تكشف المؤشرات السكانية في سلطنة عُمان عن تحول لافت في أنماط الإنجاب، مع تراجع أعداد المواليد خلال السنوات الماضية، في ظاهرة تتجاوز حدود رصد الأرقام والإحصائيات لتطرح تساؤلات حول مستقبل الأسرة العُمانية، والعوامل المؤثرة في قرارات الزواج والإنجاب، وانعكاسات التحولات على التركيبة العمرية للسكان واحتياجات الأجيال المقبلة.
ويشير تحقيق أجرته "عُمان" اعتمادًا على بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات وآراء مختصين في علم السكان والصحة وعلم الاجتماع إلى أن تراجع المواليد أتى نتيجة عوامل متداخلة من بينها انخفاض معدلات الخصوبة وتأخر الزواج والإنجاب وتغير تطلعات الأجيال الجديدة بشأن حجم الأسرة وارتفاع تكاليف المعيشة وتربية الأطفال.
ويؤكد المختصون أن التحول في مفهوم الأسرة الناجحة أصبح من العوامل التي تحتاج إلى دراسة خاصة مع تزايد اهتمام الأسرة بجودة التعليم والرعاية الصحية والاستقرار النفسي للأطفال بدلا من التركيز على عدد الأبناء وحده، كما أشاروا إلى أهمية الظروف الاقتصادية والاستقرار الوظيفي والتوازن بين الحياة المهنية والأسرية في تشكيل قرارات الزواج والإنجاب.
وأظهرت إحصائيات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات التي حللتها "عُمان" تراجعا واضحا في أعداد المواليد الأحياء خلال الفترة من 2016 إلى 2025م. فبعد أن بلغ عدد المواليد العُمانيين في عام 2016م، 81,868 مولودًا، ارتفع في عام 2017م إلى 84,020 مولودًا، إلا أنه تراجع عام 2025م ليسجل 63,252 مولودًا، بنسبة تراجع بلغت نحو 22.7% مقارنة بعام 2016م.
وانعكس هذا التراجع في معدل المواليد الخام للعمانيين الذي بلغ عام 2025م 20.8 مولود لكل ألف نسمة مقارنة بـ33.7 عام 2016م. أما إجمالي المواليد العُمانيين الأحياء في عام 2025م، فقد انخفض بنحو 0.1% مقارنة بالعام السابق له.
ولم تتوقف دلالات الأرقام عند حجم المواليد، وإنما انعكس هذا على التخطيط للقطاع المدرسي حيث توقعت وزارة التعليم أن يصل عدد الطلبة المستجدين في الصف الأول الأساسي للعام الدراسي 2028/2027م بالمدارس الحكومية والخاصة إلى أكثر من 80 ألف طالب وطالبة.
إلا أن البيانات تظهر أن أعداد طلبة الصف الأول بالتعليم المدرسي في عام 2016م بلغت 63,369 طالبًا ثم ارتفعت إلى 64,946 طالبًا في عام 2017م، ثم في عام 2022 قفز العدد إلى 85,441 طالبًا بعدها بدأ العدد في التراجع التدريجي في السنوات اللاحقة، إلى أن وصل عام 2025م إلى 83,182 طالبًا.
تباطؤ النمو السكاني
وتشير المؤشرات إلى تراجع معدل النمو السكاني العام في سلطنة عُمان من 5.9% إلى 1.7% خلال السنوات الماضية إلى جانب تراجع معدل الزيادة الطبيعية إلى 12.09% بعد أن كان 18.16%.
كما انخفض معدل النمو السنوي للسكان العُمانيين من 3.5% عام 2016م -بمعدل زيادة طبيعية بنسبة 30.67%- إلى معدل سنوي وصل إلى 1.8% عام 2025م -بمعدل زيادة طبيعية ما نسبته 18.41%.
واستقر المعدل الكلي للخصوبة لدى العُمانيات في الفئة العمرية من 15 إلى 49 سنة عند 2.8 مولود لكل امرأة في عام 2025م، دون تغيير عن العام السابق، فيما ارتفع إجمالي المواليد الأحياء للأمهات في الفئة العمرية من 40 إلى 44 سنة بنسبة 11%.
الزواج والطلاق
وتظهر المؤشرات تذبذب معدل الزواج العام خلال السنوات الماضية فقد بلغ عام 2016م 7.0 ثم انخفض إلى5.7 عام 2020م.
كما وصل عام 2023م إلى 3.8، في حين سجل المعدل عام 2025م 5.7. أما معدل الطلاق فقد استقر خلال السنوات العشر الماضية بين 1.0 و1.2.
أما إجمالي وثائق الزواج والطلاق الصادرة من دوائر الكاتب بالعدل فقد بلغ عام 2025م 23,117 وثيقة زواج بارتفاع ما نسبته 29.2% عن عام 2024م الذي سجل 17,896 وثيقة، وعام 2023م 14,716 وثيقة.
في المقابل تجد أن هناك ارتفاعا ملحوظا في نسبة المواليد غير العُمانيين، من 6,478 إلى 10,606، أي أن نسبتهم من الإجمالي ارتفعت بوضوح.
التراجع يشمل مختلف المحافظات
والمتتبع للمؤشرات على مستوى المحافظات يلاحظ أن تراجع المواليد لم يقتصر على محافظة بعينها وإنما ظهر في كل المحافظات خلال الفترة 2016-2025م ففي محافظة مسقط انخفض عدد المواليد الأحياء العُمانيين من 14,397 مولودًا في عام 2016م إلى 10,917 مولودًا عام 2025م، وبالمثل في محافظة شمال الباطنة من 17,193 إلى 12,485 مولودًا وتعد هاتان المحافظتان ذواتَي كثافة سكانية مرتفعة في سلطنة عُمان.
وكذلك الحال في المحافظات الأخرى فقد تفاوت الانخفاض من حيث الحدة من محافظة لأخرى، ففي محافظة الداخلية انخفض العدد من 12,430 إلى 8,970 مولودًا، وفي محافظة جنوب الباطنة من 10,038 إلى 8,182 مولودًا، كما تراجع العدد في محافظة جنوب الشرقية من 6,979 إلى 6,019 مولودًا، ومحافظة شمال الشرقية من 6,138 إلى 4,946 مولودًا، بينما انخفض في محافظة الظاهرة من 5,067 إلى 3,582 مولودًا.
