خلال العقود الأخيرة، قدمت الرؤى السلوكية (Behavioral Insights) أدوات فاعلة لتغيير وتوجيه وإعادة ضبط البيئات المحيطة بالسلوك العام، سواء تلك البيئات مادية أو اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية.
وتهتم الرؤى السلوكية بالعوامل النفسية والاجتماعية والثقافية والمادية التي تدفع الأفراد إلى التصرف بطريقة ما، أو تحدهم من التصرف بطريقة أخرى، كما تركز على تلك العوامل الذهنية (غير القصدية أو العقلانية) التي تنشأ بحكم الاعتياد أو بحكم الحركة أو التفاعل الاجتماعي أو الاختصارات الذهنية التي تجعل الفرد يعتاد على نمط محدد من السلوكيات، تتحول فيما بعد إلى عادات، وبعدها إلى أنماط اجتماعية.
أسهمت هذه الرؤى في مساندة العديد من سياسات التغيير الاجتماعي، سواء في الجوانب الاقتصادية والمالية، أو الجوانب الصحية، أو الجوانب المرتبطة بالامتثال القانوني، أو الالتزام البيئي، أو دعم ومشاركة السياسات الحكومية العامة.
غير أن ثمة مجالا في تقديرنا سيرفع خلال السنوات القادمة من أهمية إدماج الرؤى السلوكية في السياسات العامة، بل وربما ستكون متطلبًا أساسيًا في فرق ومنهجيات وأدبيات إعداد وتنفيذ ومتابعة وتقييم أي نشاط تقوده المؤسسات العامة تجاه المجتمع.
هذا المجال يرتبط بموجة التحضر العالمية القادمة، والتي ستبلغ ذروتها في العقدين المقبلين؛ فبين عامي 2025 و 2045 تشير توقعات الأمم المتحدة إلى ارتفاع محتمل لعدد سكان المناطق المصنّفة حضرية وفق التعريفات الوطنية من4.82 مليار نسمة (58.1٪ من سكان العالم) إلى نحو6.20 مليار (65.4٪)؛ هذه الزيادة ستحركها عوامل انتقال الناس للعمل والدراسة، ومن زيادة المواليد على الوفيات داخل المدن، ومن نمو بلدات قائمة حتى تصبح مدنًا أو يضمّها امتداد العمران.
بعض النماذج السكانية سيكون الانتقال من خلالها دوريًا فيقيم أحد أفراد الأسرة في المدينة للعمل ويعود على فترات إلى بلدته حيث تقيم أسرته وحيث ترتفع الإيجارات قرب الوظائف. يُرجّح أن تتجه أسر إلى مساكن أقل كلفة على الأطراف، فتصبح الأطراف إما جزءا يتمدد بظواهره وسكانه وعتباته الاقتصادية من المدينة الأكبر، أو يتحول إلى مدينة قائمة بذاتها بثقلها الديموغرافي وظواهرها وعتباتها الاقتصادية.
موجات التحضر عمومًا - أيما كان سياقها الجغرافي - يصحبها العديد من الظواهر السلوكية التي سيكون لها كلفها الصحية والاقتصادية والاجتماعية ما لم يُحسن تخطيط المدينة وإدارتها (سلوكيًا). من هذه الظواهر الاعتياد على استخدام السيارات حتى في الرحلات القصيرة، وتزامن رحلات العمل والمدارس في ساعات الذروة - كون أن المدن تحيا بساعة المدينة نفسها وبنظام واحد وبرمجة مادية محددة -، كذلك خلط بقايا الطعام بالنفايات العامة في العمارات السكنية، وضعف ترشيد استهلاك الكهرباء في المباني وتجنّب الحدائق والساحات العامة بسبب الشعور بعدم الأمان أو عدم وجود ألفة اجتماعية أو تقلص دائرة المعارف الاجتماعية، بالإضافة إلى ذلك تراجع التعارف والتعاون بين الجيران في الأحياء سريعة التغيّر السكاني.
