ديفيد لوبين – المعهد الملكي للشئون الدولية (شاتام هاوس)

ترجمة قاسم مكي

في عالم مشحون بالتوتر الجيوسياسي والحرب من المفيد التمهّل قليلا للنظر في علامات أمل قليلة برزت خلال الشهور القليلة الماضية في علاقات الصين مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
المثال اللافت والأحدث اتفاقُ الشهر الماضي بين بكين والاتحاد الأوروبي للحد من واردات أوروبا من "السيارات الهجين القابلة للشحن ". إنه يمثل تلطيفا للتوتر التجاري بين الطرفين. وقد يساعد على إنهاء التهديد ببعض الأدوات التجارية المتشددة جدا والتي يبدو أن الحكومتين الفرنسية والألمانية على استعداد لاستخدامها الآن.
كما يأتي الاتفاق الصيني الأوروبي أيضا في سياق اتفاق الرئيسين شي وترامب على فترة " استقرار استراتيجي بنَّاء" أثناء زيارة الرئيس الأمريكي الى الصين في مايو. ورغم إيجابية هذا التفضيل الظاهري للاستقرار إلا أن العلاقات الاقتصادية للصين مع شركائها التجاريين تظل محفوفة بالمشاكل.
استقرار يخدم المصلحة الذاتية
لدى الصين بعض الأسباب الوجيهة جدا والخاصة بها للبحث عن فترة استقرار. ويكاد يكون الشيء الوحيد الذي يمكن أن تتفق حوله الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وأجزاء عديدة من جنوب العالم هذه الأيام وجهةُ النظر القائلة بأن على الصين زيادة وارداتها وتقليل صادراتها.
بكين محظوظة جدا لأن شركاءها التجاريين لا يمكنهم تحويل هذا الإجماع إلى سياسة مشتركة. وهكذا يظل هؤلاء الشركاء مفتقرين تماما إلى التنسيق فيما بينهم للرد على التزايد المتسارع لحصة الصين في السوق العالمية للسلع المصنَّعة. ويلزم أن تشعر بكين بالقلق من أن ينفد هذا الحظ. وهكذا من المعقول أن تعرِض السلطات الصينية تقديم بعض المساعدة.
رد فعل الصين على أزمة هرمز مثال آخر على "العقلانية الاستراتيجية" التي يبدو أن بكين تتبناها. فقد قللت وارداتها النفطية بشدة بعد إغلاق إيران للمضيق في مارس وتهديدها للعالم بفقدان حوالي 12 مليون برميل في اليوم من النفط الذي لا يمكنه إيجاد طرق بديلة للخروج من المنطقة.
في يونيو هذا العام تراجعت واردات الصين من النفط بحوالي 5 مليون برميل في اليوم. قلل هذا الخفضُ الضغوطَ في سوق النفط العالمية. وهو ما دعم النشاط الاقتصادي وساهم في التقليل من الضغوط التضخمية العالمية.
من الواضح أن المصلحة الذاتية كانت وراء ذلك. فنموذج النمو الصيني الموجَّه بشدة نحو التصدير يتطلب من بكين ضمان ألا تقود القبضة الخانقة للنفوذ الذي حصلت عليه عبر هيمنتها الصناعية الى فقدان كارثي للثقة من جانب شركائها التجاريين.
يتطلب النموذج الاقتصادي للصين في حده الأدنى أن يظل زبائنها في وضع مالي يمكنهم من الاستمرار في الشراء. وكل ما يمكن لبكين أن تفعله من أجل استقرار أوضاع الطلب العالمي يلزمها فعله. هذا دون أن نذكر احتمال اتخاذ الشعبوية الصاعدة في الغرب سمة معادية للصين بشكل صريح في المستقبل.
الهشاشة
لكن يجب القول إن هذا الاستقرار هش جدا. مثلا قبول الصين بالحد من صادراتها من السيارات الهجين القابلة للشحن (وإن كان ذلك عبر الإجراء الحمائي المتوافق مع منظمة التجارة الدولية) ينطوي على مخاطر عديدة. من بينها أن الشركاء التجاريين الآخرين للصين قد يتساءلوا لماذا قبلت الصين بقيود التصدير للاتحاد الأوروبي ولم تفعل ذلك لهم. وهذا ما يمكن أن يدفعهم الى المطالبة بترتيبات خاصة بهم.
داخل الاتحاد الأوروبي هنالك إحساس قوى كما يبدو بأن بكين مع قبولها الآن بتقييد صادراتها من السيارات من الممكن أيضا فرض نفس هذا النوع من الضغوط عليها في قطاعات أخرى مثل المواد الصيدلانية والكيماويات والآلات. لكن قد يكون تحمُّل الصين لمثل هذه الضغوط محدودا جدا.
إلى ذلك، لدى أوروبا والشركاء التجاريين الآخرين للصين مشكلة الدوران في حلقة مفرغة عندما يتعلق الأمر بصادرات الصين من السلع المصنّعة.