وسجلت محافظة ظفار انخفاضًا من 5,906 إلى 5,532 مولودًا ومحافظة مسندم من 909 إلى 614 مولودًا، وفي محافظة البريمي من 2,124 إلى 1,447 مولودًا، في حين وصل عددهم في محافظة الوسطى من 687 إلى 558 مولودًا فقط.

**media[3570802]**


تغير مفهوم الأسرة
وراء هذه الأرقام الوطنية قصة تغير تحدث داخل الأسر والمجتمع العُماني، هذا ما أكده الدكتور وعد علي، أستاذ مساعد في علم السكان بقسم الجغرافيا في جامعة السلطان قابوس، فقال: يتشكل النمو السكاني من ثلاثة مكونات رئيسة وهي المواليد والوفيات والهجرة. فالمواليد يضيفون أفرادا إلى السكان، والوفيات تقلل عددهم، في حين يمكن للهجرة أن تزيد النمو أو تقلله بحسب التوازن بين أعداد الأشخاص الداخلين إلى البلاد والمغادرين منها.
وأوضح أن أحد أبرز التغيرات بين العُمانيين هو الانخفاض المستمر في الخصوبة وما نتج عنه من تراجع في عدد المواليد. فقد انخفض معدل الخصوبة الكلي (TFR)، الذي يشير إلى متوسط عدد الأطفال الذين يُتوقع أن تنجبهم المرأة إذا استمرت أنماط الخصوبة الحالية، من نحو 4 أطفال لكل امرأة في عام 2015 م إلى 2.8 طفل في عام 2025م. وخلال الفترة نفسها، انخفض عدد المواليد الأحياء للعُمانيين من ٧٩٬٩٢٦ إلى ٦٣٬٢٥٢ مولودًا، أي بانخفاض يقارب ٢١٪.
ويشير الدكتور إلى أن عدد المواليد لا يزال يفوق عدد الوفيات بين العُمانيين، ولذلك لا يزال عدد السكان العُمانيين ينمو. لكن مع انخفاض الخصوبة، يمكن أن تصبح الفجوة بين المواليد والوفيات أصغر. وبعبارة بسيطة، لا يزال عدد السكان ينمو، ولكن بوتيرة أبطأ.
أما على مستوى إجمالي السكان المقيمين في عُمان، فتمثل الهجرة أيضًا جزءا مهما من الصورة، لأن الوافدين يشكلون نسبة كبيرة من السكان.
التعليم والعمل والاستقرار المالي
ويرى الدكتور وعد أن استمرار انخفاض الخصوبة قد يعكس إنجاب الأسر عددًا أقل من الأطفال، أو بدء الإنجاب في سن متأخرة، أو المباعدة بين الولادات بصورة مختلفة، أو مزيجا من هذه التغيرات.
وتتزامن هذه الأنماط مع تغيرات أوسع في التعليم والعمل والأمان المالي والسكن، وهي عوامل يمكن أن تشكل القرارات المتعلقة بالزواج وتكوين الأسرة.
وعندما تحدث تغيرات مماثلة لدى آلاف الأسر، فإنها تعيد تدريجيًا تشكيل المجتمع العُماني والسكان ككل. فانخفاض عدد المواليد اليوم يعني دخول مجموعات أصغر من الأطفال إلى المدارس في السنوات المقبلة.
وستنتقل هذه الأجيال الأصغر لاحقًا إلى الجامعات وسوق العمل، في الوقت الذي يواصل فيه البالغون اليوم الانتقال إلى أعمار أكبر. وإذا استمر انخفاض الخصوبة، فستشكل الأجيال الأصغر تدريجيًا نسبة أقل من السكان، في حين ستصبح الفئات العمرية الأكبر سنًا أكثر حضورا. ولهذا السبب، ينبغي عدم الخلط بين تباطؤ النمو السكاني وتراجع عدد السكان؛ إذ يمكن أن يستمر عدد سكان عُمان في النمو، ولكن بوتيرة أبطأ. وما يتغير ليس فقط وتيرة النمو اليوم، بل أيضًا التركيب العمري للسكان الذي سيكون لدى عُمان غدا.
وأكد الدكتور أن انخفاض الخصوبة في عُمان يحدث بالتزامن مع تغيرات اجتماعية واقتصادية وثقافية أوسع يمكن أن تؤثر في توقيت تكوين الشباب لأسرهم وفي الأمور التي يعتبرونها مهمة قبل القيام بذلك. ومن الناحية الاجتماعية، يمكن أن يسهم البقاء لفترات أطول في التعليم وتغير مسارات الانتقال إلى مرحلة الرشد في تأخر الزواج والأبوة والأمومة.
ومع قضاء الشباب وقتا أطول في استكمال تعليمهم ودخول سوق العمل وتأسيس أنفسهم، قد يتأخر الزواج والإنجاب. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى تغير التوقعات المتعلقة بتوقيت الزواج والأبوة والأمومة، مع تركيز أكبر على استكمال التعليم وتحقيق الاستقرار الشخصي والاقتصادي قبل تكوين الأسرة.
كما يمكن أن تؤثر العوامل الاقتصادية، من فرص العمل والأمان الوظيفي والدخل والسكن المناسب وتكاليف تأسيس الأسرة وتربية الأطفال، في الوقت الذي يشعر فيه الشباب بأنهم مستعدون ماليًا للزواج والإنجاب.
ويضيف: تتطور التوقعات الثقافية مع تغير المجتمع، فالزواج والأسرة لا يزالان مؤسستين اجتماعيتين مهمتين، إلا أن التوقعات المتعلقة بالعمر المناسب للزواج، والاستعداد للأبوة والأمومة، وحجم الأسرة، والظروف التي ينبغي فيها تكوين الأسرة يمكن أن تتغير عبر الأجيال.
وشدد الدكتور على أن هذه التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لا تعمل بصورة منفصلة، بل تتفاعل مع التوقعات المتعلقة بالزواج والأبوة والأمومة وحجم الأسرة. وهي مجتمعة تشكل الفرص والقيود التي يواجهها الشباب عند اتخاذ قرارات بشأن توقيت الزواج، وتوقيت الإنجاب، وربما عدد الأطفال الذين سينجبونهم.
