شاعر ملأ الدنيا العُمانية وحلّق في كل سماواتها هو الشيخ عبدالله بن علي الخليلي وهو شاعر عمان الأول في القرن العشرين لا يطاوله مطاول ولا يسمو لرتبته شاعر عماني فكل شعراء عمان في زمنه يقرّون له بالسبق والأولية ويضعون أنفسهم بعده على الدوام وإذا كان أبو مسلم هو الرمز الأعظم للشعر العُماني المعاصر بلا منازع فالشيخ عبدالله الخليلي يجيء بعده مباشرة وقد تسيّد شعره الساحة العُمانية لما يقرب من ثلثي قرن ولقد قلت مراراً وما زلت أعيد القول إنه لو ظهر في عواصم العرب الكبرى كدمشق والقاهرة وبيروت وبغداد لكان من أعلام الشعر العربي الذين تضرب بهم الأمثال من أضراب شوقي وبدوي الجبل والأخطل الصغير والجواهري وغيرهم ولكن المكان العُماني المنغلق والمهمش في تلك الفترة حال بينه وبين الذيوع والشهرة التي يستحقها كما حال بينه وبين الحداثة والنظرة العصرية في الكلمة والصورة والجملة الشعرية.

ومع ذلك كانت نفسه نزاعة منذ بداية تجربته لكسر الطوق والتواصل مع الديار العربية ومع قضايا العرب من قضية فلسطين التي هي قضية العرب المحورية إلى قضايا العرب الأخرى كمثل ثورة الجزائر وثورة يوليو في مصر وغيرها من الأحداث العربية المهمة في تلك اللحظات المبكرة.

وسعيه لإثراء حصيلته المعرفية بقراءة رموز الشعر والأدب في محاولة لتجاوز الموروث والتعلق بالجديد والإصرار على ملامسة أشكال الكتابة الحديثة التي لم تكن معروفة في الأدب العُماني من قبل كالقصة القصيرة والمقالة وحتى الرواية وتجريب الخروج من شعر العمود إلى شعر التفعيلة كما في ديوانه «على ركاب الجمهور» وكل ذلك كان محاولة للتجديد في اللغة والأسلوب وتجاوز القديم.

وأذكر مقابلة أجراها معه الأستاذ حمود السيابي لمجلة «الثقافة الجديدة» التي كنا نصدرها من خلال «النادي الوطني الثقافي» ونشرناها في العدد الثالث عشر من تلك المجلة المؤرخ في مايو 1978 وكان من قوله في تلك المقابلة «أضفت للأدب العُماني الشعر الحر وأدخلت فيه القصة الشعرية» هل وفق شاعرنا في الوصول إلى عمق قصيدة العصر؟ وهل استطاع الانفلات من بيئته التي نشأ فيها ولغته التي تشربها؟ دعونا نقول إلى أي حد أمكنه فعل ذلك؟ تلك قصة أخرى لقد حاول الرجل ونجح في بعض الحالات وربما لم تسعفه ذائقته وفهمه للأشياء في حالات أخرى وهو على أية حال ابن زمنه وبيئته وثقافته وكان هو نفسه كثيرًا ما يشير إلى ذلك في بعض كتاباته وردوده على محاوريه.

لقد كان محباً للشعر العربي منذ نعومة أظفاره وقد قال في تلك المقابلة التي أشرنا إليها للتو «عرفت شوقي وناجيت حافظ وغنيت مع الأخطل وترنمت بقصائد الرصافي وجلست مع المتنبي وحرصت على معايشة الشعراء حتى كاد لم يفتني بيت شعري في ديوان».

