تجسست دول منافسة وحليفة لواشنطن لعقود على الشركات الأمريكية، سعيًا إلى سرقة أسرار الابتكار والتكنولوجيا. فخلال الحرب الباردة، حاول عملاء المخابرات السوفييتية الاستيلاء على الأسرار التجارية للصناعات الأمريكية، وراقبت المخابرات الفرنسية شركات التكنولوجيا الأمريكية في ثمانينيات القرن الماضي، فيما كثفت الصين جهودها في السنوات الأخيرة.
ووثق مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية 224 حادثة تجسس صينية ضد الولايات المتحدة بين عامي 2000 و2023، استهدفت معظمها تقنيات تجارية.
يهدف هذا النوع من التجسس إلى مساعدة القطاعات الرئيسية في الدول المتجسسة على محاكاة الابتكارات الأمريكية أو تجاوزها بسرعة. ووصف كيث ألكسندر، المدير السابق لوكالة الأمن القومي، سرقة التكنولوجيا الأمريكية عبر الإنترنت بأنها «أكبر عملية نقل للثروة في التاريخ».
ورغم هذه الممارسات، التزمت واشنطن منذ زمن طويل بعدم استخدام أجهزتها الاستخباراتية للتجسس على الشركات الأجنبية بهدف منح الشركات الأمريكية ميزة تجارية. وأكدت الإدارات المتعاقبة هذا الحظر، وصولًا إلى الرئيس باراك أوباما الذي قنّنه عام 2014، وحث الصين ودولًا أخرى على اتباع النهج نفسه.
استندت هذه السياسة إلى اعتبارات عدة، أبرزها رفض التدخل الحكومي في السوق خشية الإخلال بالمنافسة من خلال منح شركات بعينها معلومات سرية. كما أن معظم الابتكارات المهمة للأمن القومي خلال الحرب الباردة وما بعدها جاءت من مؤسسات حكومية، فضلًا عن تفوق الولايات المتحدة التكنولوجي الذي قلل حاجتها إلى التجسس التجاري.
لكن الظروف التي أسست لهذه السياسة تغيرت، فقد أصبح الأمن القومي الأمريكي يعتمد بدرجة متزايدة على ابتكارات القطاع الخاص في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات وعلوم الكم والهندسة الحيوية والطاقة المتجددة والفضاء. وفي الوقت نفسه، تواجه ريادة الولايات المتحدة في هذه المجالات منافسة متصاعدة من الصين، ما يجعل استمرار واشنطن في الامتناع عن التجسس الاقتصادي من جانب واحد موضع تساؤل.
مع نهاية الحرب الباردة، ازدادت أهمية الأمن الاقتصادي، ففي عام 1991، دعا تيرنر إلى جمع المعلومات الاستخباراتية الاقتصادية لمساعدة الولايات المتحدة على مواكبة التطورات التكنولوجية في الخارج، متسائلًا عن سبب امتناعها عن استخدام الأسرار الاقتصادية بعدما أصبحت القوة الاقتصادية عنصرًا أساسيًا من عناصر الأمن القومي.
في عام 1996، أبلغت وكالة الاستخبارات المركزية لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ أن حكومات منافسة، مثل الصين وروسيا، وأخرى حليفة، مثل فرنسا وإسرائيل، تمارس التجسس الاقتصادي.
وكشفت تقارير أن المخابرات الفرنسية زرعت أجهزة تنصت في مقاعد الدرجة الأولى بطائرات الخطوط الجوية الفرنسية للتنصت على رجال الأعمال الأمريكيين. كما أقر رئيس المخابرات الفرنسية السابق بيير ماريون بأن الرئيس فرانسوا ميتران أمر بسرقة أسرار شركات التكنولوجيا الأمريكية.
ومع ذلك، تمسكت واشنطن برفض التجسس التجاري، معتبرة أن تزويد شركات مختارة بمعلومات سرية يتعارض مع مبادئ السوق الحرة وثقافة أجهزتها الاستخباراتية. وقال أحد ضباط العمليات بوكالة الأمن القومي لروبرت جيتس في أوائل التسعينيات: «أنا مستعد للتضحية بحياتي من أجل وطني، لكن ليس من أجل شركة».
مع صعود الصين قوةً اقتصادية عالمية، تصاعد قلق المسؤولين الأمريكيين من سرقة بكين المنهجية للملكية الفكرية للشركات الأمريكية.