ويرى أن السؤال الأساسي هو ما إذا كان العُمانيون الأصغر سنًا يؤجلون الزواج والإنجاب بصورة رئيسية، أم أنهم سينجبون في نهاية المطاف عددًا أقل من الأطفال، أم أن التغيرين يحدثان معا. ويمكن للإحصاءات أن توضح لنا كيف تتغير الخصوبة وتكوين الأسرة، لكن فهم أسباب ذلك يتطلب منا النظر في الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الأوسع التي يبني في ظلها الشباب العُماني حياتهم وأسرهم.
ولفت إلى أن هذه التغيرات لا تتعلق فقط بنسب الفئات العمرية المختلفة، بل تؤثر أيضًا في احتياجات الأسر والمجتمع. فمع تغير التوازن بين الأطفال والبالغين في سن العمل وكبار السن، ستتغير كذلك المتطلبات الواقعة على المؤسسات والخدمات في مختلف مراحل الحياة.
وخلال العقدين المقبلين، قد يتراجع الطلب على المدارس والجامعات، بالتزامن مع تزايد الاحتياجات إلى الرعاية الصحية والرعاية طويلة الأجل والدعم في مرحلة الشيخوخة.
وأكد أن الأهمية الديموغرافية لانخفاض المواليد تتجاوز عدد الأطفال المولودين اليوم؛ إذ إنها، مع مرور الوقت، تغير التركيب بين الأجيال في المجتمع وأنواع الدعم التي قد تحتاج إليها الأجيال المختلفة.
فرصة ديموغرافية
ويشير الدكتور إلى أنه خلال العقدين المقبلين، ستتغير الفرص والتحديات الديموغرافية في عُمان مع تقدم أجيال اليوم في العمر. وعلى المدى الأقرب، تكمن إحدى الفرص المهمة في السكان في سن العمل. فعندما تكون نسبة كبيرة نسبيًا من السكان في سن العمل مقارنة بالأطفال وكبار السن، يمكن أن ينشأ ما يسميه علماء السكان العائد الديموغرافي، وهو وضع يمكن أن يكون فيه التركيب العمري للسكان مواتيًا للنمو الاقتصادي، وتعتمد الاستفادة منه على التعليم والمهارات والصحة الجيدة والعمل المنتج وقدرة الاقتصاد على الاستفادة الفعالة من قواه العاملة.
وأضاف: إن تباطؤ النمو في عدد الأطفال أيضًا يتيح مجالًا أكبر للاستثمار في تعليم كل طفل وصحته وتنميته. في المقابل، ستتغير التحديات مع مرور الوقت إلى زيادة أهمية الرعاية الصحية والشيخوخة الصحية والمعاشات والحماية الاجتماعية والرعاية طويلة الأجل ودعم أفراد الأسرة الذين يقدمون الرعاية للآخرين.
وأشار إلى أنه مع استمرار وجود أفواج أصغر من المواليد، ستدخل هذه الأجيال في نهاية المطاف إلى القوى العاملة، مما قد يقلل عدد الشباب العُمانيين الداخلين إلى سوق العمل. وسيعتمد ما يعنيه ذلك عمليًا أيضًا على المشاركة في القوى العاملة والإنتاجية والهجرة. وستظل الهجرة ذات أهمية خاصة لأن الوافدين يشكلون نسبة كبيرة من سكان عُمان وقوتها العاملة. ولذلك يمكن للتحول الديموغرافي نفسه أن يخلق فرصًا في مرحلة، واحتياجات مختلفة في مرحلة أخرى.
وأكد الدكتور أن المهمة الأساسية تتمثل في الاستفادة من الفرص الديموغرافية المتاحة اليوم، مع الاستعداد المبكر لاحتياجات السكان في المستقبل، وسيتعين على أنظمة التعليم والعمل والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية وتقديم الرعاية أن تتطور بالتوازي مع السكان.
وحول المؤشرات التي ينبغي متابعتها خلال السنوات المقبلة، أوضح الدكتور وعد أنه لا يمكن الاعتماد على مؤشر واحد لتحديد ما إذا كان انخفاض المواليد مؤقتًا أم يمثل تحولا ديموغرافيا طويل الأمد، بل يتطلب الأمر متابعة مجموعة متكاملة من المؤشرات.
وتشمل هذه المؤشرات معدل الخصوبة الكلي، ومتوسط العمر عند الزواج الأول، والعمر عند الولادة الأولى، والفترات الفاصلة بين الولادات، إلى جانب الخصوبة المكتملة التي توضح عدد الأطفال الذين تنجبهم الأجيال المتعاقبة في نهاية سنواتها الإنجابية.
وبيّن أنه إذا كانت النساء يؤخرن الإنجاب فحسب، لكنهن ينجبن في نهاية المطاف عددًا مماثلا من الأطفال، فإن ذلك يشير بصورة رئيسية إلى تأجيل الإنجاب. أما إذا أكملت الأجيال المتعاقبة سنواتها الإنجابية بعدد أقل من الأطفال، فسيقدم ذلك دليلا أقوى بكثير على تحول دائم نحو أسر أصغر حجمًا.
وأضاف: إن أعداد المواليد السنوية ينبغي تفسيرها بحذر، فعدد الأطفال المولودين في سنة معينة لا يعتمد فقط على سلوك الخصوبة، بل يعتمد أيضًا على عدد النساء في سن الإنجاب وتوزيعهن العمري. ولذلك فإن انخفاض عدد المواليد السنوي لا يخبرنا، في حد ذاته، ما إذا كان الناس سينجبون بصورة دائمة عددًا أقل من الأطفال.
وشدد الدكتور على أهمية متابعة نوايا الإنجاب التي يمكن أن توفر فهمًا لعدد الأطفال الذين يرغب الناس في إنجابهم أويتوقعون إنجابهم، وما إذا كانوا يعتزمون تأجيل الإنجاب. كما يمكن للتعليم والعمل والأمان الاقتصادي والسكن أن تساعدنا على فهم الظروف التي تُتخذ في ظلها القرارات المتعلقة بالزواج والأبوة والأمومة.
وأكد الدكتور أن ربط الاتجاهات الديموغرافية بحياة الناس التي تقف وراءها سيقدم صورة أفضل وستبين لنا ما إذا كانت عُمان تشهد بصورة رئيسية تأخرًا في الإنجاب، أو تحولا دائمًا نحو أسر أصغر حجمًا، أو كليهما.
الاستعداد لتغيرات المستقبل
وحول ما ينبغي لعُمان الاهتمام به ومعالجته مستقبلًا لضمان التوازن الديموغرافي، واحتياجات الأجيال الجديدة، يرى الدكتور أنه ينبغي أن تبدأ بالاهتمام بالكيفية التي تبني بها الأجيال الأصغر حياتها وتكوّن أسرها. فالعمل والسكن ورعاية الأطفال والتوازن بين العمل والأسرة والأمان الاقتصادي، جميعها يمكن أن تؤثر في الوقت الذي يشعر فيه الأفراد بأنهم مستعدون للزواج والإنجاب.
ولفت إلى أهمية فهم ما إذا كان الشباب يؤخرون الزواج والإنجاب لأنهم يفضلون ذلك، أو لأن الظروف العملية تجعل تكوين الأسرة أكثر صعوبة، أو لأن الأمرين يحدثان معا.
وأضاف: إن ما يحدث داخل الأسر اليوم يشكل تدريجيًا السكان الذين سيكونون في عُمان غدا؛ إذ تحدد الخصوبة والوفيات والهجرة مدى سرعة نمو السكان وكيف يتغير تركيبهم العمري.
ويختتم بالتأكيد على أن التحدي يتمثل في مسارين متكاملين: دعم الأسر في الظروف التي تساعدها على تحقيق تطلعاتها والاستعداد في الوقت نفسه للتغيرات الديموغرافية التي ستتكشف غدا. ويعني ذلك التخطيط لاحتياجات الأجيال الأصغر في التعليم والعمل، والقوى العاملة المستقبلية، والاحتياجات الصحية والاجتماعية لسكان يتجهون نحو الشيخوخة. ولا يعني التوازن الديموغرافي الوصول إلى معدل خصوبة معين. بل يعني دعم تطلعات الأسر، وتوسيع الفرص المتاحة للأجيال الجديدة، واحتياجات السكان المتغيرة معًا.

**media[3570800]**


معدل الخصوبة الكلي
وعن دور وزارة الصحة في متابعة تغير أعداد المواليد العُمانيين خلال السنوات الماضية تقول الدكتورة جميلة بنت تيسير العبري طبيبة استشارية ومديرة دائرة الصحة الإنجابية: يتم رصد الولادات من جميع المؤسسات الصحية الحكومية سواء كانت تابعة لوزارة الصحة أو المؤسسات الصحية الحكومية الأخرى، والمؤسسات الصحية الخاصة في النظام الوطني للتبليغ عن واقعات الولادة والوفاة.
وحسب النشرة الصادرة من وزارة الصحة فقد بلغ عدد المواليد في عام 2025م، 62,233 مولودًا عُمانيًا حسب البلاغات الواردة من جميع المؤسسات، مقارنة بـ 80,471 مولودًا عُمانيًا في عام 2015 و61,068 مولودًا عُمانيًا في عام 2010.
وأوضحت أن التقرير الصحي لوزارة الصحة لعام 2025 أظهر انخفاض معدل الخصوبة الكلي للعُمانيات من 3.5 مولود حي لكل امرأة في الفئة العمرية من 15 إلى 49 سنة في عام 2020 إلى 2.8 مولود حي لكل امرأة في الفئة العمرية من 15 إلى 49 سنة في عامي 2024 و2025. وبينت أن معدل الخصوبة الكلي يعتبر مقياسًا ديموغرافيا يُستخدم لتقدير متوسط عدد الأطفال الذين يُتوقع أن تنجبهم المرأة الواحدة خلال فترة حياتها الإنجابية.
تأخر الزواج والإنجاب
وأشارت الدكتورة إلى أنه من خلال عيادات رعاية الحوامل لوحظ أن هناك انخفاضا في متوسط عدد الأطفال الذين تنجبهم المرأة العُمانية، ويرجع ذلك لعدد من العوامل، من أبرزها تأخر سن الزواج والإنجاب؛ حيث إن الخصوبة تقل مع التقدم في العمر خاصة عند النساء.
وأضافت: إن رغبة الزوجين في إنجاب عدد أقل من الأطفال قد تكون من العوامل المؤثرة أيضًا؛ حيث تشير الدراسات في هذا المجال إلى أثر العوامل الاقتصادية والاجتماعية في قرارات الزواج والإنجاب.
ومن المنظور الصحي، أوضحت أن الخصوبة والإنجاب لدى الرجال والنساء تتأثر بمجموعة واسعة من الأمراض والعوامل البيئية والسلوكية، فبعض الأمراض الوراثية والاضطرابات الهرمونية قد تؤثر على القدرة على الإنجاب لدى الرجل والمرأة، كما يمكن أن تؤثر بعض الأمراض المزمنة مثل مرض السكري.
وأضافت: إن بعض حالات تأخر الحمل قد ترتبط بانسداد في قنوات فالوب لدى المرأة أو انسداد القنوات الناقلة للحيوانات المنوية عند الرجل التي قد تحدث نتيجة التهابات أو عمليات سابقة. كذلك تؤثر السلوكيات غير الصحية سلبا في الخصوبة مثل التدخين وتناول الكحول، وسوء التغذية. وقد تؤثر العوامل البيئية على الصحة الإنجابية ومنها التعرض للمواد الكيميائية الضارة مثل المبيدات الحشرية وبعض المواد البلاستيكية والتعرض المزمن لتلوث الهواء، والتعرض للإشعاع.
ذروة الإنجاب الأول
وحول التغيرات في عمر المرأة عند الولادة الأولى أوضحت الدكتورة أن تحليل بيانات عمر الأم عند ولادة الطفل الأول أظهر أن هناك تصاعدًا في أعداد الأمهات اللاتي أعمارهن في الثلاثينيات والأربعينيات عند ولادة الطفل الأول، وانخفاضًا في أعداد الأمهات اللاتي ينجبن أول طفل في مرحلة العشرينيات.
وأضافت: إن ذروة إنجاب الطفل الأول شهدت زحفًا من الفئة العمرية (25-29 سنة) إلى الفئة العمرية (30-35 سنة).
وأشارت إلى أن التقرير الصحي السنوي لوزارة الصحة أوضح أن الفترة الفاصلة بين الولادات تبلغ 3 سنوات وأكثر بنسبة 59.7% في عام 2025، مقابل 40.3% للفترات الأقل من ثلاث سنوات، والمقصود بالفترة بين الولادات هو الفترة بين ولادة طفل وولادة الطفل الذي يليه.
وحول دور وسائل تنظيم الأسرة والمباعدة بين الولادات في انخفاض عدد المواليد، تبين العبري أن الهدف الأساسي من المباعدة بين الولادات هو تعزيز صحة الأم والطفل، فالمباعدة تعني ترك فترة زمنية بين حمل وآخر لأجل أن تستعيد الأم صحتها، ومن أجل الرضاعة الطبيعية وتعزيز نمو الطفل ورعايته.
وأشارت إلى أن الدراسات المحلية والعالمية توضح الأثر السلبي لعدم ترك فترة بين الأحمال على مراضة ووفيات الأمهات والأطفال، وليس الهدف خفض المواليد أو تحديد عدد المواليد التي يمكن للأم أن تنجبهم، ويظل قرار الإنجاب وتوقيته معتمدًا على رغبة الزوجين، فيمكن للأم أن تترك فترة مناسبة بين حمل وآخر، ولا يزال بإمكانها إنجاب عدد من الأطفال أثناء فترة الإنجاب من عمرها متى ما أرادت ذلك.
ولفتت إلى أن أعداد المواليد العُمانيين ارتفعت من 61,068 مولودًا في عام 2010 إلى 80,471 مولودًا في عام 2015، رغم وجود وسائل المباعدة بين الولادات خلال تلك الفترة، وهو ما يدعم ضرورة عدم اعتبار المباعدة العامل الأساسي في تفسير تراجع المواليد.
تغير رغبة الأسر
وأوضحت العبري أن البيانات المسجلة في عيادات رعاية الحوامل تشير إلى انخفاض في متوسط عدد مرات الحمل لدى النساء، وقد يكون ذلك انعكاسًا لتغير رغبة الأسر العُمانية في عدد الأطفال الذين ترغب في إنجابهم، ولكن هناك حاجة لإجراء دراسات في اتجاهات الأسر العُمانية نحو الإنجاب وعدد الأطفال لإثبات ذلك.
وحذرت العبري من استمرار تراجع المواليد على المدى البعيد الذي سيؤدي إلى تغيير في الهرم السكاني للعُمانيين، من حيث زيادة كبار السن مقارنة بعدد الأطفال والشباب، والذي سيكون له آثار اقتصادية واجتماعية من حيث انخفاض نسبة السكان في سن العمل، وفي المقابل زيادة نسبة السكان من فئة كبار السن الذين يحتاجون إلى رعاية وعناية خاصة مع ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة، والذي سيشكل عبئًا على الموارد الصحية.
وأكدت على الدور الذي يمكن أن تؤديه وزارة الصحة في التوعية حول العمر المناسب للإنجاب، وأثر تأخير الزواج والإنجاب.

**media[3570803]**


الحماية القانونية للعامل
ومن جانب آخر، يقول قحطان بن مالك اليافعي رئيس قسم حوكمة لجان التشغيل بوزارة العمل: إن قانون العمل العُماني الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (2023/53) يتضمن مجموعة من الأحكام التي تسهم في دعم الاستقرار الأسري، من خلال تنظيم ساعات العمل والراحة والإجازات، وتعزيز حماية الأمومة والأبوة ورعاية الطفل، إلى جانب توفير الحماية القانونية للعامل من الفصل التعسفي، بما يعزز التوازن بين الحياة المهنية والأسرية، ويدعم الاستقرار الوظيفي، ويراعي المسؤوليات الأسرية للعاملين والعاملات.
وأوضح اليافعي أن تنظيم ساعات العمل يمثل أحد الجوانب المهمة في تحقيق هذا التوازن؛ إذ حددت المادة (70) من القانون الحد الأقصى لساعات العمل الفعلية بثماني ساعات يوميًا وأربعين ساعة أسبوعيًا، مع تخفيض ساعات العمل في شهر رمضان المبارك للعمال المسلمين إلى ست ساعات يوميًا أو ثلاثين ساعة أسبوعيًا.
وأضاف: إن القانون يقرر للعامل راحة أسبوعية مدفوعة الأجر لا تقل عن يومين متتاليين، وفقًا للمادة (77)، كما يمنحه إجازة سنوية بأجر شامل لا تقل عن ثلاثين يومًا، وفقًا للمادة (78)، بما يتيح له فرصًا منتظمة للراحة واستعادة النشاط وقضاء الوقت مع أسرته.
الأمومة والأبوة ورعاية الطفل
وأشار اليافعي إلى أن المادة (76) من قانون العمل تمنح العاملة المرضعة ساعة يوميًا لرعاية طفلها، تبدأ بعد انتهاء إجازة الوضع وتستمر لمدة عام واحد، على أن تُحسب هذه الساعة ضمن ساعات العمل الفعلية، وتحدد العاملة موعدها. ويتيح هذا الحكم للمرأة العاملة مواصلة حياتها المهنية مع تخصيص وقت يومي لرعاية طفلها.
وبين أن المادة (84) من القانون أقرت إجازة أبوة مدفوعة الأجر مدتها سبعة أيام، متصلة أو منفصلة، بما يعزز مشاركة الأب في رعاية المولود ومساندة الأم خلال الفترة الأولى بعد الولادة، ويدعم توزيع المسؤوليات الأسرية بين الوالدين.
وأضاف: إن للمرأة العاملة المؤمن عليها إجازة أمومة (وضع) لمدة ثمانية وتسعين يومًا (تُحسب قبل الولادة وبعدها)، ويجوز أن يكون منها أربعة عشر يومًا قبل الوضع، ويُصرف للعاملة بدل إجازة أمومة وفقًا لأحكام قانون العمل وقانون الحماية الاجتماعية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (2023/52).
العمل عن بُعد ولبعض الوقت
وأوضح اليافعي أن وزارة العمل تعمل على تعزيز مرونة بيئة العمل من خلال تنظيم العمل عن بُعد بموجب القرار الوزاري رقم (2025/523)، الذي يتيح أداء العمل كليًا أو جزئيًا من خارج مقر المنشأة باستخدام وسائل تقنية المعلومات والاتصالات، وفقًا للضوابط المحددة في القرار.
وأشار إلى أن هذا النمط من العمل يمكن أن يسهم في تقليل الوقت المستغرق في التنقل، ولا سيما بالنسبة إلى العاملين الذين يقطعون مسافات طويلة بين المحافظات.
ولفت اليافعي إلى أن توفير خيارات عمل أكثر مرونة تتيح فرصًا أكبر للتوفيق بين المتطلبات المهنية والالتزامات الأسرية، وتمنح العاملين والعاملات مرونة في تنظيم شؤونهم اليومية، مع المحافظة على أداء واجباتهم الوظيفية.