وفي حوار أجريته معه لم ينشر حتى الآن للأسف لأن مجلة «الغدير» التي كان الحوار لها قد توقفت أشار إلى أنه يقرأ لنزار وصلاح عبد الصبور والشابي وأبو ريشه والبردوني إضافة إلى قائمة من شعراء العربية منذ الجاهلية إلى العصر الحاضر ومهما كانت رغبته في الاقتراب من الجديد والإتيان بالمستحدث إلا أنه ظل في المقام الأول شاعر القصيدة العمودية وفارسها المميز بلغة جزلة فخمة وتراكيب وصور أغلبها إلى القديم أقرب وفي هذا الحوار قال بالحرف:- «المجتمع المتدين الذي عايشته موغل في أعماق العربية الفصحى ولم يتم لي كثيرًا الاختلاط بالشعراء العرب الأشقاء وغالب من اختلطت بهم لم يخرجوا من دائرة التقليد القديم وعباراته المألوفة» فهو يقولها صراحة إنه ابن مكانه ومجتمعه.

ولعل شعره أغلبه من النوع المتين الذي يصعب على غير الخبير الولوج في ساحاته واقتحام صوره وتركيباته ومعانيه وذلك لثقافته العربية العالية وإحاطته باللغة وأسرار البيان.

وقد طرق الشيخ عبدالله الخليلي جميع أغراض الشعر التي عرفها الشعراء العرب من غزل وفخر ورثاء وحكمة ووصف وغير ذلك وزاد عليها الإخوانيات والقوميات والاعتزاز بالوطن مما أظهره الشعر الحديث ولكنه ابتعد عن الهجاء ولم يقاربه وذلك لكرم نفسه وسمو أخلاقه الراقية ولم يتجه للمديح إلا بأقل القليل.

وفي تقديري أنا أن أبلغ شعره وأعظمه هو ما قاله في التصوف والتوسل إلى ربه الكريم وفي مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم وشكوى الدهر ومعاناته ومواجهته وتحدي ضرباته الموجعة وله في الرثاء أنات باكية.

وفي شعره ملمح ديني ملحوظ جاء من دراسته الدينية وتضلعه في الفقه ولكن شعره كما نعلم أبعد ما يكون عن شعر الفقهاء بل هو شعر الفحول النابغين من الشعراء وإن تخللته الألفاظ والمعاني الدينية. وقد أخبرنا أن أول أبيات قالها وهو في العقد الثاني من عمره كانت بمثابة رسالة إلى صديق يدعوه فيها لزيارة سمائل جاء فيها:-

هذي سمائل لانتظار قدومكم

تزهو وتصبح كل يوم تزهر

كالروض باكره الحيا فإقاحه

ثغر ونرجسه عيون تنظر

والآس من تحت النسيم كأنه

قد يقدمه الهوى ويؤخر

والياسمين على البنفسج طافح

والورد يفتحه الغمام وينشر

وكانت تلك الأبيات أول شعر قاله ثم توقف لفترة. وفي مرة تالية كان برفقة عمه الإمام الخليلي في ولاية بدية بمحافظة شمال الشرقية من عمان ضمن رحلة تفقديه يقوم بها الإمام للمناطق العُمانية المختلفة. وتبادر لطلبة العلم المرافقين للإمام أن ينظموا قصيدة في وصف وقائع تلك الرحلة كل واحد يكتب شيئاً ويسلمه لزميله ليضيف ما لديه فلما وصلت الورقة إلى الشيخ عبدالله كتب فيها عدة أبيات منها هذا الشطر الذي يقول فيه:-

«على سيرة حاذى بها سيرة النبي»

وقد أعجب القاضي أبو الوليد سعود بن حميد الذي كان حاضرًا بتلك الأبيات وكان شاعرًا فأسرع بها ليريها الإمام الذي علق بالقول ليته قال حاكى بدل حاذى.

وتوقف الشاعر مرة أخرى لفترة قبل أن ينطلق عنفوان الشعر عنده إلى غير توقف.

