ها قد مرَّ أسبوع على ظهور النتائج الانتخابية غير الحاسمة التي لم يحقق فيها أي من المتنافسين أغلبية كافية لتشكيل حكومة، وها هي إسرائيل تستيقظ في صباح يوم الأربعاء على مشكلتين كبيرتين. إذ أعلن الرئيس ترامب في حوار مع شبكة فوكس نيوز أن الولايات المتحدة سوف توقف الدعم العسكري لإسرائيل بحلول نهاية العام.

وفي الوقت نفسه، وفي ولاية ميشيجان الأمريكية، حقق عبدول السيد، وهو أول سيناتور مسلم في أمريكا والمنتقد الشرس للدولة اليهودية، انتصارًا كاسحًا، ليقود بذلك صعود اليسار التقدمي في الحزب الديمقراطي.

زعم الرئيس ترامب أنه تم التوصل قبل أشهر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى شروط لاتفاق مفترض. وقال: «لقد اتفقنا فعلًا على أننا بحلول نهاية هذا العام لن ندفع لإسرائيل». والواقع أن مذكرة التفاهم الموقعة منذ عشر سنين لإمداد إسرائيل بـ3.8 مليار دولار سنويًا من المساعدات العسكرية تنتهي في عام 2028.

وبرغم وصف هذا التمويل بـ«المساعدات»، فإنه في حقيقته دعم لصناعة السلاح الأمريكية، إذ يتجه أغلب هذه الأموال إلى أسلحة وسلع عسكرية مصنوعة جميعًا في الولايات المتحدة وبرامج دفاع مشترك، فضلًا عن انتفاع الجيش الأمريكي من خبرة إسرائيل واختبارها للأسلحة الأمريكية في ميادين قتال.

تسبب إعلان الرئيس ترامب في ارتباك وغضب في إسرائيل. فقد انتقد جادي أيزنكوت -قائد كتلة المعارضة الرئيسية- رئيس الوزراء لعجزه عن مناقشة هذه التغيرات مع القيادة العسكرية ومع الرأي العام.

فقال إن «معرفة مؤسسة الدفاع في إسرائيل بهذا التحول في علاقتنا الاستراتيجية من خلال الإعلام، في نفس الوقت الذي علم به الشعب الإسرائيلي بالأمر، لتبين مدى الخطر الذي بلغه سلوك بنيامين نتنياهو».

وقال يائير جولان -حليف أيزنكوت- إن هذه الخطوة «ضربة قاصمة» لأمن إسرائيل، وتأتي في وقت يعاني فيه البلد من حرب على جبهات متعددة.

وقال اللواء المتقاعد آمنون ريشيف -الذي خدم في حرب السادس من أكتوبر 1973- إنه واضح منذ فترة أن الاتفاقية العسكرية سوف تكون مختلفة عن الموقعة منذ عشر سنين في عام 2016.

وأضاف قائلًا: «لقد كنا نعلم أن المبالغ سوف تختلف وأن طبيعة التعاون العسكري بين إسرائيل والولايات المتحدة سوف تتغير، وتصبح أشد تركيزًا على التطوير المتبادل للمعدات العسكرية.

لكن خسارة قرابة ثمانية مليارات دولار من الميزانية العسكرية تمثل رقمًا كبيرًا. وخطط الإنفاق توضع لما بين خمس سنوات وعشر سنوات مسبقًا. ويجري توقيع عقود مع الموردين الأمريكيين، فلا بد من احترامها، وما من مصدر آخر لتغطية هذا المبلغ، ناهيك بتكلفة ثلاث سنوات من الحرب».

قال أنشل فايفر، مراسل مجلة إيكونوميست المخضرم في القدس وكاتب السيرة الذاتية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن الأخير قال للمجلة في يناير إنه يؤيد تقليل المساعدة العسكرية الأمريكية في غضون عشر سنين. وأضاف أن «ترامب يأتي بغتة ليقول إن الاتفاق تم على كل شيء.

ويحاول وكلاء نتنياهو أن يجعلوا الأمر يبدو وكأن هذه كانت فكرته أصلًا. لكن لو كانت كذلك، لعلم المسؤولون في وزارة المالية وفي الجيش بالمفاوضات ولما أصابتهم هذه الدهشة البالغة. إن نتنياهو لم يظهر في العلن منذ ليلة الانتخابات. وليس هذا الأمر ضمن أولوياته. فأولويته الوحيدة هي البقاء في السلطة».

أبدى آخرون قدرًا أكبر من التفاؤل قائلين إن هذه الخطوة موضع مناقشة منذ أمد بعيد. إذ قال أور ييسخار من معهد (منتدى إسرائيل للدفاع والأمن IDSF Institute) إن «كلا الطرفين وافق بالفعل خلال الحرب على إعادة تأطير العلاقة من مساعدة إلى شراكة.

إسرائيل ليست متلقية للمساعدات. نحن حليف أساسي للولايات المتحدة، وضامن للنظام الإقليمي». وأضاف ييسخار أنه «تم تسييس الحوار المتعلق بالمساعدة العسكرية الأمريكية بشكل كامل.

فإذا لم يصل مبلغ أربعة مليارات دولار فهذه ليست بكارثة. بوسع إسرائيل أن تقترض أكثر أو تزيد الميزانية العسكرية. هذه علامة على أن العلاقة تنضج وتتحول إلى شراكة».

وحتى في حال قدرة إسرائيل على التكيف مع إنهاء المساعدات العسكرية الأمريكية، فسوف يكون التعامل مع تآكل دعمها السياسي أصعب كثيرًا.

فبرغم إتقان نتنياهو الشهير للغة الإنجليزية، وعلاقته الوثيقة المفترضة بالرئيس ترامب وفهمه للولايات المتحدة، شهدت فترة ولايته للسلطة تغيرات جمة في المواقف الأمريكية من إسرائيل، في قطاعات من اليسار واليمين على السواء.

وترجع بعض أسباب هذه التغيرات إلى حروب غزة وإيران ولبنان، التي استغلتها جماعة ضغط مناهضة لإسرائيل متزايدة القوة استغلالًا سياسيًا ناجحًا. كما ترجع بعض أسباب هذه التغيرات في الاتجاهات إلى تغيرات مجتمعية، كصعود اليسار التقدمي والثقة المتزايدة في الجاليات العربية والمسلمة، وهو ما تجسد في فوز عبدول.

فهذا السيناتور الفائز، الذي عارض بشدة المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، قد رحب بإعلان قرب انتهائها. وفي الكلمة التي ألقاها بمناسبة فوزه، سخر من الرئيس ترامب الذي يقال إنه هاجمه بسبب إيمانه بالإسلام.

أعلن د. عبدول السيد أنه استعمل عبارة (إن شاء الله) العربية قبل الانتخابات، لكن بوسعه الآن بعد النصر أن يستعمل عبارة (الحمد لله). يأتي فوزه هذا مع فوز ثلاثة مرشحين تقدميين وحلفاء لعمدة نيويورك زهران ممداني بمقاعد في الكونجرس.

في الوقت نفسه، حافظ العديد من الديمقراطيين الموالين لإسرائيل في يسار الوسط على مقاعدهم. وبهذا دخل الصراع من أجل السيطرة على الحزب الديمقراطي مرحلة جديدة، وهي بالنسبة لإسرائيل، مرحلة خطيرة.