وأوضح اليافعي أن القرار الوزاري رقم (2025/13) بشأن تنظيم العمل لبعض الوقت أتاح إطارًا لتشغيل المواطنين العُمانيين بساعات عمل تقل عن ساعات العمل المقررة للعاملين في المنشأة ذاتها أو عن ساعات العمل المقررة قانونًا.
وبيّن أن القرار يقتصر على العُمانيين، ويشمل العاملين والباحثين عن عمل والطلبة والمتقاعدين، كما يجيز تشغيل الأحداث لبعض الوقت وفقًا لأحكام قانون العمل والضوابط المنظمة لتشغيلهم.
وأضاف: إن القرار حدد ساعات العمل بما لا يقل عن أربع ساعات يوميًا، وبحد أقصى خمس وعشرين ساعة أسبوعيًا، كما قرر ألا يقل أجر ساعة العمل عن ثلاثة ريالات عُمانية، ويجوز الاتفاق على أجر أقل بموافقة وزارة العمل، وفقًا للشروط الواردة في القرار.
وأكد اليافعي أن هذا النمط من التشغيل يوفر فرصًا أكثر مرونة لفئات متعددة من المجتمع؛ إذ يمكن أن يساعد الطلبة على اكتساب الخبرة العملية وتحقيق دخل خلال فترة الدراسة، ويتيح للباحثين عن عمل فرصًا إضافية لدخول سوق العمل، كما يمنح المتقاعدين إمكانية الاستفادة من خبراتهم في أعمال تتناسب مع ظروفهم، ويوفر للعاملين فرصًا للعمل بساعات أقل وفقًا للشروط المنظمة لهذا النمط من التشغيل.
وأشار إلى أن هذه المرونة يمكن أن تسهم في تحسين دخل الأفراد، وتوسيع فرص المشاركة الاقتصادية، ودعم استقرار الأسر، مع مراعاة التزامات الأفراد التعليمية والأسرية والاجتماعية.
تطوير منظومة الإجازات
وحول التطورات التي شهدتها منظومة الإجازات، أوضح اليافعي أن قانون العمل الحالي تضمن أحكامًا تعزز حقوق العاملين وتدعم استقرارهم الأسري، من بينها استحقاق الإجازة السنوية بأجر شامل، بما يتضمنه من أجر أساسي وعلاوات وبدلات مقررة، وفقًا للأحكام المنظمة لذلك في القانون.
وأشار إلى أن الإجازة المرضية شهدت تطورًا مقارنة بالتشريع السابق؛ إذ ارتفع الحد الأقصى لمدة الإجازة المرضية من سبعين يومًا إلى مائة واثنين وثمانين يومًا خلال العام، وفقًا للضوابط ونسب استحقاق الأجر المقررة قانونًا، بما يعزز حماية العامل عند تعرضه لظروف صحية تستدعي الانقطاع عن العمل.
وأضاف: إن إجازة الوضع أصبحت 98 يومًا، مقارنة بـ50 يومًا في التشريع السابق، مع استحقاقها وفقًا للأحكام المقررة في قانون العمل، وبما يتكامل مع أحكام قانون الحماية الاجتماعية المتعلقة بالمنافع التأمينية ذات الصلة.
كما أشار إلى أن القانون تضمن إجازة لمرافقة مريض من أفراد الأسرة، وفقًا للشروط والضوابط المحددة فيه، بما يراعي الظروف الأسرية التي تستدعي مرافقة المريض وتقديم الرعاية اللازمة له.
دعم الاستقرار الوظيفي
وفيما يتعلق بمبادرات دعم الاستقرار الوظيفي والاجتماعي، أوضح اليافعي أن وزارة العمل تواصل جهودها لسد الفجوة المهارية بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، من خلال دعم سبعة مسارات تدريبية مرتبطة بفرص وظيفية، بما يسهم في رفع جاهزية الباحثين عن عمل وتعزيز فرص اندماجهم في سوق العمل.
وأشار إلى أن الوزارة تقدم منحًا شهرية خلال فترة التدريب في عدد من المسارات والبرامج، وفقًا للشروط والضوابط المعتمدة، بهدف دعم المتدربين وتشجيعهم على الاستمرار في برامج التأهيل واكتساب المهارات المطلوبة.
وتشمل هذه المسارات التدريب المقرون بالتشغيل، والتدريب على رأس العمل، والتدريب المقرون بإعداد رواد الأعمال، والتدريب المقرون بالعمل الحر، إلى جانب العمل الجزئي، والعقود المؤقتة في الشركات الحكومية، والتدريب المقرون بالإحلال.
وأكد أن هذه الجهود تأتي ضمن توجه الوزارة إلى تطوير سياسات سوق العمل وتعزيز فرص التشغيل، بما يدعم الاستقرار الوظيفي ويحسن قدرة الأفراد على تلبية احتياجاتهم المعيشية والأسرية، ويسهم في بناء بيئة عمل أكثر مرونة واستجابة لمتطلبات العاملين وأصحاب العمل.

**media[3570804]**


جودة الحياة ومستقبل الطفل
من جانبها، ترى مزنة بنت محسن الرحبي أخصائية اجتماعية وعضوة بجمعية الاجتماعيين العُمانية أن تراجع معدلات المواليد في سلطنة عُمان يرتبط بمجموعة من التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتداخلة، أبرزها تأخر الزواج، وارتفاع تكاليف المعيشة، وامتداد سنوات التعليم، وتغيير أولويات الشباب، إضافة إلى تغير نظرة الأسرة إلى الإنجاب بحد ذاته؛ حيث أصبح الاهتمام بجودة حياة الابن وتعليمه ومستقبله، وليس بعدد الأبناء فقط، لذلك أصبح الإنجاب في الوقت الحاضر قرارًا أكثر تخطيطًا وحذرًا مقارنة بالماضي.
وعن ارتباط تراجع المواليد بتأخر سن الزواج، أشارت الرحبي إلى أن هناك علاقة واضحة بين الظاهرتين؛ إذ إن تأخر الزواج يعني بطبيعة الحال تأخر بداية الحياة الإنجابية، وهذا ما يؤدي إلى تقليص المدة المتاحة لتكوين أسرة كبيرة.