وأنا هنا سأقف وقفات متفرقة تنتقل من هنا إلى هناك ليس فيها الدراسة العميقة ولا التحليل الدقيق فذلك فوق طاقتي وأكبر من إمكاناتي وإنما هي مجرد إشارات وحكايات وقصص وذكريات وأرجو عفوكم إن جاء حديثي ليس بالمستوى الذي تنتظرونه وتتوقعونه فكل إناء بما فيه ينضح والهدف الأساس من ذلك هو تذكير الأجيال بشاعر ضخم ينبغي تذكره وتسليط الضوء على تجربته وهي واسعة ثرية وفيها جوانب متعددة يمكن لباحثينا وشبابنا الدارسين أن يضيؤوها ويبرزوا قسماتها وخاصة أولئك الذين يسعون للدراسة الأكاديمية من باحثي الماجستير والدكتوراه والذين أرى الكثير منهم يتهيب الاقتراب من شعر الشيخ عبدالله لما يرونه فيه من الجزالة والقوة والعمق وينصرفون إلى غيره الأقل منه مكانة وموهبة استسهالاً وسعيا لما هو أيسر وذلك أمر مؤسف وإنني هنا أود التوجه بالنداء إلى أبنائنا للغوص في شعر شاعرنا وفي مجالات أدبه المتنوعة.

وكذالك أود الإشارة إلى أن شاعرنا الكبير يستحق أكثر مما حصل عليه من وزارة التراث والسياحة ومن وزارة الإعلام ومن جامعة السلطان قابوس ومن جميع الجهات المعنية بالثقافة والفكر ومنها الصحافة والأندية.

الشيخ عبدالله الخليلي كان يحب التواصل مع الشعراء والأدباء الذين لهم عنده تقدير خاص يرتاح لمجالستهم والالتقاء بهم. وكل من كان يزور عمان من الشعراء والكتاب العرب يحرص على استضافتهم واستزارتهم.

وقد سعى كثير من المشتغلين بالإعلام إلى لقائه وإجراء حوارات معه عن شعره وكتاباته وتجربته. أذكر منهم صديقنا الأستاذ عبدالوهاب قتاية وكان وقتها من نجوم تلفزيون وإذاعة أبوظبي وقد أجرى معه حوارًا موسعاً بثه في برنامجه ــ شعراء من الخليج ــ وصور بيته وبيئته السمائلية ثم عاد للقائه مرة أخرى في مقابلة طويلة أيضا بعد سنوات ولكن في برنامج أدبي آخر كان يعده بعد توقف برنامجه الأول .

وممن زاره من الأكاديميين والباحثين د. نورية الرومي من جامعة الكويت وأجرت معه حوارات معمقة ونشرت عنه عدة مقابلات ودراسات في الصحافة الكويتية وأفردت لأدبه فصولا في كتبها عن أدب الخليج وكان لها بحث مطول عن شعر الغزل لديه نشرته في مجلة «البيان» الشهرية الكويتية التي تصدرها رابطة الأدباء في الكويت.

ولدي شريط يحتوي مقابلة إذاعية أجراها معه مذيع كويتي في أوائل سبعينات القرن الماضي عن تجربته وشعره وحياته.

ولا شك أن الصحافة ووسائل الإعلام غير العمانية قد أقامت معه حوارات كثيرة وللأسف قد ضاع الكثير من هذه التسجيلات المهمة.

أما وسائل الإعلام العمانية على اختلافها فكان لها الحظ الأوفر من تلك الحوارات والمقابلات التي من حسن الحظ أن أغلبها ما زال محفوظا ولدي بعض من هذه الأشرطة وبعض المقابلات المنشورة في صحافتنا العمانية.

وفي سياق الحديث عن حبه واشتياقه للقاء أهل الأدب الذين يحلون بسلطنة عمان نتذكر أنه في عام 1981 حينما أقيم الأسبوع الثقافي المغربي في مسقط حرص الشيخ على دعوة الشعراء المرافقين للوفد إلى بيته في سمائل مع مجموعة من الأدباء العمانيين وأولم لهم وليمة كبيرة وكان يوما ممتعاً أمضيناه معه في سمائل في حديث عن الثقافة والأدب والفكر وقراءة الشعر والتقاط الصور التذكارية وكان الضيوف المغاربة في غاية السعادة والارتياح ومن بينهم على ما أذكر الشاعر علي الصقلــي والشاعر علي الود غيري وغيرهم.

