ما يجعل السعادة بتكريم مثقف كبير كسماء عيسى مضاعفة، أنه كان ولا يزال من ذلك النوع من المثقفين الذي يعمل في الظل من أجل الآخرين، ولا يضع في حسبانه مجرد الشكر على ما يبذله من جهود، ناهيك عن التكريم. لذا؛ فإن تكريمه المستحق يوم الخميس الماضي في البحرين، في اجتماع وزراء ثقافة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، هو تكريم لتجربة ثقافية عُمانية مميزة ظلت منذ سبعينيات القرن الماضي تفتح في الشعر دروبًا جديدة، وتؤثث المشهد الثقافي العُماني بحضورها الفاعل وإسهاماتها البارزة.
حين نتحدث عن سماء عيسى فإننا نتحدث عن شاعر رافق المشهد الثقافي العُماني منذ بدايات تحوّله، وظل قريبًا من المثقفين العمانيين، متابعًا ما يشغلهم، وما يكتبونه من تجارب مختلفة. منذ سبعينيات القرن الماضي، اختار لقصيدته دربًا يغامر باللغة الجديدة والصورة المختلفة. هو رائد قصيدة النثر في عُمان، وأسهم في ترسيخها عُمانيًّا وخليجيًّا، بانيًا شعره وسرده من ذاكرة المكان العُماني وحكاياته، ومن مفردات تراثه وتفاصيل الحياة فيه، التي منحها حضورًا جديدًا في نصه الإبداعي.
هو كما وصفه الشاعر زاهر الغافري ذات مرة، لا يترك فعالية يجدها أصيلة إلا ويسعى للمشاركة فيها؛ لأنه «لا يبحث سوى عن الجوهر، عن ذلك الأصيل الضارب في الجذور، الذي يراهن عليه طبقات عبر طبقات، وتراكمًا بعد تراكم، ليتشكل الوعي الثقافي وتورق شجرة المعرفة بدأب صبور وصادق». لذا وجدناه ما إن تتاح له مسؤولية ثقافية كعضوية مجلس إدارة الجمعية العمانية للكتّاب والأدباء (ما بين عامي 2008 و2010) حتى يعمل بجدّ على مشاريع ثقافية مستدامة تخدم المثقفين، وقد سبق أن كتبتُ في بورتريه عنه أنه خلال تينك السنتين لم يكن ثمة مشروع ثقافي أصيل للجمعية إلا وكان لسماء عيسى يد فيه، بدءًا من تأسيس جائزة أفضل الإصدارات العُمانية التي باتت تقليدًا سنويًا، ومرورًا بترسيخ عادة الاحتفال السنوي بالشعر والفلسفة، والاهتمام بالتراث والحكايات الشعبية، وليس انتهاءً بجائزة الإنجاز الثقافي البارز، التي بدأت في الجمعية واستمرت بعد ذلك في مبادرة «القراءة نور وبصيرة»، وأنه - أي سماء - لم يترك فرصة لخدمة المشهد الثقافي العماني إلا واستثمرها وعمل عليها بجدّ ودأب. ظل طوال الوقت شجرة وارفة الظلال يستظل بها المثقفون العمانيون على اختلاف أعمارهم وتوجهاتهم، شعراء كانوا أو قاصين أو سينمائيين أو تشكيليين أو مسرحيين. كبارًا كانوا أو في مقتبل العمر. كل ذلك بمحبة كبيرة وإخلاص ودون شبهة رياء أو ادعاء.
أذكر أنني شاركت مع سماء عيسى في ورشة كتابة السيناريو للأفلام القصيرة في مارس 2012، بتنظيم ما كانت تسمى آنذاك الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون. وهناك أبديتُ له اندهاشي أن يشارك في هذه الورشة سينمائي معروف مثله، رغم أن المحاضِرة سينمائية في عمر أبنائه، فردّ عليَّ ببساطة: «أنا حريص على أن أتعلم كل يوم شيئًا جديدًا. وإذا توقفتُ عن التعلم أكون قد انتهيت». هذه الجملة تختصر لنا سماء عيسى الذي لا تمنعه خبرته من الإصغاء والتعلم، ولا تشغله مكانته عن تقديم نصائحه بطيب خاطر للشعراء والأدباء الشباب، الذين صار بعضهم اليوم أسماء متحققة تدين له بالفضل، وأذكر منهم على سبيل المثال الشاعر عادل الكلباني، الذي أورد في شهادة له نصائحَ وجهها إليه سماء عيسى وهو في مقتبل تجربته بعد أن قرأ نصه بجدية، فنبهه إلى أن الشعر يلمّح ولا يصرّح، ودعاه إلى قراءة الجملة الشعرية بتأنٍّ، والتخلص من الصور المكررة، والاهتمام ببناء النص من داخله. إنها ملاحظات تأخذ تجربة الكاتب الشاب على محمل الجد، ونصائح تصلح لكل من يبدأ طريق الأدب، لا للشعراء فقط.
وبعد؛ فإن الكتابة عن سماء عيسى لا تكفيها مساحة محدودة كهذه، وما هذا المقال سوى انتهاز فرصة لتحيته، والاعتراف بجميله الثقافي، بمناسبة تكريمه المستحق في البحرين.
سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني