كانت سيارة الأجرة التي تقلّني إلى فندقي في دلهي تدور حول ميدان كونوت بليس، عندما توقفت عند إشارة مرور حمراء، وسمعت صوتًا يدعو الناس إلى التفرق. كان الصوت ينبعث من مكبّر مثبت على عمود تحيط بأعلاه مسامير مدببة، ويكرر تحذيرًا بأن تجمع أربعة أشخاص أو أكثر يُعد مخالفًا للقانون: «يرجى الانتباه. نرجو منكم المغادرة بهدوء».

يُعد ميدان كونوت بليس، من نواحٍ كثيرة، قلب العاصمة الهندية المترامية الأطراف. وتضم المنطقة مرصد جانتار مانتار، أحد أبرز المعالم المعمارية والعلمية التي تعود إلى القرن الثامن عشر، والذي استُخدم لرصد حركة الشمس والقمر والأجرام السماوية الأخرى والتنبؤ بمواقعها.

وخلال الصيف الماضي، نظم ناشطون طلابيون إضرابًا عن الطعام في جانتار مانتار، للفت الأنظار إلى الفساد في النظام التعليمي. وتركز غضبهم في البداية على دارمندرا برادان، وزير التعليم في حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي.

ففي مايو، أعلنت الوكالة الوطنية للاختبارات في الهند إلغاء امتحان القبول بكليات الطب، الذي أُجري في وقت سابق من الشهر نفسه، وذلك بعد التحقيق في اتهامات بتسريب أسئلة الامتحان وبيعها. وقد خلّفت الأزمة ضغوطًا مالية ونفسية شديدة، وصلت إلى حد انتحار ما لا يقل عن 21 طالبًا.

وأسفرت احتجاجات الصيف عن استقالة برادان، كما أشعلت حركة احتجاجية اجتماعية واسعة يقودها الشباب. ففي الهند، نحو 370 مليون شخص تتراوح أعمارهم بين الخامسة عشرة والتاسعة والعشرين، وقد أحدث الحراك الطلابي تصدعًا في صورة السلطة التي حرص مودي، زعيم حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم على ترسيخها.

وفي منتصف أكتوبر، قبل وصولي إلى دلهي بأيام قليلة، ألغت السلطات تصنيف جانتار مانتار موقعًا مسموحًا بإقامة الاحتجاجات فيه. وهكذا، فقد المكان دوره ساحةً يستطيع المواطنون فيها ممارسة حقهم الديمقراطي في التظاهر والتعبير عن مطالبهم.

كان فندقي يقع في شارع باراخامبا، على مسافة قريبة جدًا من المدرسة الثانوية التي درست فيها، ولا يبعد سوى مسافة قصيرة سيرًا على الأقدام عن جانتار مانتار.

وفي ضوء الصباح، بدت التقاطعات المرورية المحيطة بكونوت بليس محاطة بحواجز معدنية صفراء زاهية. وكان مهرجان «دوسيهرا» يقترب من نهايته، وهو احتفال ديني هندوسي يستمر عشرة أيام ويرمز إلى انتصار الخير على الشر.

وعادةً ما تشهد الفترة الممتدة من مهرجان دوسيهرا إلى عيد ديوالي، الذي يحل هذا العام في أوائل نوفمبر، نشاطًا تجاريًا كبيرًا وإقبالًا واسعًا على التسوق. لكن الحشود في كونوت بليس كانت أقل من المعتاد.

وكان الحضور الأمني أكثر وضوحًا من حركة المتسوقين. فقد اصطفت على جوانب الطرق حافلات، كان بعضها يقل جنودًا يرتدون الزي العسكري المموّه التابعين لقوة الشرطة الاحتياطية المركزية، وهي قوة أمنية اتحادية تُستخدم في حفظ الأمن والتعامل مع الاضطرابات الداخلية.

وكان جنود آخرون يقفون خارج الحافلات، منشغلين بالنظر إلى هواتفهم. وفي زوايا الشوارع، توقفت مركبات شرطة دلهي ومحركاتها تعمل، وبعضها تومض أضواؤه التحذيرية، بينما وقف أفراد الشرطة بزيهم الكاكي الأنيق يتبادلون الأحاديث.

خارج مرصد جانتار مانتار، كان شاب يُدعى مجيف علي يبيع زيوتًا يدّعي أنها تساعد على الشفاء لأفراد قوة الشرطة الاحتياطية المركزية. ووجدت نفسي أشتري منه قارورة صغيرة بمائة روبية. وعرض عليّ أن يدهن الزيت على ركبتي اليسرى التي كانت تؤلمني، لكنني ترددت في رفع سروالي وسط الشارع والسماح لشخص غريب بتدليك مفاصلي.

وكان عدد من أفراد القوة الأمنية قد تجمعوا حولي، فقال أحدهم باللغة الهندية: «دعه يفعل ذلك، دعه يفعل، فأنت بين أهلك». وأخذ عليٌّ يدهن الخليط على جلدي، فشعرت بحرقة شديدة، بينما تسببت الأبخرة المتصاعدة من الزيت بحرقة في عينيّ.

كنت قد عرّفت بنفسي أنني صحفي. وأشرت إلى جندي ملتحٍ من كشمير كان يقف بالقرب مني، وسألت عليًّا إن كان زيته سيشفيني إذا تلقيت ضربة بهراوة ذلك الجندي. فضحك الجنود، بينما تساءلت في نفسي عما إذا كنت، بهذا المشهد الصغير الذي حاولت من خلاله التقرب إلى رجال الأمن بحكم عملي الصحفي، أخون الطلاب الفقراء الذين خرجوا للاحتجاج.

(أنجالي)، هي شابة في منتصف العشرينيات من عمرها، وعضوة في رابطة طلاب عموم الهند، وهي منظمة طلابية تنشط في القضايا السياسية والاجتماعية.

أخبرتني أن الشرطة والقوات شبه العسكرية تتعامل مع المحتجين بوحشية بعيدًا عن كاميرات وسائل الإعلام. وقالت إن الطلاب كانوا يتعرضون للضرب باستمرار، حتى عندما يمتثلون لاحتجازهم وينفذون جميع التعليمات.

وروت أن أحد رجال الشرطة أمسك بقميصها بينما كان يدفعها إلى حافلة مخصصة لاحتجاز المتظاهرين، وذلك خلال إحدى ليالي الاحتجاجات بالقرب من حاجز أمني في كونوت بليس. لكنها أكدت أن ما حدث لها أثار غضبها الشديد، وأنها خرجت من التجربة أكثر سخطًا وإصرارًا.

تحمل أنجالي درجة الماجستير في دراسات النوع الاجتماعي، وهو مجال أكاديمي يدرس الأدوار والعلاقات الاجتماعية المرتبطة بالرجال والنساء، وتدرس حاليًا للحصول على درجة ماجستير أخرى في الدراسات البوذية.

وقد منحتها الحركة الاحتجاجية التي انطلقت هذا الصيف ثقة أكبر بأفكارها حول الديمقراطية. وقالت: «الناس لم يعودوا خائفين. فما الذي بقي لدينا لنخسره؟».

وأحيانًا، كان الدعم يأتي من جهات غير متوقعة. فقد أخبرتها شرطية كانت تقف في مؤخرة حافلة الاحتجاز بأنها شاهدت مقاطع فيديو للمحتجين، وأعجبتها المطالب والأفكار التي كانوا يطرحونها. وقالت الشرطية إنها سترفع يدها عن مزلاج الباب الذي يُبقي الحافلة مغلقة، وأشارت إلى أن بإمكانهن الهرب من ذلك الباب. وبالفعل، سارعت الشابات إلى الخروج.

ولم يقتصر الاحتجاز على الطلاب وحدهم. فقد نشر صحفي يُدعى إم. راجشيخار تقريرًا روى فيه كيف احتُجز داخل حافلة، وشاهد أشخاصًا آخرين يتعرضون للضرب.

وكان برفقته المحامي أرجون أونيكريشنان، الذي تحدث علنًا عن تعرض محتجزين للصفع والركل. ونقلت الحافلة المحتجزين إلى مركز احتجاز بعيد، وعندما أُطلق سراحهم، كان الوقت قد تأخر من الليل، وكانت هواتفهم قد صودرت.

وبالقرب من جانتار مانتار، كانت تقف شاحنة كبيرة زرقاء اللون، تحمل لافتة بيضاء كُتب عليها «فرقة مكافحة الإرهاب». وفوق ضجيج حركة المرور، كان الصوت نفسه ينبعث من مكبّر مثبت على عمود آخر قريب، مكررًا الرسالة ذاتها دون توقف: «يرجى الانتباه. نرجو منكم المغادرة بهدوء».

كان العشرون من أكتوبر اليوم الأخير من مهرجان «دوسيهرا»، الذي يحتفي بانتصار الخير على الشر. وفي هذا اليوم، يُحرق مجسّم لرافانا عقب عرض مسرحي يُعرف باسم «رامليلا»، يجسّد قصة راما.

وتثير هذه الرواية تفسيرات متباينة، وسأكتفي هنا بالتفسير التقليدي لها. ففي تصور مانوي للعالم، وهي رؤية تقوم على تقسيم العالم إلى قوتين متعارضتين، تمثل إحداهما الخير والأخرى الشر، يكون الحق إلى جانب الحاكم ذي البشرة الفاتحة القادم من الشمال، الذي يقتل في المعركة سكان الجنوب ذوي البشرة الداكنة.

وكان الشاعر ديريك والكوت قد تحدث في محاضرته بمناسبة حصوله على جائزة نوبل عن خطئه حين نظر إلى «رامليلا» باعتبارها عرضًا مسرحيًا، بينما هي في حقيقتها تعبير عن الإيمان الديني. لكن المشهد السياسي الهندي في الوقت الراهن يبدو وكأنه تحول بأكمله إلى مسرح، وخصوصًا عروض «رامليلا»، بعدما اتخذ حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم من الإله راما رمزًا سياسيًا له.

فتحت راية راما، وعلى وقع الهتاف «جاي شري رام»، الذي يعني «المجد للإله راما»، يجري الترويج لعظمة الأمة الهندوسية. وقد تحول هذا الهتاف إلى تعبير عن أيديولوجيا إقصائية ترى أن المواطنة الحقيقية في الهند حكر على الهندوس.

وهو الهتاف نفسه الذي يُجبر بعض المسلمين على ترديده أثناء تعرضهم للضرب أو القتل على أيدي حشود غاضبة.

ولمشاهدة عروض «رامليلا» وإحراق المجسّمات المحشوة بالألعاب النارية، توجهت إلى منطقة بيتامبورا شمال غربي دلهي، حيث يقيم عدد كبير من الموظفين الحكوميين. وتبدو هذه المجسّمات أشبه بدمى ضخمة، ويظهر رافانا وإخوته بشوارب مبالغ في شكلها، تضفي عليهم مظهر الأشرار بصورة هزلية.

ويمكن العثور على مجسّمات رافانا في أماكن كثيرة، لكنني كنت في طريقي إلى منطقة نيتاجي سوبهاش بليس، حيث كان من المقرر إحراق مجسّم آخر إلى جانبها، هو مجسّم صرصور.

وقد أصبح الصرصور الشيطان الجديد في المرويات السياسية المرتبطة بأيديولوجيا «هندوتفا»، أي القومية الهندوسية التي تسعى إلى جعل الهوية الهندوسية أساسًا للهوية الوطنية الهندية. وانطلقت الحركة الطلابية الاحتجاجية في الهند بعدما وصف رئيس المحكمة العليا الشباب العاطلين عن العمل في البلاد بأنهم «صراصير».

وردّ أبهيجيت ديبكي، الذي كان قد أنهى مؤخرًا دراساته العليا في جامعة بوسطن، بمنشور على وسائل التواصل الاجتماعي تساءل فيه: «ماذا لو اجتمعت كل الصراصير معًا؟».