وكانت للشيخ الخليلي علاقات وطيدة مع مجموعة من الأدباء والشعراء من مختلف الديار العربية.

ومنهم شاعر البحرين الكبير الشيخ أحمد بن محمد الخليفة وقد التقيا في مهرجان «الجنادرية» بعاصمة المملكة العربية السعودية ــ الرياض ــ في أوائل الثمانيينيات من القرن الماضي وأعجب كل منهما بالآخر.

وقد ظل الشيخ أحمد الخليفة يذكر ذلك اللقاء ويتحدث عنه في مجلسه مرة بعد مرة.

وفي وقت لاحق حين أعاد إصدار مجموعته الشعرية «العناقيد الأربعة» متضمنة دواوينه الأربعة التي كانت صدرت في بيروت في الخمسينيات والستينيات من ذلك القرن ونفذت طبعاتها أرسل نسخة إلى الشيخ الخليلي عن طريقي وكنت وقتها أعمل ملحقا ثقافيا في البحرين فرد عليه الشيخ عبدالله شاكرًا بأبيات جميلة جاء فيها:-

سليل محمد أتحفتينها

«عناقيدًا» حكت عقص الملاح

لمحت بكرمها ديوان شعر

رسا بين الأخوة والكفاح

رأيت سطوره فرأيت سحرًا

حلالاً مثله نشر الإقاح

فهام الشوق بي في كل واد

إليه وريضي يخشى جماحي

وقد بادر الشيخ أحمد الخليفة مجيباً فور إطلاعه على أبيات الشيخ عبدالله وجاء من ضمن أبياته الجوابية:-

قصيدتكم من الحكم الصحاح

حظيت بها الغداة من الفلاحي

ثملت بها من الأشواق حتى

كأني قد ثملت بكأس راح

رأيتك في «الرياض» وأنت تصغي

لهمس الشعر في طرب مباح

وارض عمان منبت كل حر

أديب نادر في كل ساح

إذا شئت القريض رأيت سحرًا

وليس عليك فيه من جناح

وإن ناديتهم لنهار روع

تعانقت الصوارم بالرماح

أيا رب البيان إليك مني

سلاماً حشوه عطر الإقاح

ولو عندي جناح طرت فورًا

إليك وجئت مسقط في الصباح

كما كانت للشيخ عبدالله صلات ومراسلات مع الشيخ صقر بن سلطان القاسمي حاكم الشارقة الأسبق وكان شاعرًا أديباً ومن أبياته إليه يقول:-

يا صقر أنت على البُعاد أخ

يُدنيك صيتك والهوى الحر

يا صقر أنت الصقر هيجه

دون الطريدة قانص غر

فافخر بسلطان وأسرته

ولهم يحق بمثلك الفخر

مني إليك أخا العروبة ما

يعيى لديه النظم والنثر

يا صقر أذهلني بيانك إذ

شاهدته وكأنه السحر

يا صقر قد أسمعت ذا أذن

ما لم يكن في سمعها وقر

وكانت بينهما لقاءات متعددة حين كان الشيخ عبدالله يزور مصر بين الفترة والأخرى والشيخ صقر القاسمي كان مقيماً هناك. وللشيخ الخليلي في الرد على رسالة من الأستاذ عز الدين التنوخي الباحث السوري المعروف:-

حيي دمشق ومن ربته منهمر

يهمي على غوطتيها الحين فالحينا

حيِّ التنوخي عز الدين صوب حياً

من رحمة الله تحدوه أمانينا

وللأستاذ التنوخي مع الشيخ عبدالله مراسلات تواصلت بعد قيامه بالإشراف على طباعة بعض الكتب العمانية وتحقيقها والتقديم لها تقديما أثار إعجاب العمانيين يومها لما فيه من جهد ملحوظ ومن إشادة بعمان وعلمائها وأدبائها وبمذهبها الإباضي الذي أبدى إعجابه به وتقديره الكبير لعلمائه في وسطيتهم وعدم تعصبهم المذهبي وانفتاحهم على مخالفيهم داعيا إلى الترحيب بهذا المذهب بين المذاهب الإسلامية باعتباره مذهبا إسلاميا أصيلاً معتدلا ولما يضيفه للفكر الإسلامي من اجتهادات وتأصيلات مهمة تثري هذا الفكر وتعزز منطلقاته .