وكثفت إدارة أوباما جهود مكافحة التجسس الصيني، لكنها لم تتجه إلى إعادة النظر في الحظر الأمريكي على التجسس الاقتصادي، خصوصًا بعد تسريبات إدوارد سنودن عام 2013، التي كشفت معلومات عن جمع وكالة الأمن القومي بيانات استخباراتية تخص شركات أجنبية. وبدلًا من ذلك، سعت الإدارة إلى تقنين الحظر وإقناع الدول الأخرى بتبنيه.
ففي عام 2014، نص التوجيه الرئاسي المعروف باسم PPD-28 على أن جمع الأسرار التجارية الأجنبية لمنح الشركات الأمريكية ميزة تنافسية ليس غرضًا مشروعًا للاستخبارات.
وفي قمة عام 2015، توصل أوباما والرئيس الصيني شي جين بينج إلى تفاهم يقضي بعدم ممارسة التجسس الإلكتروني أو دعمه لسرقة الملكية الفكرية والمعلومات التجارية السرية بغرض تحقيق مكاسب تجارية. وبعد شهرين، تبنت مجموعة العشرين المبدأ نفسه.
لكن هذه التعهدات لم توقف التجسس الصيني؛ فبعد فترة هدوء قصيرة، استأنفت بكين استهداف الصناعات الأمريكية. ورغم محدودية نتائج هذه السياسة، أبقت إدارتا ترامب الأولى وبايدن عليها؛ إذ أيدتها الأولى، وأكدتها الثانية بأمر تنفيذي عام 2022. وحتى الآن، لم تعلن إدارة ترامب الثانية إلغاء هذه القيود، رغم إعلان وكالة الاستخبارات المركزية في سبتمبر توسيع تركيزها على الشركات الصينية.
لا يعني الحظر الأمريكي الامتناع عن جمع المعلومات الاقتصادية أو تبادلها تمامًا؛ فهو يقتصر على جمع الأسرار التجارية بهدف منح الشركات الأمريكية مكاسب تنافسية، ولا يمنع تبادل المعلومات لأسباب تتعلق بالأمن القومي.
لذلك، تستطيع الأجهزة الاستخباراتية تحذير شركات التكنولوجيا من محاولات سرقة أسرارها، أو إبلاغ البنوك بأن جهات مرتبطة بانتشار الأسلحة تسعى إلى فتح حسابات لديها. كما تواصل جمع المعلومات الاقتصادية لدعم المفاوضات التجارية والضريبية، ومكافحة الفساد وتمويل الإرهاب، وتنفيذ العقوبات ومنع انتشار الأسلحة النووية.
يتماشى السماح بالتجسس الاقتصادي مع توجه الحكومة الأمريكية المتزايد إلى استخدام السياسة الصناعية لخدمة الأمن القومي. ففي عام 1999، أسست الحكومة شركة «إن-كيو-تيل» المرتبطة بوكالة المخابرات المركزية، للاستثمار في شركات تطور تقنيات متقدمة ذات استخدام مزدوج، مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية وأنظمة الاستشعار والملاحة الدقيقة.
توسعت هذه السياسة في السنوات الأخيرة، إذ استندت إدارات أمريكية متعاقبة إلى الأمن القومي لتبرير الرسوم الجمركية والقيود التجارية والاستثمارية ودعم القطاعات الاستراتيجية. وشمل ذلك قانون الرقائق والعلوم وقانون خفض التضخم في عهد بايدن، كما استثمرت إدارة ترامب الثانية مليارات الدولارات في شركات أمريكية تعمل في أشباه الموصلات والمعادن الحيوية وتكنولوجيا الكم والطاقة.
تكمن أهمية هذه التحولات في تغير طبيعة الابتكارات التي يعتمد عليها قطاعا الدفاع والاستخبارات. فبعد الحرب العالمية الثانية، طورت شركات متعاقدة مع الحكومة تقنيات مثل الصواريخ الباليستية والأسلحة النووية وتقنية التخفي، التي لم يكن لها سوق تجارية تُذكر. واعتمدت ابتكارات أخرى، مثل الأقمار الصناعية والدوائر المتكاملة والحواسيب الرقمية، في بدايتها على الطلب الحكومي. لذلك، أمكن تزويد الشركات المتعاقدة بمعلومات سرية تساعدها على تطوير منتجاتها دون منحها ميزة في الأسواق التجارية.
أما اليوم، فيعتمد قطاعا الدفاع والاستخبارات بدرجة كبيرة على تقنيات تجارية ذات استخدام مزدوج، تشمل أشباه الموصلات والحوسبة الكمومية والتكنولوجيا الحيوية والبطاريات والاتصالات المتقدمة.