ثم أطلق عبر الإنترنت، على سبيل المزاح تقريبًا، كيانًا أطلق عليه اسم «حزب جانتا للصراصير»، واختصاره «سي جيه بي». وسرعان ما ارتفع عدد المنضمين إليه إلى الملايين. وخلال أشهر قليلة، تحول الحزب إلى قوة معارضة رئيسية في المشهد السياسي الهندي. وكان أول انتصار حققه استقالة وزير التعليم دارمندرا برادان.

وبعد تحقيق صحفي أثار تساؤلات حول قانونية الإجراءات التي اتخذتها الهند لتنقية سجلات الناخبين، تحول اهتمام الحزب إلى المطالبة بمحاسبة لجنة الانتخابات وضمان خضوعها للمساءلة.

وقد أطلقت احتجاجات الصيف موجة واسعة من التعبئة الشبابية اجتاحت أنحاء الهند. أما الاحتجاجات الحالية، التي يبدو أنها اكتسبت طابعًا سياسيًا ودستوريًا أكثر وضوحًا، فقد تركزت بصورة رئيسية في دلهي.

وفي أوائل أكتوبر، انضمت أحزاب المعارضة المشاركة في تحالف يقوده حزب المؤتمر الوطني الهندي إلى عشرات الآلاف من المحتجين في مسيرة اتجهت نحو المحكمة العليا.

لكن بحلول اليوم الأخير من مهرجان «دوسيهرا»، كان نشاط حركة «الصراصير» الاحتجاجية قد شهد فترة من الهدوء. فقد تجاوز اثنان من أبرز المتحدثين باسم «حزب جانتا للصراصير» الحواجز الأمنية في جانتار مانتار ولوّحا بالعلم الوطني، فصدر قرار بحبسهما احتياطيًا لمدة خمسة أيام بأمر قضائي.

وكان أبهيجيت ديبكي قد أُفرج عنه مؤخرًا بعد توقيعه «تعهدًا بالمحافظة على السلم»، وهو إجراء قانوني يلتزم بموجبه الشخص بحسن السلوك وتجنب الإخلال بالنظام العام.

وفي ساحة الاحتفال بمنطقة نيتاجي سوبهاش بليس، اختفت الحواجز الأمنية، واقتصر الوجود الشرطي على عدد قليل من الأفراد. وقبل بدء عرض «رامليلا»، طلب أحد نواب حزب بهاراتيا جاناتا من الجمهور ترديد هتاف «جاي شري رام»، أي «المجد للإله راما».

كان الحضور قليلًا عندما وصلت، لكن جميع المقاعد امتلأت مع حلول الليل. وعندما نظرت إلى ما وراء الساحة المظلمة المحيطة بالمكان، رأيت حشدًا آخر تجمع بمحاذاة جدران مركز تجاري قريب. وبدا لي أن الناس كانوا ينتظرون مشهد النيران أكثر من اهتمامهم بالطقوس الدينية.

في الهند، وتحديدًا في ظل حكم حزب بهاراتيا جاناتا، يبدو أن كل شيء يتحول إلى عرض جماهيري، وأن كل مناسبة تصبح فرصة للدعاية السياسية.

فقد طغت العاطفة المبالغ فيها على عرض «رامليلا»، واختُزلت الملحمة الدينية إلى دراما عاطفية عن برّ الأبناء بآبائهم وإخلاص الإخوة بعضهم لبعض. وجرت أحداث العرض أمام خلفيات بدت وكأنها صُممت باستخدام الذكاء الاصطناعي، تصور غابات مثالية تحلّق فيها الفراشات.

وتوقف العرض عدة مرات بسبب انقطاع الكهرباء، وخلال فترات التوقف استمع الجمهور إلى مواعظ وخطب ألقاها قادة محليون. ودعا أحدهم إلى إنهاء التنوع في المجتمع.

أما السياسي كابيل ميشرا، المنتمي إلى حزب بهاراتيا جاناتا، فقال إن الصرصور يرمز إلى تحالف يجمع القذارة والناكساليين والجهاديين والفاسدين. والناكساليون حركة تمرد ماوية مسلحة في الهند.