وقد ذهب الشاعر أبو سرور في تلك الفترة إلى دمشق موفدًا من قبل الشيخ عبدالله ومن كبار العلماء للالتقاء بالأستاذ التنوخي وتعزيز الروابط معه وقد حمل أبو سرور أثناء سفرته هذه مخطوطة كتاب العلامة الشيخ خلفان بن جميل السيابي المسمى (جلاء العمى في أحكام الدماء) لطباعته هناك ومنذ ذاك بدأت المكاتبات بين الشيخ عبدالله وبين التنوخي في حوار امتد عبر الرسائل المتبادلة وعند وفاة التنوخي رثاه الشيخ بقصيده معبرة حملت تعزيته لأبناء الفقيد قيس وإخوته كما تضمنت ثناءه عليه وتعديد مناقبه ومآثره مشيدا بعلمه وفكره وتسامحه المذهبي وإنصافه لمخالفيه منوهاً بمساهمته المميزة في خدمة التراث العماني بتحقيق عدد من الدواوين الشعرية العمانية والكتب الدينية.

ومن الأدباء العرب الذين ارتبط الشيخ بالصداقة معهم الشاعر الفلسطيني أبو حيدر علي هاشم رشيد الذي كانت إقامته في القاهرة وهناك تم التعارف بينهما وكان شاعرًا مجيدًا وهو شقيق شاعر فلسطين المعروف هارون هاشم رشيد وللشاعر أبو حيدر هذا قصيدة يحيي فيها ديوان الشيخ عبدالله المسمى «وحي العبقرية» وقد جاء في أبياتها:-

العبقرية وحيه ومتونه

لما تعانق سحره وفتونه

الصدق في الإحساس روح بيانه

أنعم بإحساس تخط يمينه

قد عاش موطنه الحبيب قصائدًا

وعمان فيها شعره وفنونه

أنشودة تدعى عمان بلحنه

وبقلبه كدم حواه وتينه

ومن الباحثين المهتمين بالأدب الذين لقيهم الشيخ عبدالله الباحث المصري الدكتور فيما بعد علي عبد الخالق الذي جاء سمائل في أوائل سبعينيات القرن الماضي مدرسا في مدارسها وهناك توثقت صلته مع أدباء سمائل وأعلامها وفي مقدمتهم الشيخ عبدالله وأوحت إليه إقامته تلك وإطلاعه على الكثير من الأدب العماني المخطوط والمطبوع بكتابة أطروحته للماجستير عن الشعر العماني الحديث وللشيخ عبدالله نصيب كبير فيها وقد صدرت هذه الدراسة في كتاب نشرته دار المعارف في القاهرة ثم أتبع ذلك بعمل كبير نال عليه درجة الدكتوراه عن الشاعر الستالي الذي يعرف في عمان بشاعر النباهنة وقد صدر هذا البحث في كتاب ضخم عن دار المعارف أيضا.

وإذا تجاوزنا مساجلات الشيخ عبدالله مع أقرنه من شعراء العربية وأدبائها والتفتنا إلى القضايا العربية في شعره لوجدناها صيحات غاضبة وأشجانا ملتهبة وكانت قضية فلسطين في الصميم وأفرد لها كثيرا من قصائده إضافة إلى مشاركته في قضايا العرب الأخرى فهو قومي النزعة عربي الهوى والتوجه وشعره يفيض بالأوجاع العربية ويصدر عنها ويتأثر بها ولم يزل شعره صوت الأحرار المهمومين بهموم الأمة ونوائبها وأذكر أنني حين كنت في البحرين أثناء حصار إسرائيل لبيروت لمدة سبعين يوماً في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي كتبت إليه رسالة حزينة طويلة فجاءني رده في قصيدة مؤثرة تقول بعض أبياتها:-

