في أسبوع واحد اجتمع على المنطقة ما يكفي لفهم اللحظة، صوّت الأمريكيون في الثالث من نوفمبر، فانتقلت السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ إلى الحزب الديمقراطي، وقرأ كثيرون النتيجة، في واشنطن وخارجها، رفضا للحرب. وهبط في اليوم التالي خام برنت دون المائة دولار للمرة الأولى منذ سبتمبر. وفي الخامس من نوفمبر أعلن الحرس الثوري أن مضيق هرمز غير آمن ومغلق أمام السفن التي لا تنسّق مع طهران، وأعلن التحالف بقيادة السعودية اعتراض صاروخ في طريقه إلى منطقة المدينة المنورة، وقالت سلطنة عُمان في اليوم ذاته إن الآلية التي تعمل عليها مع طهران لإدارة الملاحة في المضيق قد تنهي حالة الحرب وتمنع تجدد المواجهات.

ارتفع في ذلك الأسبوع صوت الرافضين للحرب، واقتربت فيه الجولة الكبرى في الوقت نفسه.

وتفسير المفارقة أن التصويت ذاته قُرئ قراءتين متعاكستين. في طهران أصوات تعد النتيجة تأكيدا لصواب موقفها، وتميل إلى انتظار الكونجرس الجديد الذي يتسلم مهامه في الثالث من يناير، أملًا في أن يضيّق هامش الحرب. وفي واشنطن، بحسب تقارير أمريكية، أبلغ مستشارون الرئيسَ أن نافذة استئناف العمليات الكبرى تضيق، وأن عليه أن يحسم أمره قبل انعقاد ذلك الكونجرس. لكل قراءة منطقها حين تُنظر وحدها، والخطر في اجتماعهما، فالانتظار يبدو في واشنطن مماطلة تبرّر الاستعجال، والاستعجال يؤكد لطهران ما تخشاه، وقد أعلنت قيادتها أن أي هجوم جديد سيُقابَل برد لا تحدّه الجغرافيا.

لماذا لم تحسم تجربة الأشهر الماضية شيئا، وقد رأى الجميع ثمن الحرب؟ لأن الثمن يُدفع في مكان، والقرار يُتخذ في مكان آخر. يتوقع صندوق النقد الدولي أن تنكمش اقتصادات دول مجلس التعاون بنسبة 4.8% هذا العام. ويرى 80% من الأمريكيين، في استطلاع أجرته جامعة ماساتشوستس، أن الحرب رفعت كلفة الوقود والغذاء. هؤلاء فهموا الدرس. أما في دوائر القرار فقد قُرئ الثمن ذاته حجة لمزيد من الضغط: في طهران من يرى في ارتفاع أسعار النفط دليلًا على جدوى الضغط على الملاحة، وفي واشنطن من يرى في تدهور الاقتصاد الإيراني فرصة لحسم الأمر بالقوة. كل طرف يرى الألم عند خصمه فيمضي، وتسقط من الحساب كلفة من لا يجلسون إلى الطاولة.

منع الجولة الكبرى يمر إذن بنقل ثقل القرار إلى من يدفعون ثمنه، والأسابيع القليلة المقبلة تتيح ذلك أكثر مما يبدو.

أول الطريق اتفاق مرحلي يُعقد داخل النافذة نفسها. تقوم المقترحات التي تحملها قطر على خطوات يومية متبادلة لبناء الثقة، وفي أحدث صيغها، بحسب ما نُشر، تُربط عودة المفتشين الدوليين إلى المواقع النووية بتخفيف العقوبات، بدعم من باكستان والسعودية ومصر وتركيا. اتفاق كهذا، إن أُبرم قبل يناير، يصل إلى الكونجرس الجديد واقعا قائما يجد فيه أسبابا لحمايته. والانتظار قد يجعل الأسابيع الفاصلة أخطر ما في الطريق. والثاني الضمان، مذكرة إسلام آباد التي وُقّعت في السابع عشر من يونيو انهارت تهدئتها في الثامن من يوليو، والمسودة المتداولة اليوم تنص على دول ضامنة. والدول التي تحمل هذه المسودة وتدعمها اليوم هي الأجدر بأن تضمنها غدا.

والثالث دليل يُرى على البحر. قبل الحرب كانت نحو ثلاثة آلاف سفينة تعبر مضيق هرمز كل شهر، وفي الأول من نوفمبر لم تعبره سوى ثماني سفن. والإطار الذي تتباحث فيه سلطنة عُمان وإيران يقترح ممرا ملاحيا مؤقتا مشتركا وتطهير المضيق من الألغام، بالتشاور مع الدول المطلة على مياه الخليج، ومن دون أي رسوم للعبور كما أكدت مسقط. وحين تعود السفن إلى الحركة تطمئن الأسواق أكثر مما يطمئنها أي بيان.

يربط صندوق النقد تعافي اقتصادات الخليج في العام المقبل، وقد قدّره بنسبة 9.1%، بانتهاء القتال واستئناف الملاحة تدريجيا في هرمز مطلع 2027. معنى ذلك أن عاما كاملًا من التنمية في الخليج معلّق على قرار سيُتخذ قبل ذلك بكثير. في الجولة الأولى كان في وسع أي طرف أن يقول إنه لم يقدّر العواقب، أما من يبدأ الجولة الثانية فلن يملك هذه الحجة.