وكان ميشرا، الذي يشغل حاليًا منصب وزير في حكومة دلهي، قد واجه اتهامات بالتحريض على أعمال شغب عام 2020. وأشعل ميشرا النار في مجسّم الصرصور الذي بلغ ارتفاعه ثلاثين قدمًا، أي نحو تسعة أمتار، فاشتعل سريعًا والتهمته النيران.

ثم جاء دور مجسّمات أقارب رافانا، قبل أن يُحرق مجسّم رافانا نفسه وسط حريق هائل، أضاف مزيدًا من الملوثات إلى هواء دلهي الذي يعاني أصلًا من مستويات شديدة من التلوث.

وفي صباح ذلك اليوم، نشرت إحدى الصحف الرئيسية في البلاد عنوانًا يقول: «لماذا يخرج العالم إلى الشوارع؟». وحاولت الصحيفة الربط بين الحركات الاحتجاجية الشبابية في الهند وفرنسا وبلجيكا وإسبانيا واليونان والبرتغال وألبانيا والأرجنتين.

لكن أحاديثي مع الطلبة المحتجين في دلهي ومناطق أخرى لم تترك لدي انطباعًا بأنهم يرون أنفسهم جزءًا من انتفاضة عالمية. فقد كانت قضاياهم محلية، تتعلق بأوضاع بلادهم، وكانت الجهات التي يوجهون إليها احتجاجاتهم محددة وواضحة.

وانطلقت الموجة الأولى من الاحتجاجات من حالة اليأس التي أصابت الشباب الهنود بسبب الفساد في الامتحانات الوطنية وتراجع ثقتهم بفرصهم المستقبلية. أما في موجة الاحتجاجات الحالية، فقد أصبحت القضية الأساسية شطب أكثر من 130 مليون اسم من سجلات الناخبين.

وكانت الحكومة قد شرعت في مراجعة القوائم الانتخابية بهدف حذف الأسماء المكررة والمتوفين والأشخاص الذين يفتقرون إلى الوثائق المطلوبة. غير أن نتائج هذه المراجعة أثارت شكوكًا واسعة، وشابتها تناقضات كثيرة.

وبات واضحًا أن عمليات الشطب طالت الأقليات والفقراء والفئات المهمشة بنسب تفوق ما تعرضت له الفئات الأخرى. ولذلك أخذ المحتجون يطالبون باستقالة جيانيش كومار، رئيس لجنة الانتخابات.

ومن بين أبرز هؤلاء المحتجين نيها بورا، التي تبلغ من العمر تسعة وعشرين عامًا، وتتمتع بحضور قيادي لافت، وتشغل منصب رئيسة رابطة طلاب عموم الهند. وكانت نيها، التي تفضل استخدام ضمائر الجمع المحايدة عند الإشارة إليها باللغة الإنجليزية، قد خاضت خلال الصيف إضرابًا عن الطعام استمر ثلاثة وعشرين يومًا في جانتار مانتار، دعمًا لمطلب «حزب جانتا للصراصير» باستقالة وزير التعليم.

ومع تصاعد الحملة المطالبة باستعادة حقوق التصويت، برزت نيها شخصية احتجاجية يصعب ثنيها عن مواقفها. وكثيرًا ما تحدّت القيود التي تفرضها الشرطة، مؤكدة حق كل مواطن في التظاهر السلمي باعتباره حقًا ديمقراطيًا أصيلًا. وخلال الأسبوعين الأولين من أكتوبر، احتجزتها الشرطة وأطلقت سراحها أكثر من عشر مرات. وعلى خلاف قادة «حزب جانتا للصراصير»، رفضت نيها التوقيع على تعهد بالمحافظة على السلم.

التقيت نيها في مقر الحزب الشيوعي الهندي (الماركسي اللينيني)، المعروف باسم التحرير، الذي ترتبط به رابطة طلاب عموم الهند. وفي الخارج، كانت قرود المكاك الريسوسي، تتجول أو تجلس بين أشجار النيم والفرانجيباني، وهي أشجار استوائية معروفة بأزهارها العطرة. وكان الجلوس في الظل ممتعًا.