وبينت أن الزواج في الماضي يحدث بسن أبكر، أما حاليًا، فينتظر الشباب إنهاء التعليم والحصول على وظيفة والوصول إلى الاستقرار المادي، إضافة إلى ارتفاع الطموحات التعليمية والمهنية لدى الشباب من كلا الجنسين، وارتفاع التوقعات تجاه شريك الحياة ومستوى الاستقرار المطلوب قبل الزواج، مما جعل قرار الزواج أكثر تعقيدا وأقل ارتباطًا بالعمر وحده.
وأضافت: تشكل تكاليف الزواج ضغطًا واضحًا على الشباب؛ إذ إن المهر وحفل الزواج وتأثيث بيت الزوجية قد تأتي جميعًا في بداية الحياة المهنية، هذا بطبيعة الحال يؤدي إلى تأجيل قرار الزواج وبدء الحياة الزوجية بالتزامات مالية وقروض. إضافة إلى أن هذا الضغط لا يتوقف عند بداية الزواج فقط، بل قد يكون دافعًا للزوجين لتأجيل قرار الإنجاب والمباعدة بين الأبناء حتى تتحسن أوضاعهما المالية.
نموذج الأسر الصغيرة
وحول اتجاه الأسرة العُمانية نحو تقليص عدد الأبناء، أشارت الرحبي إلى وجود تحول تدريجي نحو نموذج الأسرة الأصغر مقارنة بنموذج الأسرة الكبيرة التي كانت أكثر شيوعًا في السابق، نظرًا لقرب الأقارب وتقاسم مسؤوليات رعاية الأبناء.
وأوضحت أن الأسرة أصبحت أكثر استقلالية في الوقت الحاضر، كما تزايدت متطلبات الحياة والعمل، وهذا ما جعل بعض الأزواج ينظرون إلى أن قرار الأسرة الصغيرة أكثر قدرة على تحقيق التوازن بين الدخل والوقت المتاح وجودة التربية التي يطمحون لها.
وأضافت: إن التغير لا يتعلق فقط بالقدرة المادية، وإنما أيضًا بتغيير مفاهيم الأبوة والأمومة، فجزء كبير من الجيل الجديد لا يقيس نجاح الأسرة بكثرة الأبناء، وإنما بقدرته على توفير التعليم الجيد والاستقرار النفسي والاهتمام الكافي لكل طفل.
وأكدت أن هذا التوجه يعكس انتقالا تدريجيًا من فكرة كثرة الأبناء باعتبارها قيمة في ذاتها إلى التفكير في التوازن بين عدد الأبناء والقدرة على تربيتهم بالمستوى الذي تطمح إليه الأسرة.
تكاليف التعليم والرعاية
وحول تأثير تكاليف التعليم والرعاية الصحية ورعاية الأطفال في قرار الإنجاب، أوضحت الرحبي أن تربية الطفل ورعايته أصبحت التزاما ماليًا طويل المدى للأسرة، يشمل التعليم، والحضانة، والنقل، والصحة، إضافة إلى الأنشطة والاحتياجات اليومية.
وأضافت: إن ارتفاع تطلعات الأسرة لمستوى حياة أفضل يجعل فكرة إنجاب طفل آخر قرارًا يحتاج إلى حساب القدرة المادية، وهذا ما يدفع بعض الأسر إلى الاكتفاء بعدد أقل من الأبناء.
وأكدت الرحبي أن اتساع فرص التعليم والعمل أمام المرأة صاحبه تغير كبير في تفاصيل الحياة الأسرية. فالمرأة اليوم لا تنظر بالضرورة إلى حياتها باعتبارها سلسلة تبدأ بالزواج ثم الإنجاب مباشرة، وإنما غالبًا ما يكون لديها مشروع تعليمي أو مهني تسعى لتحقيقه بالتوازي مع تكوين الأسرة. لذلك أصبحت قرارات الزواج والإنجاب مرتبطة بقدرتها على التوازن بين العمل والأمومة.
تراجع مساندة الأسرة الممتدة
وحول دور الأسرة الممتدة والأجداد في رعاية الأطفال، أشارت الرحبي إلى أنه لا تزال الأسر الممتدة مهمة في المجتمع العُماني، إلا أن طبيعة دعمها تغيرت مع استقلال السكن وانشغال أفرادها بالعمل ومسؤولياتهم، مما جعل المساندة اليومية أقل توافرًا لدى بعض الأسر.
وبينت أن الطفل في السابق كان ينشأ وسط دائرة واسعة من الأقارب الذين يتقاسمون جزءًا من الرعاية، أما اليوم فتقع المسؤولية بصورة أكبر على الوالدين، وعندما يكون كلاهما موظفًا يصبح الأمر أكثر تعقيدًا، لذلك فإن قرار إنجاب طفل آخر لا يرتبط بالرغبة فقط، وإنما بوجود الوقت والمساعدة اللازمة.

**media[3570807]**


مبادرات لتعزيز الوعي الأسري
قالت ابتسام بنت مسعود الحبسي أخصائية نفسية بدائرة الإرشاد والاستشارات الأسرية في وزارة التنمية الاجتماعية: تشهد منظومة الأسرة في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بما فيها سلطنة عُمان، مرحلة انتقالية دقيقة تتسارع فيها التحولات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية، ولم تعد التغيرات المرتبطة بمعدلات الزواج، وارتفاع سن الزواج، وانخفاض نسب الإنجاب، فضلًا عن تحديات الاستقرار الأسري، مجرد مؤشرات رقمية عابرة، بل باتت قضية مجتمعية استراتيجية تمس جوهر التنمية المستدامة واستقرار الأجيال القادمة.
وتشير التقارير والقراءات السكانية على مستوى دول الخليج إلى اتجاهات تصاعدية في متوسط سن الزواج لدى الجنسين، متأثرة بالتحولات ومتطلبات التأسيس المعيشي وتغير الأنماط الحياتية المعاصرة مقارنة بالثقافة التقليدية.
وأوضحت أن الارتفاع في سن الزواج ينعكس بشكل مباشر على "النافذة الإنجابية" للأسرة، ويؤدي تدريجيًا إلى انخفاض متوسط عدد الأبناء، وتراجع معدلات المواليد الكلية مقارنة بالعقود الماضية.
وأضافت: إن التحديات التي تواجه المنظومة الأسرية تظهر في مدى استقرارها، وتترجمها مؤشرات الطلاق التي تتطلب وقفة فاحصة لا تكتفي برصد الأرقام، بل تغوص في الأسباب الجذرية التي تتراوح بين ضغوط الحياة المعاصرة، وتراجع مهارات التواصل وحل النزاعات، وضعف الجاهزية النفسية والمعرفية للحياة الزوجية لدى بعض الشباب.