الرسوم الجمركية التي فرضها الاتحاد الأوروبي على بطاريات السيارات الكهربائية قبل سنتين هي السبب الرئيسي الذي قاد الى هذا الارتفاع الكبير في صادرات السيارات الهجين القابلة للشحن. فالصين ببساطة عززت صادراتها من هذه السيارات التي لا تخضع للرسوم. والآن مع القيود التي ستُفرض عليها ربما لن يطول الوقت قبل أن يزداد نوع أخر من صادراتها الصناعية
مخاوف العملة
هنالك سبب آخر يحدّ من حماس المرء وهو الطريقة التي من المرجّح أن يتطور بها الجدل حول اختلالات التجارة العالمية.
في الوقت الحاضر يبدو أن التزام بكين تجاه نموذج نموِّها المتجه نحو التصدير لا يمكن أن يتزعزع. والراجح أن الصين ستوافق على تقوية عملتها.
فرنسا وألمانيا أوضحتا بجلاء في الشهر الماضي في ورقة عمل غير رسمية عن التجارة أن ارتفاع قيمة الرينمينبي سيكون بديلا مقبولا في الأجل القصير لإعادة توازن اقتصادي له معنى ويمكنه تعزيز إنفاق الصين على الواردات.
كما قد يتزايد الضغط على الصين عندما تنشر وزارة الخزانة الأمريكية تقريرها التالي عن المتلاعبين المحتملين بالعملة في أوائل العام القادم.
من الصعب المحاجَّة ضد فكرة أن الرينمينبي لا يزال مقوَّما بأقل من قيمته الحقيقية وبقدرٍ كبير. لقد أشار مركز أبحاث الاقتصاد الصيني المرموق "سي إف 40" إلى أن سعر الصرف التوازني الأساسي للرينمينبي مقابل الدولار والمعدَّل بناء على حقيقة انخفاض تكلفة المعيشة في الصين يبلغ حوالي 2.5 يوان لكل دولار. أما سعر الصرف الحالي في السوق فأقل قليلا من 6.7 يوان للدولار.
لكن في هذا الجانب على الشركاء التجاريين للصين أن يكونوا أكثر تحفظا فيما يرغبون فيه. فالرينمينبي الأغلى سيعزز حتما الضغوط التضخمية وسط شركاء الصين التجاريين. لقد أوضح البنك المركزي الأوروبي كيف جعلت الواردات الرخيصة من الصين الأسعارَ أكثر اعتدالا مما لو كانت خلاف ذلك .
وفي وقت يشتد فيه القلق من التضخم وبالنظر الى الارتفاع الذي تشهده الأسعار منذ بداية حرب ايران في فبراير لن تكون صدمة التضخم التي يحركها الرينمينبي مُرحَّبا بها في أوروبا والولايات المتحدة.
الاستثمار الأجنبي المباشر (الآمن)
تعاني العلاقات الاقتصادية بين الصين وشركائها التجاريين في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من "معضلة أمن" معهودة. فسعي طرفٍ لضمان أمنه يجعل الطرف الآخر أقل إحساسا بالأمن والعكس صحيح. المخرج المأمول بقدر أكبر من هذه المعضلة قد يكون اتفاق كل الأطراف على وجوب زيادة الصين تدفق استثمارها الأجنبي المباشر "الآمن" الى باقي العالم. وهذه القضية الآن في قلب المحادثات في أوروبا حول "قانون المسرِّع التجاري" المقترح من الاتحاد الأوروبي.
ستساعد التدفقات الكبيرة للاستثمار الأجنبي المباشر على خفض الفائض التجاري للصين بتوليد الإنتاج في البلدان المضيفة إلى جانب كل المنافع الأخرى لإيجاد الوظائف المحلية ونقل التقنية والإيرادات الضريبية.
الصين من جانبها لديها حافز في المدى البعيد بإيداع أصول صناعية في الخارج. فهي على الأقل ستولِّد تدفق دخل من استثماراتها عبر الحدود في المستقبل.
من المفيد العمل على إيجاد طريقة لزيادة الاستثمار الأجنبي المباشر من الصين دون أن يثير ذلك نوبات غضب بشأن مخاطر الأمن القومي. فالتدفقات السنوية لهذا الاستثمار من الصين الى الإتحاد الأوروبي والتي تبلغ حوالي 10 بليون دولار ضئيلة عند مقارنتها بعجز تجاري يصل إلى حوالي 350 بليون دولار سيسجله الاتحاد مع الصين في هذا العام.
لكن تعزيز الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني سيتطلب التسامح مع حد أدنى من انعدام الأمن من جانب أوروبا. بدون ذلك سيترتب عن السعي وراء الأمن المطلق ثمنٌ اقتصادي غالٍ جدا. وسيكون ذلك في نهاية المطاف إضرار بالذات.
وقد يكون الاستثمار الأجنبي المباشر الوسيلة الأفضل للبناء على السلام الاقتصادي الذي يحاول أن يسود.
ديفيد لوبين زميل أبحاث أول ببرنامج الاقتصاد والتمويل الدوليين بالمعهد الملكي للشئون الدولية شاتام هاوس