فنماذج الذكاء الاصطناعي التجارية تُستخدم في تحليل المعلومات الاستخباراتية وتحديد الأهداف والحرب السيبرانية، كما تسهم في رفع كفاءة الشركات والأفراد. وتخدم أجهزة الاستشعار الكمومية الغواصات والطائرات والأقمار الصناعية، إلى جانب تطبيقاتها في التنقيب عن النفط والغاز. كذلك تجمع ابتكارات الهندسة الحيوية بين الاستخدامات الدفاعية والتطبيقات الطبية والزراعية.
تتقدم الصين على الولايات المتحدة في هذه المجالات أو تنافسها بقوة. فقد أعلن مختبر صيني في يونيو 2026 تطوير حاسوب عملاق يتفوق على نظيره الأمريكي، وكشفت شركة «كاتل» الصينية عام 2025 عن بطاريات سيارات فائقة السرعة في الشحن، إلى جانب إحرازها تقدمًا في إنتاج بطاريات أيونات الصوديوم، بينما تتخلف الشركات الأمريكية في هذه المجالات.
تدرك بكين أهمية التفوق التكنولوجي، ولذلك تستخدم أجهزتها الاستخباراتية لسرقة الأسرار التجارية ومشاركتها مع الشركات الصينية. وأطلقت عام 2015 مبادرة «صنع في الصين 2025» لتحقيق الريادة العالمية في عشر تقنيات رئيسية، واستمر هذا التوجه في خطتها الخمسية الخامسة عشرة (2026-2030).
في المقابل، تعتمد واشنطن على الرسوم الجمركية والدعم المالي وقيود التصدير والاستثمار والعقوبات لحماية صناعاتها التكنولوجية، إلى جانب الجهود الدبلوماسية والاستخباراتية لمواجهة التقدم الصيني. لكن هذه الأدوات تفتقر إلى عنصر أساسي هو التجسس الاقتصادي.
فمشاركة المعلومات الاستخباراتية عن الشركات الصينية مع القطاع الخاص الأمريكي لن تحسم المنافسة وحدها، لكنها ستعزز أثر السياسات الأخرى وتدعم قدرة الشركات الأمريكية على المنافسة.
لا تتعلق المسألة بمشروعية التجسس الاقتصادي بقدر ما تتعلق بكيفية تنظيمه بما يخدم الأمن القومي دون الإضرار بالمنافسة أو فتح الباب للمحاباة والتسييس. ويمكن وضع إطار رسمي لهذه الممارسة من خلال أمر تنفيذي يصدره الرئيس، وتشريعات مكملة يقرها الكونجرس ضمن قانون تفويض الاستخبارات السنوي. وينبغي أن تنظم هذه القواعد جمع الأسرار التجارية الأجنبية وتبادلها وفق أولويات الدفاع والاستخبارات، مع ضمان المنافسة ومنع توظيف المعلومات لتحقيق مصالح سياسية أو شخصية.
يجب أن يحدد الإطار الدول والقطاعات المستهدفة؛ فمن المنطقي التركيز على الشركات في الدول المعادية، مثل الصين وإيران وكوريا الشمالية وروسيا، مع استبعاد شركات الحلفاء المقربين، تجنبًا للإضرار بالتعاون الاستخباراتي معهم. أما اختيار الأهداف الأخرى، فينبغي أن يخضع لتقدير أجهزة الاستخبارات تحت إشراف لجان الكونجرس المختصة.
كما يجب قصر تبادل المعلومات على الشركات العاملة في قطاعات تكنولوجية متقدمة ذات أهمية واضحة للأمن القومي، مع إتاحة إضافة قطاعات جديدة وفقًا لتغير الأولويات. وينبغي توزيع المعلومات داخل كل قطاع على نطاق واسع، بحيث تشمل الشركات الصغيرة والناشئة، لا الشركات الكبرى التي تحظى بالفعل بدعم حكومي.
ومن شأن ذلك منع ترسيخ هيمنة الشركات القائمة وإتاحة الفرصة أمام الابتكارات الجديدة.
يتعين أن تستند معايير اختيار الشركات إلى أسس موضوعية ومحايدة تراعي اختلاف القطاعات والأسواق، وأن تقتصر الاستفادة على الشركات القادرة على توظيف المعلومات لتعزيز الأمن القومي، والتي تمتلك ضمانات كافية لحمايتها وتأمين أنظمتها من الاختراق.