سلام يرتدي حلل الفلاح

يوجه وجهه نحو الفلاحي

كأن أريجه بالمسك يسري

ونغمته بحيَّ على الفلاح

لأحمد موقف يبديه جد

وترويه الثقافة عن فلاح

أتتني منك يا علماً أديباً

رسائل كالمراهم للجراح

قرأت سطورها سطرًا فسطرًا

فهمته بها وهاجت بي جراحي

فلاحي الأرومة هاك مني

سلاماً مثل لآلاء الصباح

إلى أن قال ساخطا وهو يتبرم من الحالة التي وصل العرب إليها:-

أرحني من حساسيات قومي

فلا رجوى لنصر أو فلاح

وللشيخ عبدالله الخليلي قصائد إخوانية بعثها لأصدقائه الخلص وتلامذته من الشعراء العمانيين كمثل الشيخ سليمان بن خلف الخروصي وأبو سرور وعلي بن منصور الشامسي وموسى بن عيسى البكري والشيخ أحمد بن عبدالله الحارثي والشيخ محمد بن عبدالله السالمي وابنه الشيخ سليمان بن محمد السالمي وغيرهم وهي قصائد عامرة بالحب وصادق الإخاء. يقول للشيخ سليمان بن خلف:-

سلام على ذاك الجناب المحبب

وأهلا وسهلاً بالنجار المطيب

فتى خلف إن أخلف النوء سقيه

جنينا الحيا في عارض منك صيّب

سليمان سقيا للأخوة والوفا

وما فيك من خلق كريم مهذب

ويخاطب الشيخ محمد السالمي قائلاً:-

يا أخانا شيبة الحمد

من الله سلاما

وتحيات كأن قد

نفحت عنها الخزامي

تملأ الدنيا سرورا

وحبورا وابتساما

يا أخي أرضعني حبك

مذ كنت غلاما

يا أبن نور الدين إن

الدين قد أمسى قتاما

يا أخا ضبة إني

مسعر القلب دواما

ويخاطب الشيخ أحمد بن عبدالله الحارثي بقوله:-

على أحمد مني التحية ضائعاً

شذاها له في الخافقين هبوب

إليك أخي عني وعما أكنه

لمثلك لو أن الغرام لهيب

ويخاطبه في قصيدة أخرى:-

على أحمد مني السلام تحية

بروح بها روح النسيم مغردا

سلالة عبدالله مالي مطمع

سواك إذا فكري أغار وأنجدا

ويقول لأبي سرور وموسى بن عيسى:-

سلام على موسى بن عيسى إذا انجلى

بمتن المجلي من نعامة وائل

سلام عليه في المكارم والندى

وطعن الكلى في الموقف المتبادل

ومن كحميد في حديد لسانه

وعضب مضاه في دخان النوازل

ويقول في مقام آخر مخاطباً أبا سرور:-

حميد يا نجل عبدالله معذرة

من مخلص لك عاقته مساعيه

أبا سرور أتانا في صحائفه

كالمسك عتبك يزكو في غواليه

ويقول لعلي بن منصور الشامسي:-

يا نجل منصور سلاماً عاطرًا

كالروض باكره السحاب الجون

يا نجل منصور تحية وامق

فيها لحبك شاهد مأمون

وللأسف لا يتسع الموقف لشواهد كانت ضرورية لتبيان تلك الروابط والأواصر.