تتمتع نيها بقدرة على التعبير عن مواقفها بوضوح وصراحة يحملان روح التحدي. ومن ذلك قولها: «إذا كانت الدولة تريد منع العنف، فعليها أن تتوقف عن ممارسة العنف. المسألة بهذه البساطة».

وأخبرتني أن الناس طالما سألوها عن ضرورة معارضة حزب بهاراتيا جاناتا، متسائلين عما إذا كان الحزب يضم أشخاصًا صالحين أيضًا.

لكن نيها أجابت: «عندما تخلط الماء وأوراق الشاي والحليب، ستحصل على الشاي. لن تحصل على كوكاكولا. والأمر نفسه ينطبق على حزب بهاراتيا جاناتا. فإذا صوّتّ له، فلن تجني سوى العنف وأعمال الشغب والفساد. ولن تحصل على أي شيء آخر».

وفي وقت سابق من ذلك اليوم، كان أحد الصحفيين قد سأل نيها عن ناريندرا مودي، الذي تولى رئاسة حكومة ولاية غوجارات قبل أن يصبح رئيسًا للوزراء. فشعبية مودي أمر يصعب تجاهله.

وقالت لي نيها: «أخبرته أن حزب بهاراتيا جاناتا لديه تاريخ طويل من العنف.

وفي وقت سابق من هذا العام، حقق حزب بهاراتيا جاناتا أول فوز له على الإطلاق في انتخابات المجلس التشريعي لولاية البنغال الغربية.

وتعتقد نيها وآخرون أن شطب أسماء الناخبين من السجلات الانتخابية ربما أسهم في تحقيق هذا الفوز. فقد أدت عملية «تنقية» القوائم، في الدوائر الانتخابية البالغ عددها 294 دائرة، إلى حذف أسماء نحو ثلاثة ملايين ناخب.

وأثارت المعلومات التي كُشفت عن المخالفات التي شابت العملية الانتخابية، ومنها نقل إدارة قواعد بيانات الناخبين وتركيزها في دلهي، شكوكًا بشأن نتائج الانتخابات التي أُجريت خلال السنوات الأخيرة.

وفي اليوم التالي، كنت بعيدًا عن العاصمة، في مدينة باريلي بولاية أوتار براديش. وهناك، وخلال فعالية أدبية مخصصة للأدب المكتوب باللغة الهندية، التقيت ناشطة شابة تُدعى ساميون خان، كانت تشارك في جلسة للقراءة الأدبية.

وكانت ساميون قد سافرت إلى دلهي في الثاني عشر من أكتوبر للمشاركة في المسيرة المتجهة إلى المحكمة العليا.

وقالت إنها ما إن بدأت تردد هتافات تطالب باستقالة رئيس لجنة الانتخابات حتى دفعها رجال الشرطة إلى حافلة تضم محتجزين آخرين. وظلت طوال ثماني أو تسع ساعات محرومة من الطعام والماء.

وأخبرتني أن الناخبين المسلمين في ولاية أوتار براديش تلقوا إخطارات تطالبهم بتقديم وثائق تثبت هوياتهم، في حين ظهرت أسماء بعض الناخبين أكثر من مرة في السجلات الانتخابية.

تروي إحدى الحكايات الشعبية المعروفة في الأساطير الهندية قصة ملك كان يخفي سرًا عجيبًا، وهو أن سر حياته وقوته كان مودعًا في ببغاء يعيش داخل قفص ذهبي. ويعتقد قادة «حزب جانتا للصراصير» أن رئيس الوزراء مودي قد يجسد هذه الحكاية في الواقع السياسي.

فهم يرون أن جيانيش كومار، رئيس لجنة الانتخابات، هو ذلك الببغاء الذي تتوقف عليه قوة الملك، وأن رحيله قد يحرم حزب بهاراتيا جاناتا من القدرة على الفوز في الانتخابات المقبلة.

ويمتلك حزب بهاراتيا جاناتا أجهزة الدولة وإمكاناتها الهائلة، فضلًا عن موارد مالية ضخمة لتمويل معاركه السياسية والانتخابية. أما الشباب، فيخوضون هذه المواجهة مسلحين بشجاعتهم ودهائهم.