كذلك ينبغي تحديد ما إذا كانت الاستفادة من المعلومات ستقتصر على الشركات الأمريكية أم ستمتد إلى شركات الدول الحليفة والشريكة، خصوصًا تلك التي تتبادل واشنطن معها المعلومات الاستخباراتية. وفي حال السماح للشركات الأجنبية بالاستفادة، تتولى أجهزة الاستخبارات تحديد الجهات المؤهلة بالتنسيق مع لجان الكونجرس المختصة.
لا يقل الإشراف والرقابة أهمية عن تحديد المستفيدين، إذ ينبغي إلزام الأجهزة المعنية بتقديم إحاطات دورية إلى لجان الاستخبارات في الكونجرس بشأن المعلومات المتبادلة والجهات المستفيدة وأسباب اختيارها. كما يجب أن ينص قانون تفويض الاستخبارات السنوي على مراجعة البرنامج سنويًا بواسطة المفتشين العامين للوكالات المعنية، للتحقق من أنه يخدم الأمن القومي ولا يُستغل لتحقيق مصالح سياسية أو شخصية.
ينبغي أن يعتمد جمع المعلومات أساسًا على استخبارات الإشارات التي تتولاها وكالة الأمن القومي، لا المصادر البشرية التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية. فالأسرار المستهدفة، مثل التصميمات والمواصفات الفنية والعمليات الصناعية، توجد غالبًا على أنظمة رقمية يسهل رصدها وتحليلها بوسائل تقنية، دون تعريض العملاء الميدانيين لمخاطر إضافية.
يتطلب نجاح البرنامج أيضًا تعزيز التواصل بين أجهزة الاستخبارات وشركات التكنولوجيا العاملة في القطاعات الحيوية، حتى تتمكن الأجهزة من تحديد المعلومات التي تحتاج إليها هذه الشركات. كما يستلزم تسهيل إجراءات الحصول على التصاريح الأمنية وإزالة العقبات التي تحول دون انتقال الخبراء بين شركات التكنولوجيا المتقدمة ومجتمع الاستخبارات.
وأخيرًا، يجب أن يمنع الكونجرس استخدام المعلومات لمصلحة شركات بعينها. ولهذا، يتعين على لجان الاستخبارات التحقيق في كيفية تطبيق القواعد الحالية ومدى التزام الإدارة بها، خصوصًا في ظل التساؤلات المتعلقة بتضارب المصالح في المشروعات التجارية المرتبطة بالرئيس دونالد ترامب وأعضاء إدارته وعائلاتهم. وينبغي فهم الممارسات القائمة والتحقق منها قبل التوسع رسميًا في برنامج التجسس الاقتصادي.
لن يخلو التخلي عن الحظر الأمريكي الأحادي للتجسس الاقتصادي من المخاطر. فعلى الصعيد الدولي، قد يؤدي ذلك إلى سباق تجسس مع دول أخرى، ولا سيما الصين. لكن لا يوجد دليل على أن بكين كبحت أنشطتها الاستخباراتية بسبب ضبط النفس الأمريكي. بل إن أي اعتدال محتمل تبدد بعدما أعلنت إدارة ترامب مضاعفة جهود جمع المعلومات من الشركات الصينية.
على الصعيد الداخلي، قد يؤثر تبني هذه السياسة سلبًا في بيئة الابتكار الأمريكية، حتى مع وجود قواعد دقيقة ورقابة من الكونجرس، إذ يظل التسييس والفساد احتمالين قائمين. ومع ذلك، فإن وضع آلية تشاورية ومنظمة لتبادل المعلومات الاستخباراتية ذات القيمة التجارية مع القطاع الخاص أفضل من التوسع العشوائي في هذه الممارسة أو تخفيف القيود القائمة دون ضوابط.
يمكن أن تحقق الولايات المتحدة مكاسب كبيرة من مشاركة الأسرار التجارية الأجنبية مع شركات تكنولوجية مختارة. ولا يقلل ذلك من قيمة ابتكارات هذه الشركات، التي تحظى بإعجاب العالم، لكنه يعكس صعوبة التحديات التقنية التي تواجهها وندرة الاكتشافات في مجالاتها. ومع تزايد الترابط بين الأمن القومي والاقتصاد التجاري، لم يعد من الممكن حجب المعلومات الاستخباراتية المتقدمة عن الشركات التي قد يتوقف عليها مستقبل أمن الولايات المتحدة وقوتها.