وللشيخ عبدالله مراث حزينة لمشايخه من العلماء كمثل الشيخ خلفان بن جميل والشيخ حمد بن عبيد والشيخ سالم بن حمود والشيخ إبراهيم بن سعيد العبري وعمه العلامة الكبير الإمام محمد الخليلي وغيرهم من إخوانه ونظرائه وأصدقائه تفيض بالحزن وتقطر بالألم والشعور بالافتقاد يقول في أستاذه عالم العربية الكبير حمدان بن خميس اليوسفي:-

حمد إن حمدان أستاذي أجلك في

نفسي وترعاك من قلبي مجانيه

والله ما أنا بالناسي وهل لي أن

أنسى على النأي قلبي أو مغذيه

حمدان كنت أمير الضاد تحزؤها

أنى تشاء بوحي منك توحيه

اليوسفي ومن كاليوسفي إذا

مالت إلى الزهد عين الله تؤويه

ومن رثائه في عمه الإمام الخليلي:-

قد فقدناك يا محمد حتى

ذاب من حر فقدك الصفواء

يا إمام الهدى فقدناك فقداً

عز ممن رعيت فيه البقاء

فالأراضين حرقة والتياع

والسموات دمعة وبكاء

كنت كهفا وملجأ وملاذاً

وغياثاً إن شدت اللأواء

كنت نورًا لمدلج ومنارًا

لكريم تاهت به الضراء

ويرثيه في قصيدة أخرى فيقول:-

إمام الهدى ما لي أراك مزملاً

يحثك داعي الله شوقاً إلى اللقا

كأنك والأيدي بنعشك شرع

سنا بارق في متن أطلس مودقا

رأيتك والحمى بجسمك حرها

وأنت كما قد كنت بالاً ومنطقا

كأنك لم تخلق هلوعا ولم تكن

جزوعاً ولكن كنت جلدًا موفقا

ومن رثائه في الشيخ الرقيشي:-

محمد بن سالم الحبر الرضا

امسك نصر للهدى وفتح

لإن يكن مات الرقيشي فقد

حي به صمصامة ورمح

وجامع ومجمع وموقف

يخرس فيه العلماء الفصح

ومن مرثيته في الشيخ إبراهيم العبري:-

سليل سعيد شيخنا من تركت

للشريعة يزجي ركبها وهو هائم

ومن ذا لحل المشكلات إذا

دجت حنادسها والغي للرشد كاتم

أهبت بإبراهيم تحت رجامه

وهل مستجيب في المقابر جاثم

هنيئا لك الرضوان والقرب شيخنا

من الله فالرضوان نعم المغانم

ومن رثائه في شيخه إبن عبيد:-

حمد المرتضى سليل عبيد

منشط الفكر من عقال التواني

عاش في الناس يشحذ الناس

أفكارًا ويهدي بالعلم كل جنان

خلني أنشط البيان رثاء

إن وفى بعض حقه تبياني

فلقد راض فكرتي وهي بكر

وغذاها بطيب الألبان

إيه علامة الشريعة إسجح

عن مدين الولا عثور اللسان

رام يرثيك يوم فقدك لكن

كان أرثى لحاله في العنان

فأقلني شيخي قصوري وعجزي

عن أداء الحق الذي يغشاني

وفي الشيخ خلفان بن جميل أحد مشايخه الكبار:-

فتى جميل يا خلفان كنت لنا

طودا أشم منيفات أعاليه

كنت المنار إلى نور اليقين لنا

إلى الرشاد إلى أسمى معانيه

ولست أنسى حياتي ما أنرت به

دربي وقد أظلم الساري وحاديه

وفي شيخه العلامة سالم بن حمود:-

أقول للنبأ المفضي إلي بما

يؤدني حمله من حادث حزبا

ينعى إليّ كريم النفس ذا خلق

لا يعرف الهون لان العود أم صلبا

ينعى إلي شديد الخنزوانة لا

يروعه الأمر إن أغضى وإن غضبا

قد عاش وهو كريم النفس مشتمل

ببردة حاكها إيمانه هدبا

يا سالم ابن حمود يا ابن بُجدتها

تعلامة العصر وهبيا ومكتسبا

شيخي مربي الربيعيات من عمري

ومنشط الوعي يجتاز الفضا خببا

يا من شققت إلى العلياء دربك نحو

العلم جريا إلى أن حزته قصبا

قد كنت من أهله حلال مشكله

كشاف معضله لو أخرس الكتبا

ومراثيه كثيرة من الصعب متابعتها كلها والوقوف مع بيانها وشجنها وعاطفتها الحرى.