وأشارت الحبسي إلى أنه عند تحليل الأسباب الأكثر ارتباطاً بتأخر الزواج، وتأجيل الإنجاب، أو الاكتفاء بعدد محدود من الأبناء لدى الأسر الخليجية، نجد تداخلا لعدة عوامل أبرزها التحديات الاقتصادية ومعيشة العصر وفيها تكاليف السكن، متطلبات المعيشة، وارتفاع تكاليف الخدمات المساندة.
أما الضغوط المهنية فتتمثل في انخراط المرأة المتسارع في سوق العمل دون توفر بيئات عمل مرنة أو شبكات دعم رعاية طفولة كافية، مما يخلق صراعًا مستمرًا بين متطلبات التطور المهني والمسؤوليات الأسرية. ولفتت إلى أن التحول القيمي يعد من الأسباب في تغير الأولويات الحياتية لدى الفئات الشابة، مما يرجئ خطوة الارتباط أو توسيع الأسرة بحثًا عن الاستقرار المادي المطلق أولا.
منظومة دعم متكاملة
وأكدت الحبسي أنه من واقع الممارسة اليومية في ميادين الإرشاد والاستشارات الأسرية، لم تعد التدخلات التقليدية كافية وحدها لمواجهة هذه التحولات؛ بل لا بد من منظومة "دعم متكامل" ترتكز على محاور رئيسية، يأتي في مقدمتها تطوير قطاع الحضانة ودور الرعاية المبكرة، وإعادة هندسة سياسات إجازات الأمومة (والأبوة الداعمة) لتشمل فترات مدفوعة أو جزئية مرنة، تضمن استمرار ارتباط الموظف بعمله من جهة، ومنح الطفل الرعاية الأبوية الأولى الداعمة لنموه النفسي والسلوكي من جهة أخرى.
وأضافت: إن تطوير حزم التحفيز الاقتصادي للأسرة حديثة التكوين، كدعم الإسكان الأسري، وتخفيف الأعباء المعيشية عن الأسر التي تنجب أطفالا متعددين، من شأنه أن يحول "الخوف من تكاليف الأبناء" إلى بيئة حاضنة ومطمئنة.
وأوضحت أن وزارة التنمية الاجتماعية تتعامل مع هذه الملفات بمنهجية مؤسسية استباقية وعلاجية في آنٍ واحد، مستندةً إلى محاور واضحة في تعزيز التماسك الأسري، وتوفر الوزارة خدمات الإرشاد والاستشارات الأسرية المتخصصة عبر قنوات آمنة ومباشرة لمعالجة النزاعات الأسرية واحتوائها بحرفية مهنية تحافظ على كيان الأسرة، وقد شكّلت مبادرة "بيتنا الآمن" اللبنة الأولى والأرضية التوعوية الأساسية لرفع وعي المجتمع بمؤشرات الخطر الأسرية والتحديات المعاصرة، ليمتد هذا الأثر إلى البرنامج المتخصص في الإرشاد الزواجي وهو برنامج "رفقة حياة"، الذي يستهدف المقبلين على الزواج والمتزوجين حديثا في سنواتهم الأولى.
ويُنفَّذ هذا البرنامج على نطاق جغرافي واسع يغطي كافة محافظات سلطنة عمان خلال الفترة من شهر أبريل إلى نهاية شهر أكتوبر من كل عام؛ حيث يتولى تقديمه نخبة من المختصين في المجالين النفسي والاجتماعي ممن تم تدريبهم وتأهيلهم خصيصًا على مهارات الإرشاد الزواجي لضمان تقديم مادة علمية وتطبيقية تحاكي واقع الأسرة العُمانية.
وأكدت الحبسي أن الجانب الاقتصادي يحظى باهتمام في تحقيق الأمان الأسري وتجنب الخلافات المادية، لذا أفرد البرنامج محورًا متكاملًا ومستقلًا للتخطيط المالي للأسرة وإدارة ميزانيتها، وتم تعزيز هذا المحور بفتح آفاق التعاون والشراكة مع مختصين وخبراء ماليين من مؤسسات القطاع الخاص لتقديم حلقات عمل تطبيقية تعين الزوجين على تحديد أولويات الإنفاق والادخار بوعي وفاعلية.
وأشارت إلى أن الجهود لا تتوقف عند المبادرات التدريبية الموسمية، بل تتكامل مع خدمات الدعم المؤسسي المستدام التي تقدمها أقسام الإرشاد والاستشارات الأسرية الموجودة في دوائر التنمية الاجتماعية بكافة المحافظات؛ حيث يتواجد بها أخصائيون نفسيون واجتماعيون يقدمون خدمات الإرشاد الفردي والجمعي، مع مراعاة التعامل مع كل حالة إرشادية بخصوصية وسرية تامة من خلال تصميم خطط إرشادية وتأهيلية تتواءم خصيصًا مع الظروف والاحتياجات الفريدة لكل حالة على حدة، بما يضمن تحقيق التوافق والاستقرار الأسري وفق أسس علمية مُحكمة.
وشددت في ختام حديثها على أن بناء مجتمع مزدهر يبدأ من استقرار لبنته الأولى "الأسرة". وأن الاستثمار في سياسات الدعم الاجتماعي، وتخفيف أعباء الأمومة والطفولة، وتفعيل برامج التوعية والإرشاد، ليس رفاهية اختيارية، بل هو صمام الأمان الاستراتيجي لمواجهة التحديات الديموغرافية وحماية الهوية الاجتماعية الخليجية من التآكل.
وفي الختام، تكشف المؤشرات والآراء التي تناولها التحقيق أن تراجع المواليد في سلطنة عُمان جاء نتيجة عدة عوامل متشابكة لا يمكن تفسيرها بعامل واحد فقط. وما بين انخفاض الخصوبة وتأخر الزواج والإنجاب وتغير تطلعات الأسر العُمانية وارتفاع متطلبات التربية والرعاية تؤكد الآراء الحاجة إلى دراسة اتجاهات الأسر العُمانية والتخطيط لاحتياجات الأجيال الأصغر في التعليم والعمل، والقوى العاملة المستقبلية، والاحتياجات الصحية والاجتماعية لسكان يتجهون نحو الشيخوخة.