عززت أهميته. واستعرضت مجموعة من الأساليب المتبعة كالأنشطة التطبيقية، وتحليل الحالات، والاختبارات الفردية والجماعية متعددة المراحل، والخرائط الذهنية، والمناظرات، ولعب الأدوار، والعروض والمناقشات البحثية. وفي الاختبار ذي المرحلتين يجيب الطالب فرديًا ثم يناقش مسائل تطبيقية مع فريقه للحصول على أدلة تشمل الفهم الشخصي والقدرة على توظيف المعرفة جماعيًا، وفي المقررات البحثية تم تطبيق أنشطة تبدأ بمراجعة المقالات وبناء الخرائط المعرفية، مرورًا بإدارة النقاشات العلمية، وانتهاءً بتقديم النتائج لجمهور أكاديمي وغير أكاديمي ومتابعة الأثر. وترفض في الوقت نفسه تحويل التقييمات كاملة إلى عروض شفهية تجنبًا لظلم الطلبة الذين يمتلكون تفكيرًا عميقًا ولكنهم أقل طلاقة.
برامج الكشف الآلي
وحول آليات تجنب الاتهام الباطل بالسرقة العلمية عبر برامج الكشف الآلي، توضح الجهوري من واقع رئاستها للجنة الامتحانات لسنوات أن العدالة الإجرائية لا تقل أهمية عن الالتزام بالسياسات، وحثت القائمين على اللجان بعدم تطبيق الإجراءات آليًا دون التحقق من قوة الأدلة وحماية حقوق الطلبة. وشددت على ضرورة التمييز الدقيق بين التشابه النصي، والانتحال العلمي، والاستخدام غير المصرح به للذكاء الاصطناعي، لكونها مخالفات غير متماثلة.
وتتحدد الإجراءات العادلة، بحسب رأيها، بتوضيح الاستخدامات المسموحة والممنوعة، وعدم اعتبار الكشف الآلي دليلًا قاطعًا، وإتاحة الفرصة للطالب لتفسير عمله وتقديم مسوداته، مع مراجعة الأدلة بظروف محايدة وحماية بيانات الأعمال من الرفع لأدوات غير معتمدة، متسائلة عن الرسالة الموجهة للطالب حين يطالب بالنزاهة دون ضمان العدالة له، ومؤكدة الحاجة للتحول من ثقافة الاشتباه إلى ثقافة الوقاية والوضوح والمسؤولية المشتركة.
وفيما يتعلق بدعاوى خوض الجامعات سباقًا بين أدوات التوليد والكشف على حساب المناهج، بينت الدكتورة مسعدة أن الملاحظات الواقعية داخل الجامعة تعكس اهتمامًا جادًا يتجاوز مجرد الكشف إلى تطوير التدريس والتقييم والبحث العلمي، وتتمثل أبرز المبادرات الشاخصة في إعداد الأدلة والإرشادات، وتنظيم تدريب إلزامي للأكاديميين حول توظيف الذكاء الاصطناعي، وتشغيل فرق عمل متخصصة، واستحداث برامج ومقررات أكاديمية لمواكبة التغيرات مثل بكالوريوس الذكاء الاصطناعي وبكالوريوس علم البيانات والمؤتمرات ذات الصلة.
وأوضحت أن التوازن بين منع الاستخدام غير الأخلاقي وإعداد طالب يحتاجه سوق العمل يبدأ بالتوعية وتحديد ضوابط ومبررات الاستخدام المسموح به، وتتمثل الممارسات المتبعة في توجيه هيئة التدريس لإعلان موقفهم من الاستخدام عبر السماح به مع الإفصاح الكتابي وتقديم المسودات، أو قصر الاستخدام على مهام محددة، أو حظره في تقييمات تتطلب أداء مستقلًا مع توضيح العواقب.
النزاهة الأكاديمية
وأكدت عدم وجود تعارض بين ترسيخ النزاهة الأكاديمية وتعليم التقنيات باعتبار الاستخدام المسؤول جزءًا من التعلم، حيث لا يمكن إعداد الطالب لسوق العمل بمنعه من أداة حيوية دون تدريبه على توقيت استخدامها والتحقق من مخرجاتها وتحمل مسؤوليتها، مشددة على أن الهدف الأكاديمي يتحقق بإعداد خريجين يمتلكون القيم، ويفكرون باستقلالية، ويوظفون التكنولوجيا بوعي وكفاءة.
واقترحت الجهورية، صياغة بند أساسي ضمن ميثاق النزاهة الأكاديمية الجديد بعنوان "المسؤولية الفكرية والنزاهة في استخدام الذكاء الاصطناعي"، ينص على: "يلتزم الطالب بالأصالة الفكرية والنزاهة الأكاديمية، ويتحمل المسؤولية عن صحة أعماله وجودتها، ويلتزم أستاذ المقرر بتحديد ضوابط استخدام الذكاء الاصطناعي وإبلاغ الطلبة بها قبل التقييم، وفق ثلاثة مستويات: الاستخدام المسموح، والاستخدام المشروط، والاستخدام الممنوع، ويلتزم الطالب بالتحقق من المعلومات والمراجع وحماية البيانات، ولا يجوز إثبات مخالفة بالاعتماد على الكشف الآلي وحده، بل بأدلة موثوقة وإجراءات عادلة تكفل حق الطالب في التوضيح والاعتراض". وأكدت أهمية إرفاق هذا البند بدليل تطبيقي وأمثلة شارحة، لكون النزاهة مسؤولية مشتركة تشمل المؤسسة التعليمية وأعضاء هيئة التدريس في التوعية والتدريب ووضوح التعليمات.
تبني استراتيجيات
واختتمت الدكتورة مسعدة حديثها برسم تصور لمستقبل التعليم الجامعي والتقييم خلال السنوات الخمس القادمة، متوقعة تغييرات ملحوظة في السياسات، ومخرجات التعلم، وتصميم المناهج، وأدوار الأكاديميين والطلبة، مع اضطرار الجامعات لإعادة النظر في القضايا الأساسية حول ما ينبغي إتقانه باستقلالية وما يمكن تعلمه بمساعدة التكنولوجيا، وتتوقع الانتقال التدريجي من تجارب أدوات الذكاء الاصطناعي الفردية إلى تبني استراتيجيات مؤسسية متكاملة ترتبط بالأهداف العامة والحوكمة واستحداث وحدات تنظيمية متخصصة.