ومن الظواهر السلوكية كذلك الاتكال على الآخرين في العناية بالمرافق السكنية المشتركة، وتكرار طلبات التوصيل الصغيرة والمتفرقة داخل الحي. هذه أمثلة وليست حصرًا لبعض الظواهر التي تنشأ في الحياة الحضرية، وهذا لا يعني أن التحضر سيئ بالمطلق، لكن تتضاعف فيه كلفة الظواهر اقتصاديًا وصحيًا واجتماعيًا ما لم توجد هناك رؤى سلوكية مبتكرة قادرة على التعامل مع الحيز الحضري والتأثير في المفاهيم المرتبطة به، وحفز وتوجيه الساكنة إلى السلوكيات التي تحمي النظام الحضري وتنعكس على جودة حياتهم.
تقدم الرؤى السلوكية تجارب مشهودة على إدارة مشهد الحياة الحضرية (سلوكيًا)؛ فعلى سبيل المثال ساعدت البلديات على تصميم تدخلاتها بما يجعل سلوك الساكنين المطلوب (المرغوب) أسهل؛ ففي مدينة برايتون البريطانية، سهّلت فكرة توحيد رصف شارع «نيو رود» أن يكون حجر الشارع ورصيف المشاة موحدًا - وإضافة المقاعد وتحسين الإضاءة المشي والجلوس فيه. وبعد عام، زاد عدد المشاة 162% انخفضت حركة السيارات 93%. وفي بوغوتا الكولومبية، وضعت البلديات ملصقات واضحة بجوار الصنابير لتذكير السكان بالتوفير، وأصبحت لاحقًا تنشر أرقام الاستهلاك يوميًا، مما ساعد وأتاح للسكان متابعة أثر جهودهم مجتمعةً. وبعد ثمانية أسابيع، بلغ الوفر في استهلاك المياه أكثر من 13.8% على مستوى المدينة.
أما في مدينة سخيدام الهولندية فقد حدّدت البلدية هدفًا بالكيلوغرام لكل مجموعة من الأسر التي تستخدم حاوية مشتركة لبقايا الطعام (تدوير نفايات الطعام في الحاويات المخصصة لها دون الحاويات العامة). بعد ذلك قامت البلدية بإرسال أربع رسائل إلى الأسر بفاصل أربعة أسابيع، تبيّن فيها وزن ما أودعته الأسر مجتمعةً ومدى اقترابها من الهدف. وخلال التجربة، كان متوسط عدد أيام استخدام الحاوية أعلى بنحو 65% لدى الأسر التي تلقّت الرسائل مقارنةً بالمجموعة الضابطة.
ميزة الرؤى السلوكية أنها تقوم على التفكير الصميم، فهي غير مكلفة من ناحية التأطير وإيجاد التدخلات، كذلك هي قابلة للتطبيق في قطاعات ومناشط مختلفة، وبالإسقاط على أشكال متبانية من السياسات والقطاعات العامة والخاصة. غير أن أثرها يحتاج إلى مراعاة عامل الزمن، والتجربة، والأبعاد الأخلاقية لتأطير التدخل.
نشهد في سلطنة عُمان تحولًا واسعًا نحو التحضر، وستستمر بعض المحافظات والولايات في موجة تحضر مضطردة؛ فبحسب الإسقاطات السكانية يُتوقّع أن يرتفع عدد سكان عُمان من5.27 مليون نسمة عام 2024 إلى 7.74 مليون عام 2040. وتستوعب محافظات مسقط وشمال الباطنة وجنوبها نحو61% من الزيادة السكانية، فترتفع حصتها مجتمعةً من سكان عُمان من 58.3% بفعل ثلاثة عوامل رئيسية، النشاط الاقتصادي (الفرص الاقتصادية)، وظاهرة تمدد مسقط، وكبر حجم وحيز المساحة الجغرافية لهذه المحافظات مما يؤهلها لاستقطاب ونمو كتلة سكانية أكبر. وسيكون النصيب الأكبر لولايات مثل السيب وبركاء وصحار وصلالة من تركز ونمو الساكنة خلال الفترة حتى عام 2040.
وهو ما يتطلب من اليوم التفكير في كيف سيهندس هذا الانتقال الديموغرافي (سلوكيًا) داخل المناطق الحضرية؛ فالمسألة تتجاوز مجرد توفير السكنى وتلبية متطلبات الخدمات، أو إيجاد المدن المتكاملة وتقليل البصمة الحضرية. وإنما في فهم ونمذجة وهندسة سلوك الساكنين الذين سينشأون وينخرطون وينمون في هذه المدن والفضاءات الحضرية المختلفة بكل ثقلها الاقتصادي والثقافي والاجتماعي.
مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عُمان